فهرس الكتاب

الصفحة 9865 من 11127

6652 - (حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ) بضم الميم وفتح العين المهملة واللام المشددة، أبو الهيثم الحافظ، قال (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بضم الواو مصغَّرًا، هو ابن خالدٍ البصري (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختياني (عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ) بكسر القاف وتخفيف اللام وبالموحدة، عبد الله بن زيد الجرمي (عَنْ ثَابِتِ) بالمثلثة (ابْنِ الضَّحَّاكِ) الأنصاري، كان ممَّن بايع تحت الشَّجرة رضي الله عنه، أنَّه (قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ مِلَّةِ الإِسْلاَمِ)

ج 28 ص 53

كأن يقول إن فعلت كذا فهو يهوديٌّ، أو نصرانيٌّ، أو بريءٌ من الإسلام، أو من النَّبي صلى الله عليه وسلم، وفي رواية مسلم (( من حلف على يمينٍ بملَّةٍ غير الإسلام كاذبًا متعمدًا ) ). وعلى بمعنى الباء، أو التقدير من حلف على شيءٍ بيمين فحذف المجرور وعدى الفعل بعلى بعد حذف الباء. وفي كتاب «الجنائز» من البخاري من طريق خالد الحذَّاء عن أبي قلابة [خ¦1363] (( من حلف بملَّةٍ غير الإسلام كاذبًا متعمِّدًا ) ). وجواب الشَّرط قوله (فَهْوَ كَمَا قَالَ) أي فهو كائنٌ كما قال.

قال ابن دقيق العيد الحلف بالشَّيء حقيقةً هو القسم به، وإدخال حروف القسم كقوله والله والرحمن، وقد يُطلق على التَّعليق بالشَّيء يمين، كقولهم من حلف بالطَّلاق، فالمراد تعليق الطَّلاق، وأُطلق عليه الحلف لمشابهته باليمين في اقتضاء الحنث أو المنع، وإذا تقرر هذا فيحتمل أن يكون المراد المعنى الثَّاني لقوله كاذبًا متعمِّدًا، والكذب يَدْخل القضية الإخبارية التي يقع مقتضاها تارةً، ولا يقع أخرى، وهذا بخلاف قولنا والله، وما أشبهه فليس الإخبار بها عن أمرٍ خارجيٍّ، بل هي لإنشاء القسم، فيكون صورة الحلف هنا على وجهين

أحدهما أن يتعلَّق بالمستقبل كقوله إن فعل كذا فهو كذا.

والثَّاني أن يتعلَّق بالماضي كقوله إن كان فعل كذا فهو كذا، وقد يتعلَّق بهذا من لم ير فيه الكفَّارة؛ لكونه لم يذكر فيه الكفَّارة، بل جعل المرتَّب على كذبه، قوله فهو كما قال.

ثمَّ قال ابنُ دقيق العيد ولا يكفر في صورة الماضي إلَّا إن قصد التَّعظيم، وفيه خلافٌ عند الحنفيَّة؛ لكونه يتخيَّر معنى فصار كما لو قال هو يهوديٌّ. ومنهم من قال إن كان لا يعلم أنَّه يمينٌ لم يكفر، وإن كان يعلم أنَّه يكفر بالحنث به كفر لكونه رضيَ بالكفر حيث أقدمَ على الفعل.

وقال بعض الشَّافعيَّة ظاهر الحديث أنَّه يُحْكم عليه بالكفر [إذا كان كاذبًا] ، ويحتمل أن يكون المراد التَّهديد والمبالغة في الوعيد لا الحكم، كأنَّه قال وهو مستحقٌّ مثل عذاب من اعتقد ما قال.

ونظيره من ترك الصَّلاة فقد كفر؛ أي استوجبَ عقوبة من كفر، والتَّحقيق التَّفصيل، فإن اعتقد تعظيم ما ذكر

ج 28 ص 54

كفر، وإن قصدَ حقيقة التَّعليق فيُنظر فإن كان أرادَ أن يكون متَّصفًا بذلك كفرَ في الحال؛ لأنَّ إرادة الكفر كفرٌ، وإن أراد البعدَ عن ذلك الفعل، أو أطلق لم يكفر، لكن هل يحرم عليه ذلك، أو يكره تنزيهًا المشهور الثَّاني.

وقوله (( كاذبًا متعمدًا ) ). قال القاضي عياض تفرَّد بزيادتها سفيان الثَّوري وهي زيادةٌ حسنةٌ يُستفاد منها أنَّ الحالف المتعمد إن كان مطمئنَّ القلب بالإيمان، وهو كاذبٌ في تعظيم ما لا يعتقد تعظيمه لم يكفر، وإن قاله معتقد اليمين بتلك الملَّة؛ لكونها حقًّا كفر، وإن قالها لمجرَّد التَّعظيم لها احتمل.

قال الحافظ العسقلاني وينقدح أن يُقال إن أرادَ تعظيمها باعتبار ما كانت قبل النَّسخ لم يكفر أيضًا. ودعواه أنَّ سفيان تفرَّد بها إن أرادَ بالنِّسبة لرواية مسلم فمسلمٌ، فإنَّه أخرجه من طريق شعبة عن أيوب وسفيان عن خالد الحذَّاء جميعًا عن أبي قلابة، وبيَّن أنَّ لفظ متعمِّدًا لسفيان، وإلَّا فلم ينفرد بها سفيان، فقد تقدَّمت في كتاب «الجنائز» من طريق يزيد بن زُريع عن خالد، وكذا أخرجها النَّسائي من طريق محمَّد بن أبي عدي عن خالد وكذا لغيره هذا.

وقال ابن المنَيِّر قوله «فهو كما قال» ، ليس على إطلاقه في نسبته إلى الكفر بل المراد به كاذبٌ كذب المعظِّم لتلك الجهة.

وقال ابن القصَّار معناه النَّهي عن موافقة ذلك اللَّفظ والتَّحذير منه، لا أنَّه يكون كافرًا بالله.

(قَالَ وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ) وفي رواية مسلم (( بحديدة ) ) (عُذِّبَ بِهِ) أي بذلك الَّذي قتل نفسه به (فِي نَارِ جَهَنَّمَ) وفي رواية عليِّ بن المبارك (( ومن قتل نفسه بشيءٍ في الدُّنيا عُذِّب به يوم القيامة ) ). قال ابنُ دقيق العيد هذا من باب مجانسة العقوبات الأخرويَّة للجنايات الدُّنيويَّة، ويُؤخذ منه أنَّ جناية الإنسان على نفسه كجنايته على غيره في الإثم؛ لأنَّ نفسه ليست ملكًا له مطلقًا، بل هي لله فلا يتصرَّف فيها إلَّا فيما أُذن له، وفيه حجَّةٌ لمن أوجب المماثلة في القصاص خلافًا لمن خصَّه بالمحدود.

(وَلَعْنُ الْمُؤْمِنِ) بأن يدعوَ عليه باللَّعن (كَقَتْلِهِ) في التَّحريم أو العقاب، وأبدى الشَّيخ تقيُّ الدِّين في ذلك سؤالًا وهو أن يُقال إمَّا أن يكون كقتله في أحكام الدُّنيا،

ج 28 ص 55

أو في أحكام الآخرة لا سبيل إلى الأول؛ لأنَّ قتله يوجب القصاصَ، ولعنه لا يوجب ذلك، وأمَّا أحكام الآخرة فإمَّا أن يرادَ التَّساوي في الإثم، أو في العقاب، وكلاهما مشكل؛ لأنَّ الإثم يتفاوت بتفاوت مفسدةِ الفعل، وليس إذهاب الروح في المفسدة كمفسدة الأذى باللَّعن، وكذلك العقاب يتفاوتُ بحسب تفاوت الجرائم.

وقال المازري _ فيما نقله القاضي عياض عنه _ الظَّاهر من الحديث تشبيهه في الإثم، وهو تشبيهٌ واقع؛ لأنَّ اللَّعنة قطعٌ عن الرَّحمة، والموت قطعٌ عن التَّصرُّف. قال القاضي عياض وقيل لعنه يقتضي قصد إخراجه من المسلمين ومنعهم منافعه، كما لو قتله، وقيل لعنه يقتضي قطع منافعه الأخروية عنه وبعده بإجابة لعنه، وهو كمن قتل في الدُّنيا وقطعت عنه منافعه فيها. وقيل معناه استواؤهما في التَّحريم.

قال في «المصابيح» هذا يحتاج إلى تلخيصٍ ونظر؛ فأمَّا ما حكاه عن المازري من أنَّ الظَّاهر من الحديث تشبيهه في الإثم، وكذلك ما حكاه من أنَّ معناه استواؤهما في التَّحريم، فهذا يحتمل أمرين

أحدهما أن يقعَ التَّشبيه والاستواء في أصل التَّحريم والإثم.

والثاني أن يقعَ في مقدار الإثم، فأمَّا الأوَّل؛ فلا ينبغي أن يحمل عليه؛ لأنَّ كلَّ معصيةٍ قلَّت أو عظمت فهي مشابهة ومساويةٌ للقتل في أصل التَّحريم، فلا تبقى في الحديث كثير فائدةٍ مع أنَّ المفهوم منه تعظيم أمر اللَّعنة بتشبيهها بالقتل، وأمَّا الثَّاني ففيه ما ذكر من أنَّ التفاوت في المفسدة بين إذهاق الرُّوح وبين الأذى باللَّعنة ظاهرٌ، وأمَّا ما حكاه عن الإمام المازريِّ من أنَّ اللَّعنة قطع الرَّحمة والموت قطع التَّصرُّف، فالكلام عليه من وجهين

أحدهما أن نقول اللَّعنة قد تُطلق على نفس الإبعاد الَّذي هو فعل الله، وعلى هذا يقع فيه التَّشبيه.

والثَّاني أن تطلق اللَّعنة على فعل اللَّاعن وهو طلبه لذلك الإبعاد فقوله مثلًا لعنه الله ليس بقطعٍ عن الرَّحمة بنفسه ما لم تتَّصل به إجابةٌ، فيكون حينئذٍ سببًا إلى قطع التَّصرُّف، ويكون نظيره التَّسبُّب إلى القتل

ج 28 ص 56

غير أنَّهما يفترقان في أنَّ التَّسبُّب إلى القتل بمباشرة مقدمات تفضي إلى الموت بمطرد العادة، فلو كانت مباشرة اللَّعنة مفضية إلى الإبعاد الَّذي هو اللَّعن دائمًا؛ لاستوى اللَّعن مع مباشرة مقدمات القتل، أو زاد عليه.

وبهذا يتبيَّن لك الإيراد على ما حكاه القاضي من أنَّ لعنه له يقتضي قصد إخراجه عن جماعة المسلمين كما لو قتله، فإنَّ قصد إخراجه لا يستلزم إخراجه، كما تستلزم مقدِّمات القتل إزهاق الرُّوح، وكذلك أيضًا ما حكاه من أنَّ لعنه يقتضي قطع منافعه الأخرويَّة، وإنَّما يحصل ذلك بإجابة الدَّعوة، وقد لا تجاب في كثيرٍ من الأوقات، فلا يحصل انقطاعه عن منافعه كما يحصل بقتله، ولا استوى القصد إلى القطع بطلب الإجابة مع مباشرة مقدِّمات القتل المفضية إليه في مطرد العادة.

والَّذي يمكن أن يقرر به ظاهر الحديث في استوائهما في الإثم أنَّا نقول لا نسلم أنَّ مفسدة اللَّعنة مجرَّد أذاه بل فيها مع ذلك تعريضه لإجابة الدَّعوة فيه بموافقة ساعةٍ لا يسأل الله تعالى فيه شيئًا إلَّا أعطاه، كما دلَّ عليه الحديث من قوله صلى الله عليه وسلم (( لا تدعوا على أنفسكم ولا تدعوا على أموالكم، ولا تدعوا على أولادكم لا توافقوا ساعة ) )، الحديث.

وإذا عرض به باللَّعنة كذلك، ووقعت الإجابة، وإبعاده من رحمة الله كان ذلك أعظم من قتله؛ لأنَّ القتل تفويت الحياة الفانية قطعًا، والإبعاد من رحمة الله أعظم ضررًا بما لا يحصى، وقد يكون أعظم الضَّررين على سبيل الاحتمال مساويًا أو مقارنًا لأخفهما على سبيل التَّحقيق، ومقادير المصالح والمفاسد وأعدادهما أمرٌ لا سبيل للبشر إلى الاطِّلاع على حقائقه. انتهى.

وزاد في «الأدب» من البخاري من طريق عليِّ بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير عن أبي قلابة [خ¦6047] (( وليس على ابن آدم نذرٌ فيما لا يملك ) ). ولمسلم (( ومن حلف على يمين صبرٍ فاجرةٍ ومن ادَّعى دعوى كاذبة ليتكثَّر بها لم يزده الله إلَّا قلة ) ).

(وَمَنْ رَمَى مُؤْمِنًا بِكُفْرٍ فَهْوَ كَقَتْلِهِ) يعني في الحرمة،

ج 28 ص 57

وقيل لأنَّ نسبته إلى الكفر الموجب لقتله كالقتل؛ لأنَّ المتسبِّب للشَّيء كفاعله.

ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرةٌ. وقد مضى الحديث في «الجنائز» ، وفي باب «ما جاء في قاتل النفس» [خ¦1363] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت