فهرس الكتاب

الصفحة 9838 من 11127

6628 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) بن واقد الفريابي (عَنْ سُفْيَانَ) هو الثَّوري، وقد أخرج البخاري عن محمد بن يوسف البيكندي عن سفيان، وهو ابنُ عيينة، وليس هو المراد هنا. وقد أخرج أبو نعيم في «المستخرج» هذا الحديث من طريق محمد بن يوسف الفريابي، قال حدَّثنا سفيان وهو الثَّوري. وأخرجهُ الإسماعيلي وابن ماجه من رواية وكيع والنسائي من رواية محمَّد بن بشر كلاهما عن سفيان الثوري أيضًا (عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ) بضم العين وسكون القاف (عَنْ سَالِمٍ) هو ابنُ عمر (عَنِ) أبيه (ابْنِ عُمَرَ) رضي الله عنهما، أنَّه (قَالَ كَانَتْ يَمِينُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) التي يحلف بها (لاَ وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ) أي بالأعراض والأحوال. وأخرجه ابن ماجه من وجهٍ آخر عن الزُّهري بلفظ (( كانت أكثر أيمان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ومصرِّف القلوب ) ).

وقوله (( لا ) )نفيٌ للكلام السابق، ومقلِّب القلوب هو المقسم به، وليس المراد تقليبُ ذات القلب. قال الرَّاغب تقليبُ الله القلوب والأبصار صرفها عن رأيٍ إلى رأيٍ، والتَّقليبُ التَّصرُّف، وسُمِّي قلبُ الإنسان لكثرة تقلُّبه، ويعبَّر بالقلب عن المعاني الَّتي تختصُّ به من الرُّوح والعلم والشَّجاعة، ومنه قوله تعالى {وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ} [الأحزاب 10] أي الأرواح، وقوله عزَّ وجلَّ {لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ} [ق 37] أي علم وفهم، وقوله تعالى {وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ} [الأنفال 10] أي تثبت به شجاعتكم.

وقال القاضي أبو بكر ابن العربي القلب جزءٌ من البدن خلقه الله وجعله للإنسان محلَّ العلم والكلام وغير ذلك من الصِّفات الباطنة، وجعل ظاهر البدن محلَّ التَّصرُّفات الفعليَّة والقوليَّة، ووكَّل به ملكًا يأمر بالخير، وشيطانًا يأمر بالشَّرِّ، فالعقلُ بنوره يهديه، والهوى بظلمتهِ يُغويه، والقضاءُ والقدر مصيطر على الكلِّ، والقلب يتقلَّب بين الخواطر الحسنة والسَّيِّئة، والمحفوظ من حفظه الله، وقد تمسّك بهذا الحديث من أوجب الكفَّارة على من حلف بصفةٍ من صفات الله تعالى فحنث، ولا نزاع في أصل ذلك، وإنَّما اختلف في أيِّ صفةٍ تنعقدُ بها اليمين.

والتحقيق أنَّها مختصَّةٌ بصفةٍ لا يشاركه فيها غيره كمقلِّب القلوب، وجملة ما ذُكر في الباب من يمين النَّبي صلى الله عليه وسلم أربعة ألفاظ

أحدها والَّذي

ج 28 ص 18

نفسي بيده وكذا نفس محمَّدٍ بيده، فبعضها مُصدَّر بلفظ «لا» ، وبعضها بلفظ «أما» ، وبعضها بلفظ «أيم» ، ثانيها لا ومقلِّب القلوب، ثالثها والله، رابعها وربِّ الكعبة، وأمَّا قوله «لا ها الله» ، فيؤخذ مشروعيَّته من تقريره لا من لفظه، والأوَّل أكثرها ورودًا، وقد وقع في حديث رفاعة بن عرابة عند ابن ماجه والطَّبراني كان النَّبي صلى الله عليه وسلم إذا حلف قال (( والذي نفسي بيده ) ). ولابن أبي شيبة عن أبي سعيدٍ رضي الله عنه كان النَّبي صلى الله عليه وسلم إذا اجتهد في اليمين قال (( لا والذي نفس أبي القاسم بيده ) ). ولابن ماجه من وجهٍ آخر في هذا الحديث كانت يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم التي يحلفُ بها أشهد عند الله (( والذي نفسي بيده ) ).

ودلَّ ما سوى الثَّالث من الأربعة على أنَّ النَّهي عن الحلف بغير الله لا يُراد به اختصاص لفظ الجلالة بذلك، بل يتناولُ كلَّ اسم أو صفة تختصُّ به سبحانه وتعالى، وفرَّق الحنفيَّة بين القدرة والعلم فقالوا إن حلف بقدرة الله انعقدت يمينه، وإن حلف بعلم الله لم تنعقد؛ لأنَّ العلم يعبَّر به عن المعلوم كقوله تعالى {قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا} [الأنعام 148] . وأجاب القائل بانعقاده بأنَّه هنا مجاز إن سلم أنَّ المرادَ به المعلوم، والكلام في الحقيقة، فافهم.

وقد جزم ابنُ حزم وهو ظاهر كلام المالكيَّة والحنفيَّة بأنَّ جميع الأسماء الواردة في القرآن والسُّنَّة الصَّحيحة، وكذا الصِّفات صريحٌ في اليمين تنعقدُ به، وتجب بمخالفته الكفارة، وهو وجهٌ غريبٌ عند الشَّافعيَّة، وعندهم وجهٌ أغرب من ذلك وهو أنَّه ليس في شيءٍ من ذلك صريحٌ إلَّا لفظ الجلالة، وأحاديث الباب تردُّه، والمشهور عندهم، وعند الحنابلة أنَّها تنقسم ثلاثة أقسام

أحدها ما يختصُّ به كالرَّحمن وربِّ العالمين وخالقِ الخلق، فهو صريحٌ تنعقدُ به اليمين سواءٌ قصد الله أم أطلق.

ثانيها ما يُطلقُ عليه وقد يُقال لغيره، لكن يقيَّد كالرَّب والحقِّ، فتنعقدُ به اليمين إلَّا إن قصد به غير الله.

ثالثها ما يُطلق على السواء كالحي والموجود والمؤمن، فإن نوى غير الله أو [1] أطلق فليس بيمين، وإن نوى به الله انعقدَ على الصَّحيح، وإذا تقرَّر هذا فمثل والَّذي نفسي بيده ينصرف عند الإطلاق إلى الله جزمًا، فإن نوى به غيره كملك الموت مثلًا لم يخرج عن الصَّراحة على الصَّحيح، وفيه وجهٌ عند بعض الشَّافعيَّة ويلتحق به والَّذي فلق الحبَّة، ومقلِّب القلوب،

ج 28 ص 19

وأمَّا مثل والَّذي أعبده، أو أسجد له فصريح جزمًا.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ. وقد مضى الحديث عن قريب في باب (( يَحُولُ بَيْنَ المَرءِ وقَلْبِه ) ) [الأنفال 24] [خ¦6617] .

[1] من فتح الباري

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت