فهرس الكتاب

الصفحة 9816 من 11127

6614 - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) المديني، قال (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو ابنُ عُيينة (قَالَ حَفِظْنَاهُ) أي الحديث (عَنْ عَمْرٍو)

ج 27 ص 579

بفتح العين، هو ابنُ دينار، وعند الحُميدي في «مسنده» عن سفيان حدَّثنا عَمرو بن دينار (عَنْ طَاوُسٍ) هو ابنُ كيسان، الإمام أبو عبد الرحمن، أنَّه قال (سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أنَّه (قَالَ احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى) عليهما الصَّلاة والسَّلام، وفي رواية همام عند مسلم (( تحاجَّ ) )، كما في التَّرجمة وهي أوضحُ. وفي رواية أيُّوب بن النَّجَّار ويحيى بن أبي كثير (( حجَّ آدمُ وموسى ) )، وعليها شرح الطِّيبي فقال معنى قوله «حجَّ» غلبه، بالحجَّة وقوله بعد ذلك (( أنت آدم ... ) )، إلى آخره توضيحٌ لذلك، وفي رواية يزيد بن هُرمز (( عند ربهما ) ). وفي رواية محمد بن سيرين (( التقى آدمُ وموسى ) ). وفي رواية الشَّعبي وعمار (( لقيَ آدم موسى ) ) [خ¦4736] . وفي حديث عمر رضي الله عنه (( لقيَ موسى آدم ) )، كذا عند أبي عَوَانة، وأمَّا أبو داود فلفظه كما تقدَّم (( قال موسى ياربِّ أرني آدم ) ).

وقد ذكرنا اختلافَ العلماء في وقت هذا اللِّقاء، وذكر ابنُ الجوزي احتمال لقائهمَا في البرزخ، واحتمال أن يكون ذلك ضرب مثلٍ، والمعنى لو اجتمعا لقالا ذلك، وخصَّ موسى بالذِّكر؛ لأنَّه أوَّل نبيٍّ بُعث بالتَّكاليف الشَّديدة. قال وهذا وإن احتمل لكنَّ الأوَّل أولى. قال وهذا ممَّا يجبُ الإيمان به، وإن لم نقف على حقيقة معناه كعذاب القبر ونعيمهِ، ومتى ضاقت الحيل في كشفِ المشكلات لم يبقَ إلَّا التَّسليم.

وقال ابنُ عبد البر مثل هذا عندي يجبُ فيه التَّسليم، ولا يُوقف فيه على التَّحقيق؛ لأنَّا لم نؤتَ من جنس هذا العلم إلَّا قليلًا.

(فَقَالَ لَهُ) أي لآدم (مُوسَى يَا آدَمُ أَنْتَ أَبُونَا) وفي رواية يحيى بن أبي كثير (( أنت أبو البشر ) )، وكذا في حديث عَمرو، وفي رواية الشَّعبي (( أنت آدمُ أبو البشر ) ) (خَيَّبْتَنَا) أي أوقعتنا في الخيبة وهي الحرمانُ (وَأَخْرَجْتَنَا) أي كنت سببًا لإخراجنا (مِنَ الْجَنَّةِ) دار النَّعيم والخلود إلى دار البؤس والعناء، والجملة مفسٍّرة للسَّابقة، ومفسٍّرة لِمَا أُجمل. وفي رواية حميد بن عبد الرَّحمن (( أنت آدم الذي أخرجتك خطيئتك

ج 27 ص 580

من الجنَّة )) ، هكذا في «أحاديث الأنبياء» عنه [خ¦3409] ، وفي التَّوحيد (( أخرجت ذريتك ) ) [خ¦7515] . وفي رواية مالك (( أنت الذي أغويتَ النَّاس وأخرجتهم من الجنَّة ) )، ومثله في رواية همام، وكذا في رواية أبي صالح. وفي رواية محمد بن سيرين (( أشفيت ) )، بدل (( أغويت ) ).

ومعنى «أغويت» كنت سببًا لغواية من غوى منهم، وهو سببٌ بعيدٌ، إذ لو لم يقعِ الأكل من الشَّجرة لم يقعِ الإخراج من الجنَّة، ولو لم يقع الإخراج ما سُلِّط عليهم الشَّهوات والشَّيطان المسبِّب عنهما الإغواء، والغيُّ ضدُّ الرُّشد، وهو الانهماكُ في غير الطَّاعة، ويُطلق أيضًا على مجرَّد الخطأ. يقال غوى؛ أي أخطأَ صوابَ ما أُمِر به، وفي «تفسير طه» من رواية أبي سلمة (( أنت الَّذي أخرجت النَّاس من الجنَّة بذنبك؟ ) ). [خ¦4738] وعند أحمد من طريقه (( أنت أدخلت ذريَّتك النَّار؟ ) )، والقول فيه كالقولِ في «أغويت» ، وزاد همام (( إلى الأرضِ ) ). وفي رواية يزيد بن هُرمز (( وأهبطتِ النَّاس بخطيئتكَ إلى الأرض ) )، وأوَّله عنده (( وأنت الَّذي خلقكَ الله بيدِهِ، وأسجدَ لك ملائكته ) )، ومثله في رواية أبي صالح. لكن قال (( ونفخَ فيك من روحه ) )، ولم يقل (( وأسجدَ لك ملائكته ) )، ومثله في رواية محمد بن عَمرو، وزاد (( وأسكنك جنَّته ) ). ومثله في رواية ابن سيرين وزاد (( ثمَّ صنعت ما صنعتَ ) ).

وفي رواية عَمرو بن أبي عَمرو عن الأعرج (( يا آدم خلقك الله بيده، ثمَّ نفخ فيك من روحه، ثمَّ قال لك كنْ فكنت، ثمَّ أمر الملائكة، فسجدوا لك، ثمَّ قال لك {اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ} [البقرة 35] ، فنهاكَ عن شجرةٍ واحدةٍ فعصيت ) ). زاد الفريابيُّ (( وأكلت منها ) )، وفي رواية عكرمة عن أبي سلمة (( أنت آدم الذي خلقكَ الله بيدِهِ ) )، وأعادَ الضَّمير في قوله (( خلقك ) )، إلى قوله (( أنت ) ). والأكثر عوده إلى الموصول كأن يقول خلقَه الله، ونحو ذلك ما وقعَ في رواية الأكثر (( أنت الَّذي

ج 27 ص 581

أخرجتك خطيئتك )) . وفي حديث عمر رضي الله عنه بعد قوله (( أنت آدم قال نعم، قال أنت الَّذي نفخَ الله فيك من روحهِ، وعلمك الأسماء كلها وأمرَ الملائكة، فسجدوا لك قال نعم، قال فلم أخرجتَنَا ونفسك من الجنَّة؟ ) ). وفي لفظ لأبي عَوَانة (( فوالله لولا ما فعلتَ ما دخلَ أحدٌ من ذريَّتك النَّار ) )، ووقعَ في حديث أبي سعيد عند ابنِ أبي شيبة (( فأهلكتنَا وأغويتنَا ) )، وذكر ما شاء الله أن يذكرَ من هذا. وهذا يُشعرُ بأنَّ جميع ما ذكره في هذه الرِّواية محفوظٌ، وأنَّ بعضَ الرُّواة حفظ ما لم يحفظِ الآخر.

وقوله (( أنت آدم؟ ) )، استفهام تقرير، وإضافة خلق آدمَ إلى يدهِ في الآية إضافة تشريفٍ، وكذا إضافة روحه إلى الله، ومن في قوله (( من روحه ) )زائدة على رأي، والنَّفخ بمعنى الخلق؛ أي خلق فيك الرَّوح.

ومعنى قوله (( أخرجتنا ) )كنت سببًا لإخراجنَا، كما تقدَّم وقوله (( أغويتنَا وأهلكتنَا ) )، من إطلاق اسم الكل على البعضِ بخلاف (( أخرجتنَا ) )فهو على عمومهِ، ومعنى قوله (( أخطأتَ وعصيتَ ) )، ونحوهما فعلتَ خلاف ما أُمرت به، وأمَّا قوله (( خيَّبتنا ) )بالخاء المعجمة والموحدة، من الخيبة، والمراد به الحرمان، كما أشرنا إليه.

وقيل هي كأغويتنَا من إطلاق اسم الكلِّ على البعضِ، والمراد مَن يجوز منه وقوع المعصيَّة، ولا مانع من حملهِ على عمومهِ، والمعنى أنَّه لو استمرَّ على ترك الأكل من الشَّجرة لم يخرج منها، ولو استمر فيها لوُلِدَ له فيها، وكان ولده سكَّان الجنَّة على الدَّوام، فلمَّا وقع الإخراج فاتَ أهل الطَّاعة من ولده استمرار الدَّوام في الجنَّة، وإن كانوا إليها ينتقلون، وفات أهل المعصية تأخَّر الكون في الجنَّة مدَّة الدُّنيا، أو ما شاء الله من مدَّة العذاب في الآخرة إمَّا مؤقَّتًا في حقِّ الموحدين، وإمَّا مستمرًا في حقِّ الكفَّار فهو حرمان نسبيٌّ.

(فَقَالَ لَهُ) أي لموسى (آدَمُ يَا مُوسَى اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِكَلاَمِهِ) أي جعلك خالصًا صافيًا عن شائبةٍ ما لا يليقُ بك، وقوله (( بكلامه ) )، تُلمِّحُ إلى قوله {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء 164] ، وقوله تِلْكَ الرُّسُلُ

ج 27 ص 582

فَضَّلْنَا [البقرة 253] الآية (وَخَطَّ لَكَ) ألواح التَّوراة (بِيَدِهِ) من المتشابهات، فإمَّا أن يفوَّضَ إلى الله تعالى، وإمَّا أن يؤوَّل بالقدرةِ، وفي رواية الأعرج (( أنت موسى الَّذي أعطاك الله علم كلِّ شيءٍ واصطفاكَ على النَّاس برسالتهِ ) )، وفي رواية همَّام نحوه لكن بلفظ (( اصطفاهُ وأعطاه ) ). وفي رواية يزيد بن هارون (( وقرَّبك نجيَّا، وأعطاك الألواحَ فيها بيان كلِّ شيءٍ ) )، وفي رواية ابنِ سيرين (( اصطفاكَ الله برسالتهِ واصطفاكَ لنفسهِ، وأنزل عليك التَّوراة ) )، وفي رواية أبي سلمة (( اصطفاك الله برسالتهِ وبكلامه ) ). ووقع في رواية الشَّعبي (( فقال نعم ) ).

وفي حديث عمر رضي الله عنه قال (( أنا موسى، قال نبيُّ بني إسرائيل؟ قال نعم، قال أنت الَّذي كلَّمك الله من وراء حجابٍ ولم يجعل بينك وبينه رسولًا من خلقه؟ قال نعم ) ).

(أَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدَّرَ اللَّهُ عَلَيَّ) بتشديد الياء وحذف ضمير المفعول وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهني بالضَّمير (قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي بِأَرْبَعِينَ سَنَةً) في رواية يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة (( فكيف تلومني على أمرٍ كتبه الله، أو قدَّره الله علي ) ) [خ¦4738] . ولم يذكر المدَّة، وثبت ذكرها في رواية طاوس، وفي رواية محمد بن عَمرو عن أبي سلمة ولفظه (( فبكم تجد في التوراة أنَّه كُتِب عليَّ العمل الَّذي عملته قبل أن أُخلقَ؟ قال بأربعين سنة ) ). وفي رواية يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة (( فكيف تلومني ) )، وفي رواية يزيد بن هارون نحوه وزاد (( فهل وجدت فيها {وعصى آدم ربَّه فغوى} ، قال نعم ) ).

وكلام ابن عبد البرِّ قد يُوهم تفرُّد ابن عيينة عن أبي الزِّناد بزيادتها، لكنَّه بالنسبة لأبي الزِّناد، وإلَّا فقد ذُكَرَ التَّقييد بالأربعين غير ابن عيينة. وفي رواية الزُّهري عن أبي سلمة عند أحمد (( فهل وجدت فيها _ يعني الألواح أو التَّوراة_ أنِّي أهبط ) ). وفي رواية الشَّعبي (( أفليس تجدُ فيما أَنزل الله عليك أنَّه سيخرجني منها بعد أن يدخلنيها؟ قال بلى ) ). وفي رواية ابن أبي عمَّار قال (( أنا أقدمُ أم الذِّكر؟ قال بل الذِّكر ) ). وفي رواية عَمرو بن أبي عَمرو عن الأعرج

ج 27 ص 583

(( ألم تعلم أنَّ الله قدَّر هذا عليَّ قبل أن يخلقني ) ). وفي رواية ابنِ سيرين (( فوجدتَه كتب عليَّ أن يخلقني؟ قال نعم ) ). وفي رواية أبي صالح (( فتلومني في شيءٍ كتبه الله عليَّ قبل خلقي ) ). وفي حديث عمر رضي الله عنه قال (( فلِمَ تلومني في شيءٍ سبق من أمر الله فيه القضاء ) ). ووقع في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه (( أتلومني على أمرٍ قدَّره الله عليَّ قبل أن يخلقَ السَّماوات والأرض ) ).

والجمع بينه وبين الرِّواية المقيَّدة بأربعين سنةً حملها على ما يتعلَّق بالكتابة، وحمل الأخرى على ما يتعلِّق بالعلم. وقال ابنُ التِّين يحتمل أن يكون المراد بأربعين سنة ما بين قوله تعالى {إنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة 30] إلى نفخ الرُّوح فيه.

وأجاب غيره بأنَّ ابتداءَ المدَّة وقت الكتابة في الألواحِ وآخرها ابتداء خلقِ آدم. وقال ابنُ الجوزي المعلومات كلُّها قد أحاطَ بها علمُ الله القديم قبلَ وجود المخلوقات كلِّها، ولكن كتابتُها وقعتْ في أوقاتٍ متفاوتةٍ. وقد ثبتَ في الصحيح، ففي «صحيح مسلم» (( إنَّ الله عزَّ وجلَّ قدَّر المقادير قبل أن يخلقَ السَّماوات والأرض بخمسين ألف سنة ) ).

فيجوز أن تكون قصَّة آدم عليه السلام بخصوصها كُتبت قبل خلقهِ بأربعين سنة، ويجوز أن يكون ذلك القدر مدَّة لبثه طينًا إلى أن نفخت فيه الرُّوح؛ فقد ثبتَ في «صحيح مسلم» (( أنَّ بين تصويره طينًا ونفخ الرُّوح فيه كان مدَّة أربعين سنة ) ). ولا يخالفُ ذلك كتابة المقادير عمومًا قبل خلق السَّماوات والأرض بخمسين ألف سنة.

وقال المازريُّ الأظهرُ أنَّ المراد أنَّه كتبه قبلَ خلق آدمَ بأربعين عامًا، ويحتمل أن يكون المراد أظهره للملائكة، أو فعلَ فعلًا ما أضاف إليه [هذا] التَّاريخ، وإلَّا فمشيئة الله وتقديره قديم، والأشبه أنَّه أراد بقوله «قدره الله عليَّ قبل أن أُخلقَ» ؛ أي كتبه في التَّوراة لقوله في الرواية المشار إليها «فبكم وجدته في التَّوراة قبل أن أُخلقَ؟» .

وقال النَّووي المراد أنَّه كتبه في اللَّوح المحفوظ، أو في التَّوراة، أو في الألواح، ولا يجوزُ أن يرادَ

ج 27 ص 584

أصل القدر؛ لأنَّه أزليٌّ، ولم يزل الله عزَّ وجلَّ يريدُ ويقدِّر ما يقعُ من خلقه.

قال الحافظُ العسقلاني وكان بعضُ شيوخنا يزعم أنَّ المرادَ إظهار ذلك عند تصوير آدم طينًا، فإنَّ آدمَ أقام في طينه أربعين سنة، والمراد على هذا بخلقهِ نفخ الرُّوح فيه. قال وقد يعكِّر على [هذا] روايةُ الأعمش عن أبي صالح (( كتبه الله عليَّ قبلَ أن يخلقَ السَّماوات والأرض ) ). لكنَّه يحمل قوله فيه (( كتبه عليَّ ) )على أنَّه قدَّره، أو على تعدُّد القصَّة؛ لتعدد المكتوب والعلم عند الله تعالى.

(فَحَجَّ آدَمُ) بالرفع على الفاعلية (مُوسَى) في موضع نصب على المفعولية (فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى) أي قالها ثلاثًا، والملفوظُ به هنا ثنتان، كذا في هذه الطَّريق، ولم يكرِّر في أكثر الطُّرق عن أبي هريرة رضي الله عنه؛ ففي رواية أيُّوب بن النَّجار كالَّذي هنا، لكن بدون قوله (( ثلاثًا ) )، وكذا لمسلم من رواية ابن سيرين، وكذا في حديث جندب عند أبي عَوَانة، وثبتَ في حديث عمر رضي الله عنه بلفظ (( فاحتجَّا إلى الله فحجَّ آدمُ موسى ) ) [1] ، قالها ثلاث مرَّات.

وفي رواية عَمرو بن أبي عَمرو عن الأعرج (( لقد حجَّ آدم موسى لقد حجَّ آدم موسى ) ). وفي رواية سعيد بن الحارث (( فحجَّ آدمُ موسى ثلاثًا ) ). وفي رواية الشَّعبي عند النَّسائي (( فخصمَ آدمُ موسى فخصمَ آدمُ موسى ) ).

واتَّفق الرُّواة والنَّقلة والشُّرَّاح على أنَّ آدمَ بالرفع، وشذَّ بعض النُّاس؛ فقرأه بالنصب على أنَّه مفعول، و «موسى» في محلِّ الرفع على أنَّه فاعل، نقله الحافظ أبو بكر ابن الخاصِّية، عن مسعود بن ناصر السِّجزي الحافظ قال سمعت يقول (( فحجَّ آدمَ موسى ) )بالنصب. قال وكان قدريًّا.

قال الحافظ العسقلاني هو محجوجٌ بالاتِّفاق قبله على أنَّ «آدم» بالرفع على أنَّه هو الفاعل، وقد أخرجه أحمد من رواية الزُّهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ (( فحجَّه آدم ) )وهذا يرفع الإشكال، فإنَّ رواته أئمَّة حفَّاظ، فالزُّهري من كبار الفقهاء الحفَّاظ، فروايته هي المعتمدة في ذلك، ومعنى «حجَّه» غلبه بالحجَّة. يقال حاججتُ

ج 27 ص 585

فلانًا، فحججتُه مثل خاصمتُه فخصمتُه.

قال ابنُ عبد البر هذا الحديث أصلٌ لأهلِ الحقِّ في إثبات القدر، فإنَّ الله سبحانه وتعالى قضى أعمال العباد. قال وليس فيه حجَّةٌ للجبريَّة وإن كان في بادئ الرَّأي يساعدهُم.

وقال الخطَّابي في «معالم السنن» يحسب كثيرٌ من النَّاس أنَّ معنى القضاء والقدر يستلزم الجبر وقهر العبد، ويتوهَّم أنَّ غلبة آدم كانت من هذا الوجه، وليس كذلك، وإنَّما معناه الإخبار عن إثبات علم الله تعالى بما يكون من أفعال العباد وصدورها عن تقديرٍ سابقٍ منه، فإنَّ القدر اسمٌ لما صدر عن القادر فإذا كان كذلك يكون أفعالهم وأكسابهم ومباشرتهم تلك الأمور عن قصدٍ وتعمُّدٍ واختيار، فالحجَّة إنما تلزمهم بها، واللأئمة إنَّما تتوجَّه عليها، وجِمَاعُ القول في ذلك أنَّهما أمران لا ينفكُّ أحدهما عن الآخر، أحدهما بمنزلة الأساس، والآخر بمنزلة البناء، وأمَّا الفاصل بينهما فقد رام هدم البناء ونقضه، وإنَّما جهة حجَّة آدم أنَّ الله علم منه أنَّه يتناول من الشَّجرة، فكيف يمكنه أن يردَّ علم الله فيه، وأنَّه خلق للأرض وأنَّه لا يُترك في الجنَّة بل يُنقلُ منها إلى الأرض، كما قال تعالى قبل خلقه {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة 30] . قال فلمَّا لامه موسى عن نفسه، قال له أتلومني على أمرٍ قدَّره الله عليَّ، فاللَّوم عليه من قِبَلك ساقطٌ عنِّي ليس لأحدٍ أن يعير أحدًا بذنبٍ كان منه؛ لأنَّ الخلق كلُّهم تحت العبوديَّة سواءٌ، وإنَّما يتَّجه اللوم من قِبَل الله سبحانه وتعالى إذ كان نهاه فباشر ما نهاه عنه.

قال وقول موسى وإن كان في النَّفس منه شبهةٌ، وفي ظاهره تعلُّقٌ لاحتجاجه بالسَّبب، لكن تعلُّق آدم بالقدر أرجحُ، فلهذا غلبه والغلبة تقعُ مع المعارضة كما تقعُ مع البرهان.

وقال في «أعلام الحديث» نحوه ملخصًا وزاد ومعنى قوله (( فحجَّ موسى ) )دفع حجَّته التي ألزمه اللَّوم بها. قال ولم يقع من آدم إنكارٌ لما صدر منه، بل عارضه بأمر دفع به عنه اللَّوم.

وقال الحافظ العسقلاني ولم يتلخَّص من كلامه مع تطويله في الموضعين

ج 27 ص 586

دفع الشُّبهة إلَّا في دعواه أنَّه ليس للآدميِّ أن يلوم آخر مثله على فعل ما قدَّره الله عليه، وإنَّما يكون ذلك لله تعالى؛ لأنَّه هو الَّذي أمره ونهاه، وللمعترض أن يقول وما المانع إذا كان ذلك لله أن يباشره من تلقَّى عن الله من رسله ومن تلقَّى عن رسله ممَّن أُمر بالتَّبليغ عنهم؟

وقال القرطبي إنما غلبه بالحجَّة؛ لأنَّه عَلِم من التَّوراة أنَّ الله تاب عليه، فكان لومه له على ذلك نوع جفاءٍ كما يقال ذكر الجفاء بعد حصول الصَّفاء جفاءٌ، ولأنَّ أثر المخالفة بعد الصَّفح ينمحي حتَّى كأنَّه لم يكن فلا يصادفُ اللَّوم من اللَّائم حينئذٍ محلًا. انتهى.

وهو محصِّل ما أجابَ به المازري وغيره من المحقِّقين وهو المعتمدُ، وقد أنكرَ القدرية هذا الحديث؛ لأنَّه صريحٌ في إثبات القدر السَّابق، وتقرير النَّبي صلى الله عليه وسلم لآدم على الاحتجاج به، وشهادته بأنَّه غلب موسى فقال لا يصحُّ؛ لأنَّ موسى عليه السلام لا يلوم على أمرٍ قد تاب عنه صاحبه، وقد قتل هو نفسًا لم يُؤمر بقتلها، ثمَّ قال ربِّ اغفر لي، فغفرَ له، فكيف يلومُ آدم على أمرٍ قد غُفِرَ له؟

وهو يقتضي أنَّ الاعتذارَ عن الذَّنب بالقدر الَّذي تقدَّمت كتابته على العبدِ لا يقبح، وكان من عوتب على معصيةٍ قد ارتكبها يحتجُّ بالقدر السَّابق، ولو ساغَ ذلك؛ لانسدَّ باب القصاصِ والحدود، ولاحتجَّ به كلٌّ على ما يرتكبه من الفواحش، وهذا يُفضي إلى لوازم فظيعة، فدلَّ ذلك على أنَّ هذا الحديث لا أصلَ له.

والجواب من وجوه أحدها أنَّ آدم عليه السلام إنَّما احتج بالقدر على المعصية [2] لا المخالفة، فإنَّ محصّل لوم موسى إنَّما هو على الإخراج، فكأنَّه قال أنا لم أخرجكم وإنَّما أخرجكم الَّذي رتَّب الإخراج على الأكل من الشَّجرة، والَّذي رتَّب ذلك قدَّره قبل أن أُخلق، فكيف تلومني على أمرٍ ليس لي فيه نسبةٌ إلَّا الأكل من الشَّجرة، والإخراج المرتَّب عليه ليس من فعلي، كذا قيل، وهذا الجواب لا يدفع شبهة الجبرية.

ثانيها أنَّه ليس لمخلوق أن يلومَ مخلوقًا في وقوع ما قُدِّر

ج 27 ص 587

عليه إلَّا بإذنٍ من الله، فيكون الشَّارع هو اللَّائم، فلمَّا أخذ موسى في لومه من غير إذنٍ من الله له في ذلك عارضه بالقدرِ فأسكته.

وثالثها أنَّ الَّذي فعله آدمُ اجتمعَ فيه القدر والكسب، والتَّوبة تمحو أثر الكسب، وقد كان الله تاب عليه فلم يبقَ إلَّا القدر، والقدر لا يتوجَّه عليه لومٌ؛ لأنَّه فعل الله ولا يسأل عمَّا يفعلُ.

ورابعها ما قال ابنُ عبد البر أنَّ هذا مخصوصٌ بآدم عليه السلام؛ لأنَّ المناظرةَ وقعت بينهما بعد أن تابَ الله عزَّ وجلَّ، كما قال تعالى {فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ} [البقرة 37] فحسن منه أن ينكرَ على موسى لومَه على الأكلِ من الشَّجرة؛ لأنَّه قد تيبَ عليه من ذلك، وإلَّا فلا يجوز لأحدٍ أن يقول لمن لامَه على ارتكاب معصية كما لو قتل أو زنى أو سرق، هذا سبق قلمٍ، وقدره الله عليَّ قبل أن يخلقني فليس لك أن تلومني عليه، فإنَّ الأمَّة أجمعت على جواز لوم من وقع ذلك منه، بل على استحباب ذلك كما أجمعوا على استحباب مَحْمَدة من واظبَ على الطَّاعة.

قال وقد حكى ابن وهب في كتاب «القدر» عن مالكٍ عن يحيى بن سعيد أنَّ ذلك كان من آدم بعد أن تِيْب عليه.

وخامسها أنَّه إنَّما توجَّهت الحجَّة لآدم؛ لأنَّ موسى لامه بعد أن مات، واللَّوم إنَّما يتوجَّه على المكلَّف ما دام في دار التَّكليف فإنَّ الأحكام حينئذٍ جاريةٌ عليه فيلام العاصي ويقام عليه الحدُّ والقصاص وغير ذلك، وأمَّا بعد أن يموتَ فقد ثبت النَّهي عن سبِّ الأموات، وأن لا تذكروا موتاكم إلَّا بخيرٍ؛ لأنَّ مرجع أمرهم إلى الله تعالى.

وقد ثبتَ أنَّه لا تُثنَّى العقوبة على من أُقيم عليه الحدُّ، بل ورد النَّهي عن التَّثريب على الأَمَةِ إذا زنت وأقيمَ عليها الحدُّ، وإذا كان كذلك فلوم موسى لآدم إنَّما وقع بعد انتقالهِ عن دار التَّكليف، وثبت أنَّ الله تعالى أسقطَ عنه اللَّوم فلذلك غلبه بالحجَّة. وقيل إنَّ آدم أب وموسى ابن، وليس للابن أن يلوم أباه، حكاه القرطبيُّ

ج 27 ص 588

وغيره، ومنهم من عبَّر عنه بأنَّ آدم أكبر منه.

وتُعُقِّب بأنَّه بعيدٌ من معنى الحديثُ ثمَّ هو ليس على عمومه، بل يجوز للابن أن يلومَ أباه في عدَّة مواطن، وبالجملة أصحُّ الأجوبة الثَّالث والخامس، ولا تنافي بينهما، فيمكن أن يمتزجَ منهما جوابٌ واحد، وهو أنَّ التائب لا يلام على ما تيبَ عليه منه، ولا سيَّما إذا انتقلَ عن دار التَّكليف.

وقد سلك النَّووي هذا المسلك، فقال معنى كلام آدم أنَّك يا موسى تعلم أنَّ هذا كُتِب عليَّ قبل أن أُخلقَ فلا بدَّ من وقوعه، ولو حرصت أنا والخلق أجمعون على ردِّ مثقال ذرَّةٍ منه لم نقدر فلا تلمني، فإنَّ اللَّوم على المخالفة شرعيٌّ لا عقليٌّ، وإذا تاب الله عليَّ وغفرَ لي زال اللَّوم، فمن لامني كان محجوجًا بالشَّرع.

لا يقال على هذا فالعاصي اليوم لو قال هذه المعصية قدِّرت عليَّ، فينبغي أن يسقط عنِّي اللَّوم؛ لأنَّ هذا العاصي باقٍ في دار التَّكليف جارية عليه الأحكام من العقوبة واللَّوم، وفي ذلك له ولغيره زجرٌ وعِظَةٌ، ولم يعلم أنَّه تابَ وتيبَ عليه، فأمَّا آدم عليه السلام فخارجٌ عن دار التَّكليف مستغنٍ عن الزَّجر، وقد تيب عليه فلم يكن للومهِ فائدةٌ بل فيه إيذاءٌ وتخجيل فلذلك كانت الغلبة له.

وقال فضل الله التُّوْرِبشتي ليس معنى قوله «كتبه الله عليَّ» ألزمني به، وإنَّما معناه أثبته في أمِّ الكتاب قبل أن يخلقَ آدم، وحكم أنَّ ذلك كائنٌ، ثمَّ إنَّ هذه المحاجة إنَّما وقعت في العالم العلويِّ عند ملتقى الأرواح، ولم تقع في عالم الأسبابِ، والفرق بينهما أنَّ عالم الأسباب لا يجوز قطعُ النَّظر فيه عن الوسائط والاكتساب بخلاف العالم العلوي، فإنَّه انقطعَ فيه الاكتساب، وارتفعَ الأحكام التَّكليفية، فلذلك احتجَّ آدم بالقدر السَّابق. انتهى. وهو محصِّل بعض الأجوبة التي تقدَّم ذكرها.

وفي هذا الحديث عدَّة من الفوائد منها ما قال القاضي عياض أنَّ فيه حجَّة لأهل السُّنَّة في أنَّ الجنَّة التي أُخرج منها آدم عليه السلام هي جنَّة الخلد التي وعدَ المتَّقون يدخلونها في الآخرة خلافًا لمن

ج 27 ص 589

قال من المعتزلة وغيرهم أنَّها جنَّةٌ أخرى، ومنهم من زاد على ذلك، فزعم أنَّها كانت في الأرض.

ومنها إطلاقُ العموم وإرادة الخصوص في قوله أعطاه علم كلِّ شيءٍ، والمراد به كتابه المنزَّل عليه، وكلَّ شيءٍ يتعلَّق به، وليس المراد عمومه؛ لأنَّه قد أقرَّ للخضر على قوله (( وإني على علمٍ من علم الله علَّمنيه الله لا تعلمه أنت ) ). وقد مضى واضحًا في «تفسير سورة الكهف» [خ¦4725] .

ومنها مشروعيَّة الاحتجاج في المناظرة لإظهار الصَّواب، وطلب الحقِّ وإباحة التَّعريض والتَّوبيخ في أثناء المناظرة ليتوصَّل إلى ظهور الحجَّة، وأنَّ اللَّوم على من أيقن وهذا أشدُّ من اللَّوم على من لم يحصل له ذلك، ومنها مناظرة العالم من هو أكبر منه والابن أباه، ومحلُّ مشروعيَّة ذلك إذا كان لإظهار الحقِّ والازدياد من العلم والوقوف على حقائق الأمور.

ومنها الاحتجاج لأهل السُّنَّة في إثبات القدر، وخلق أفعالِ العباد. ومنها أنَّه يغتفر للشَّخص في بعض من الأحوال ما لا يغتفر في بعضٍ كحالة الغضب والأسف، وخصوصًا ممن طُبع على حدَّة الخلق وشدَّة الغضب، فإنَّ موسى عليه السلام لمَّا غلبت عليه حالة الإنكار في المناظرة خاطب آدم مع كونه والده باسمه مجردًا، وخاطبه بأشياء لم يكن ليخاطبَه بها في غير تلك الحالة، ومع ذلك فأقرَّه على ذلك، وعدل إلى معارضته فيما أبداه من الحجَّة في دفع شبهته، والله تعالى أعلم.

ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرةٌ.

وقد أخرجه مسلمٌ في «القدر» أيضًا، وأبو داود في «السنة» ، والنَّسائي في «التَّفسير» ، وابن ماجه في «السنة» .

- (قَالَ سُفْيَانُ) هو ابنُ عيينة، وفي رواية أبي الوقت بواو العطف على قوله حفظناه من عَمرو فهو موصول (حَدَّثَنَا) وفي رواية الحميدي بالواو (أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرحمن بن هرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ) قيل أخطأ من زعم أنَّ هذا الطَّريق معلَّق، وقد أخرجه الإسماعيلي منفردًا بعد أن ساق طريق طاوس

ج 27 ص 590

عن جماعةٍ سردها الحافظ العسقلاني عن سفيان فقال أخبرنيه القاسم يعني ابن زكريا حدَّثنا إسحاق بن حاتم العلَّاف حدَّثنا سفيان عن عَمرو مثله سواء وزاد قال وحدَّثني سفيان عن أبي الزِّناد به.

[1] في هامش الأصل ومعنى حجَّه غلبه بالحجة بأن ألزمه أن ما صدر عنه لم يكن هو مستقلًا به متمكنًا من تركه، بل كان قدرًا من الله تعالى لا بد من إمضائه، والجملة مقررة لما سبق وتأكيد له وتثبيت للأنفس على توطين هذا الاعتقاد؛ أي أن الله تعالى أثبته في أم الكتاب قبل كوني وحكم بأنه كائن لا محالة، فكيف نغفل عن العلم السابق وتذكر الكسب الذي هو السبب وتنسى الأصل الذي هو القدر وأنت من المصطفين الأخيار الذين يشاهدون سر الله من وراء الأستار.

[2] في هامش الأصل في نسخة على المصيبة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت