فهرس الكتاب

الصفحة 9898 من 11127

6676 - 6677 - (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) أبو سلمة التَّبوذكي، قال (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح اليشكري (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران الكوفي (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيق بن سلمة (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) أي ابن مسعود (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) أنَّه (قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ حَلَفَ عَلَى) موجبٍ (يَمِينِ صَبْرٍ) بفتح الصاد المهملة وسكون الباء بإضافة يمين إليه مصحَّحًا عليه في الفرع كأصله لما بينهما من الملابسة، وهي التي تلزم ويُجبر عليها حالفها، يُقال أصبره اليمين أحلفه بها في مقاطع الحقِّ. وقيل هي أن يحبسَ السُّلطان رجلًا على يمين حتَّى يحلفَ بها، يُقال صبرت يميني؛ أي حلفت بالله وأصل الصَّبر الحبس، ومعناه ما يجبر عليها. وقال الدَّاودي

ج 28 ص 100

معناه أن يوقفَ حتَّى يحلف على رؤوس النَّاس.

قال الإمام القسطلاني والأكثر على تنوين يمين، فيكون «صبر» صفة له، مصدر بمعنى المفعول؛ أي مصبورة، كما في الرواية الأخرى على يمين مصبورة، فيكون على التَّجوُّز بوصف اليمين بذلك؛ لأنَّ اليمين الصَّبر هي الَّتي يلزم الحاكم الخصم بها.

والمصبور في الحقيقة الحالف لا اليمين، أو المراد أنَّ الحالف هو الَّذي صبر نفسه وحبسها على هذا الأمر العظيم الَّذي لا يصبر أحدٌ عليه، فالحالف هو الصَّابر، واليمين مصبورة؛ أي مصبورٌ عليها، زاد المؤلف في «الإشخاص» من رواية أبي معاوية [خ¦2416] ، وفي «الشرب» من رواية أبي حمزة [خ¦2356] كلاهما عن الأعمش (( هو فيها فاجر ) )، لكن رواية أبي معاوية [1] (( هو عليها فاجرٌ ) )، وكأن فيها حذفًا تقديره هو في الإقدام عليها فاجر، والمراد بالفجور لازمه وهو الكذبُ، وقد وقع في رواية شعبة [خ¦2676] (( على يمين كاذبًا ) ).

(يَقْتَطِعُ بِهَا) أي بسبب اليمين (مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ) أو ذمي، وفي «صحيح مسلم» (( حق امرئ مسلم بيمينه ) )، وفي رواية حجَّاج بن منهال (( ليقتطع ) )بزيادة لام التَّعليل، ويقتطع يفتعل من القطع كأنَّه يقطعه عن صاحبه، أو يأخذ قطعة من ماله بالحلف المذكور.

(لَقِيَ اللَّهَ وَهْوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ) الواو للحال جواب «من» ، و «غضبان» لا ينصرف لزيادة الألف والنون؛ أي فيعامله معاملة المغضوب عليه فيعذبه، وفي حديث وائل بن حجر عند مسلم (( وهو عنه معرض ) ). وفي رواية كردوس عن الأشعث عند أبي داود (( لقي الله وهو أجذم ) ). وفي حديث أبي أمامة عن ثعلبة عند مسلم والنَّسائي في نحو هذا الحديث (( فقد أوجبَ الله له النار وحرَّم عليه الجنة ) ). وفي حديث عمران عند أبي داود (( فليتبوَّأ بوجهه مقعده من النَّار ) ).

(فَأَنْزَلَ اللَّهُ) عزَّ وجلَّ (تَصْدِيقَ ذَلِكَ {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا} إِلَى آخِرِ الآيَةِ) ليس في رواية أبي ذرٍّ ، وفي مسلم والتِّرمذي عن أبي وائل، عن عبد الله من طريق جامع بن أبي راشد، وعبد الملك بن أعين مرفوعًا (( من حلفَ

ج 28 ص 101

على مالِ امرئٍ مسلم بغير حقِّه )) ، الحديث، ثمَّ قرأ علينا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ} [آل عمران 77] .

فظاهره أنَّ الآية نزلت قبل، وسبق في «تفسير سورة آل عمران» [خ¦4551] أنَّها نزلت فيمن أقام سلعته بعد العصر، فحلف كاذبًا، فيحتمل أنَّها نزلت في الأمرين معًا. وقال الكرماني لعلَّ الآية لم تبلغْ إلى ابن أبي أوفى إلَّا عند إقامة السِّلعة، فظنَّ أنَّها نزلت في ذلك، أو القصَّتان وقعتا في وقتٍ واحد، فنزلت الآية، واللَّفظ عامٌّ متناول لهما ولغيرهما.

(فَدَخَلَ الأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ) المكان الَّذي كانوا فيه (فَقَالَ مَا حَدَّثَكُمْ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ) وكذا وقع عند مسلم من رواية وكيع عن الأعمش، وأبو عبد الرَّحمن هو كنية ابنِ مسعود، وفي رواية جرير في «الرهن» [خ¦2515] ثمَّ إنَّ الأشعث بن قيس خرج إلينا فقال ما يُحدِّثكم أبو عبد الرحمن.

والجمع بينهما أنَّه خرج عليهم من مكانٍ كان فيه، فدخل المكان الَّذي كانوا فيه، وفي رواية الثَّوري عن الأعمش ومنصور جميعًا، كما سيأتي في «الأحكام» [خ¦7183] فجاء الأشعث وعبد الله يُحدثهم، ويجمع بأنَّ خروجه من المكان الَّذي كان فيه إلى المكان الَّذي كان فيه عبد الله، وعبد الله يحدِّثهم، وقد تشاغل الأشعث بشيءٍ فلم يُدرك تحديث عبد الله فسأل أصحابه عمَّا حدَّثهم به.

(فَقَالُوا) وفي رواية أبي ذرٍّ (كَذَا وَكَذَا) وفي رواية جرير (قَالَ) أي الأشعث (فِيَّ) بتشديد الياء (أُنْزِلَتْ) هذه الآية، وفي رواية جرير قال فقال صدقَ، لفيَّ والله أُنزلت، واللام لتأكيد القسم دخلت على في، وفي رواية أبي معاوية (( فيَّ والله كان ذلك ) )، وزاد جرير عن منصور (( فقال صدقَ ) ). قال ابنُ مالك في قوله (( لفيَّ والله نزلت ) )شاهد على جواز توسُّط القسم بين جزئي الجواب، وعلى أنَّ اللام يجبُ وصلها بمعمول الفعل الجوابي المقدَّم [لا بالفعل] ، وبيَّن شعبة في روايته أنَّ الَّذي حدَّثهم به ابن مسعود رضي الله عنه هو أبو وائل الرَّاوي، ولفظه في «الإشخاص» [خ¦2417] قال فلقيني [الأشعت، فقال ما حدثكم عبد الله اليوم، قلت كذا وكذا، وليس بين قوله فلقيني] . وبين قوله

ج 28 ص 102

في الرِّواية خرج إلينا فقال ما يحدِّثكم. منافاة، وإنَّما أفرده في هذه الرِّواية؛ لكونه المجيب.

(كَانَتْ) وفي رواية الحمويي والمستملي (لِي بِئْرٌ فِي أَرْضِ ابْنِ عَمٍّ لِي) كذا في رواية الأكثر أنَّ الخصومة كانت في بئرٍ يدَّعيها الأشعث في أرض لخصمه، وفي رواية أبي معاوية كان بيني وبين رجلٍ من اليهود أرضٌ فجحدني، ويجمع بأنَّ المراد أرض البئر لا جميع الأرض الَّتي هي أرضُ البئر والبئر من جملتها، ولا منافاة بين قوله «ابن عم لي» ، وبين قوله «من اليهود» ؛ لأنَّ جماعة من أهل اليمن كانوا تهوَّدوا لما غلب يوسف ذو نواس على اليمن، وطردَ عنها الحبشة، فجاء الإسلام وهم على ذلك، وقد ذكر أنَّه أسلم فيُقال إنَّما وصفه الأشعث بذلك باعتبار ما كان عليه أولًا.

ويؤيِّد إسلامه أنَّه وقع في رواية كردوس عن الأشعث في آخر القصَّة أنَّه لمَّا سمع الوعيد المذكور قال هي أرضُه فترك اليمين تورعًا، ففيه إشعارٌ بإسلامه.

ويؤيِّده أيضًا أنَّه لو كان يهوديًا ما بالى بذلك؛ لأنَّهم يستحلون أموال المسلمين، وإلى ذلك وقعت الإشارة بقوله تعالى حكاية عنهم {لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ} [آل عمران 75] أي حرج، واسم ابن عمِّه معدان، وقيل جرير بن الأسود، ولقبه الجَفْشِيش _ بفتح الجيم وسكون الفاء وبالشينين المعجمتين بينهما تحتية ساكنة _.

(فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أي فادَّعيت عليه، وفي رواية الثوري (( خاصمته ) )، وفي رواية جرير عن منصور (( فاختصمنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ) (فَقَالَ) لي صلى الله عليه وسلم (بَيِّنَتُكَ أَوْ يَمِينُهُ) بالرفع فيهما إمَّا فاعل لفعل مقدَّر؛ أي تحضر بيِّنتك تشهد لك، أو حقُّك يمينه، فيمينه خبر مبتدأ محذوف، أو لك يمينه، فيكون مبتدأ، والخبر هو الجار والمجرور، ويحتمل أن يكون بيِّنتك خبر مبتدأ محذوف؛ أي الواجب بيِّنتك، أو يمينه إن لم تكن لك بيِّنَةٌ، وفي رواية أبي معاوية فقال (( ألك بيِّنَة ) )، قلت لا، فقال لليهودي (( احلف ) ). وفي رواية أبي حمزة وقال لي (( شهودُكَ ) )، قلت ما لي شهودٌ، قال (( فيمينه ) ). وفي رواية جرير عن منصور (( شاهداك أو يمينه ) ). وتقدَّم في «الشَّهادات» [خ¦2668 قبل] توجيه الرفع، وأنَّه يجوز النَّصب، وتوجيه الرفع لك إقامة شاهديك، أو طلب يمينه، فحُذف المضاف وأُقيم المضاف إليه مقامه فرفع.

والأصل في هذا التَّقدير قول سيبويه المثبت لك ما يدَّعيه

ج 28 ص 103

شاهداك، وتأويله المثبت لك هو شهادة شاهديك ... إلى آخره.

(قلْتُ إِذًا يَحْلِفُ عَلَيْهَا) أي على البئر (يَا رَسُولَ اللَّهِ) لم يقع في رواية أبي حمزة ما بعد قوله «يحلف» ، وإذًا حرف جواب ينصب الفعل المضارع بشروط ثلاثة أن يكون أولًا فلا يعتمد ما قبلها على ما بعدها، كما تقول في جواب من قال أزورك إذًا أكرمك، بالنصب، فإن اعتمدَ ما بعدها على ما قبلها رفعت نحو قولك أنا إذًا أكرمك.

الثاني أن يكون مستقبلًا فلو كان حالًا وجبَ الرفع نحو قولك لمن قال جاء الحاجُّ إذًا أفرح، تريد الحالة التي أنت فيها.

الثالث أن لا يفصل بينهما وبين الفعل بفاصلٍ ما عدا القسم والنِّداء ولا، فإن دخل عليها حرف عطف جازَ في الفعل الرَّفع والنصب، والرفع أكثر كقوله تعالى {وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء 76] ، والفعل هنا في الحديث إن أريد به الحال فهو مرفوعٌ، وإن أريد به الاستقبال فهو منصوب، وكلاهما في الفرع كأصله، والرفع رواية غير أبي ذرٍّ، وزاد في رواية أبي معاوية (( إذًا يحلف ويذهب بمالي ) ). ووقع في رواية الشَّعبي عن الأشعث (( أرضي أعظم شأنًا من أن يحلف عليها قال إنَّ يمين المسلم أعظم من ذلك ) ). ووقع في حديث وائل من الزِّيادة بعد قوله (( ألك بيِّنةٌ؟ ) )، قال لا قال (( فلك يمينه ) )، قال إنَّه فاجرٌ ليس يبالي ما حلف عليه، وليس يتورَّع من شيءٍ، قال (( ليس لك منه إلَّا ذلك ) ).

(فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ) بالإضافة، أو بالتنوين كما مرَّ (وَهْوَ) أي والحال أنَّه (فِيهَا فَاجِرٌ) أي كاذبٌ، وقيَّد به فيخرج الجاهل والنَّاسي والمكره (يَقْتَطِعُ بِهَا) أي بسبب يمينه (مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ) ويقتطع يفتعلُ من القطع كأنَّه قطعه عن صاحبه، أو أخذ قطعةً من ماله (لَقِيَ اللَّهَ) عزَّ وجلَّ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهْوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ) وفي رواية كردوس عن الأشعث (( فتهيَّأ الكندي لليمين ) ). وفي حديث وائل (( فانطلق للحلف،

ج 28 ص 104

فلمَّا أدبر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم )) ، الحديث، ووقع في رواية الشَّعبي عن الأشعث، فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم (( إن هو حلف كاذبًا أدخله الله النَّار ) )، فذهب الأشعثُ فأخبره فقال أصلح بيني وبينه، قال فأصلح بينهما.

وفي حديث عدي بن عُميرة فقال له امرؤ القيس ما لمن تركها يا رسول الله؟ قال (( الجنَّة ) )، قال أشهد أنِّي قد تركتها له كلها. وفي الحديث سماع الحاكم الدَّعوى فيما لم يره إذا وُصِف وحُدِّد وعرفه المتداعيان لكن لم يقع في الحديث تصريح بوصفٍ ولا تحديد.

فاستدلَّ به القرطبيُّ على أنَّ الوصف والتَّحديد ليس بلازمٍ لذاته، بل يكفي في صحَّة الدَّعوى تمييز المُدَّعى به تمييزًا ينضبط. قال الحافظ العسقلاني ولا يلزمُ من ترك ذكر التَّحديد والوصف في الحديث أن لا يكون ذلك وقع، ولا يُستدلُّ بسكوت الراوي عنه بأنَّه لم يقع، بل يُطالب من جعل ذلك شرطًا بدليله، فإذا ثبت حُمِل على أنَّه ذُكر في الحديث، ولم ينقله الرَّاوي، وفيه بناءُ الأحكام على الظَّاهر، وإن كان المحكوم له في نفس الأمر مبطلًا، وفيه دليلٌ للجمهور على أنَّ حكمَ الحاكم لا يبيح للإنسان ما لم يكن له حلالًا خلافًا لأبي حنيفة، كذا أطلقه النَّووي.

وتُعُقِّب بأنَّ، عبد البرِّ نقل الإجماع على أنَّ الحكم لا يُحلُّ حرامًا في الباطن في الأموال. قال واختلفوا في حِلِّ عصمة النِّكاح نكاح من عُقِد عليها بظاهر الحكم، وهو في الباطن بخلافه، فقال الجمهور الفروج كالأموال، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف، وبعض المالكيَّة إنَّ ذلك إنَّما هو في الأموال دون الفروج، وحجَّتهم في ذلك اللِّعان وقد طرد ذلك بعض الحنفيَّة في [بعض المسائل في] الأموال، والله تعالى أعلم.

ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرةٌ، وقد سبق في «الشُّرب» [خ¦2356] ، و «الإشخاص» [خ¦2417] ، ويأتي في «الأحكام» إن شاء الله تعالى [خ¦7184] .

[1] لكن ما ساقه هو رواية أبي حمزة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت