فهرس الكتاب

الصفحة 990 من 11127

615 - (حَدَّثَنا عَبْدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسي (قَالَ أَخْبَرنَا مَالِكٌ) إمام دار الهجرة (عَنْ سُمَيٍّ) بضم المهملة وفتح الميم وتشديد التحتانية، وكان جميلًا (مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ) هو ابن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام القرشي المدني، قتله الحرورية بقُدَيد سنة ثلاثين ومئة.

(عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان الزَّيات (عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ) رضي الله عنه.

ورجال هذا الإسناد مدنيون ما خلا شيخ البخاري.

وقد أخرج متنه المؤلِّف في «الشهادات» أيضًا [خ¦2689] ، وأخرجه مسلم والنسائي والترمذي في «الصلاة» .

(أنَّ رَسُولَ اللَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ) قال الطِّيبي وضع المضارع موضع الماضي؛ ليفيد استمرار العلم (مَا فِي النِّدَاءِ) أي الأذان (وَ) لو يعلم الناس ما في (الصَّفِّ الأَوَّلِ) الذي يلي الإمام. وزاد أبو الشيخ في رواية له من طريق الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه (( من الخير

ج 4 ص 42

والبركة )) .

وقال الطِّيبي أطلق مفعول «يعلم» وهو كلمة «ما» ، ولم يبيِّن الفضيلة ما هي؛ ليفيد ضربًا من المبالغة، وأنه ممَّا لا يدخل تحت الوصف والإطلاق إنما هو في قدر الفضيلة، وإلَّا فقد ميِّزت في الرواية الأخرى بالخير والبركة كما عرفت.

(ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا) وفي رواية ، وفي رواية أخرى بحذف النون لمجرَّد التخفيف. قال ابن مالك وذلك ثابت في اللغة في الكلام الفصيح نظمه ونثره. لكن قال الحافظ العسقلاني لم أقف على هذه الرواية، والمعنى ثم لم يجدوا شيئًا من وجوه الأولويَّة بأن يقع التساوي بينهم، أما في الأذان فبأن يستووا في معرفة الوقت، وحُسْن الصوت ونحو ذلك من شرائط المؤذِّن، وأمَّا في الصف الأول فبأن يَصِلوا دفعة واحدة، ويستووا في الفضل.

(إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَليهِ) أي على ما ذُكِرَ من الأذان والصف الأول، كذا قال القرطبي. وقال ابن عبد البر الضَّمير يرجع إلى الصف الأول؛ لأنَّه أقرب، وفيه نظر؛ لأنه يلزم أن يبقى النداء ضائعًا، فالصَّواب هو الأول. ويؤيِّده ما رواه عبد الرَّزَّاق عن مالك بلفظ (( لاستهموا عليهما ) ).

(لاسْتَهمُوا) من الاستهام وهو الاقتراع، يقال استهموا فسهَّمهم فلانٌ سهمًا، إذا قرعهم.

وقال صاحب «العين» القرعة مثل الظُّلمة، الاقتراع. يقال اقترعوا وتقارعوا وقارعْتُه فقرعتُه؛ أي أصابتني القرعة دونه، وأقرعت بينهم إذا أمرتهم أن يقترعوا، وقارعت بينهم أيضًا، والأول أصوب، ذكره في «الموعب» ابن التَّيَّاني.

وفي «التهذيب» لأبي منصور عن ابن الأعرابي القَرْع والسَّبْق والنَّدب الخطر الذي يستبق عليه.

وقال النووي معناه أنهم لو علموا فضيلة الأذان وعظيم جزائه، ثم لم يجدوا طريقًا يحصلونه به؛ لضيق الوقت، أو لكونه لا يؤذِّن بمسجدٍ إلا واحدٌ لاقترعوا في تحصيله.

وقال الطِّيبي المعنى لو علموا ما في النداء والصف الأول من الفضيلة، ثم حاولوا الاستباق؛ لوجب عليهم ذلك.

وأتى بـ «ثم» المُؤْذِنة بتراخي رتبة الاستباق من العلم، وقدَّم ذكر الأذان دَلالة على تهيؤ المقدمة الموصلة إلى المقصود، وهو المثول بين يدي ربِّ العزة.

واستدلَّ بذلك من قال بالاقتصار على مؤذِّن واحد، وليس بظاهر؛ لصحَّة استهام أكثر من واحد في مقابلة أكثر من واحد، ولأنَّ الاستهام على الأذان متوجه من جهة التَّولية من الإمام؛ لما فيه من المزيَّة.

وزعم بعضُهم أنَّ المراد بالاستهام هنا التَّرامي بالسِّهام، وأنه أُخرِج مخرج المبالغة، واستأنس بحديث (( لتجالدوا عليه بالسيوف ) )، لكن الذي فهمه البخاري أولى، ولذلك استشهد له بقصة سعد. ويدلُّ عليه رواية لمسلم (( لكانت قرعة ) ).

(ولَو يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ) أي التَّبكير بصلاة الظهر، كذا حمله الخليل وغيره على ظاهره فقالوا المراد الإتيان إلى صلاة الظُّهر في أول الوقت؛ لأنَّ التَّهجير مشتقٌّ من الهاجرة، وهي شدَّة الحرِّ نصف النهار، وهو أوَّل وقت الظهر، وإلى ذلك مال المصنِّف كما سيأتي [خ¦1660] .

وقال الهروي المراد التَّبكير إلى الصَّلوات كلها؛ لإطلاق اللَّفظ وتخصيصه بالاشتقاق لا يخلو عن شيء.

ثم المراد بالتَّبكير إلى الصلاة

ج 4 ص 43

التَّهيؤ والاستعداد لها، ولا يلزم من ذلك إقامتها في أول أوقاتها، وكيف وقد أمر الشَّارع بالإبراد في الظهر، والإسفار في الفجر، وأيضًا الهاجرة تُطلق على وقت الظُّهر إلى أن يقرب العصر، فإذا أبرد يصدق عليه أنَّه هجَّر على ما لا يخفى.

(لاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ) أي إلى التَّهجير. قال ابن أبي جمرة المراد من الاستباق هو المعنوي لا الحسِّي؛ لأنَّ المسابقة على الأقدام حسًّا تقتضي السرعة في المشي وهو ممنوع. انتهى.

وقال محمود العيني المراد من الاستباق التَّبكير، بأن يَسبِق غيره في الحضور إلى الصلاة.

(وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي) ثواب أداء صلاة (العَتْمَةِ) أي العشاء (والصُّبحِ) أي في الجماعة (لأَتُوهُمَا ولَو حَبْوًا) بفتح الحاء المهملة وسكون الموحدة؛ أي مشيًا على اليدين والركبتين. يقال حبى الصَّبي إذا مشى على أربع، قاله صاحب «المجمل» ، أو مشيًا على مقعدته، يقال حبى الصَّبي إذا مشى على أسته أيضًا، والمعنى ولو كانوا حابين حبوًا، والمصدر بمعنى اسم الفاعل.

ومن فوائد الحديث بيان فضيلة الأذان، وقد ذكر فيما مضى [خ¦608] .

ومنها فضيلة الصف الأوَّل؛ لاستماع القرآن إذا جهر الإمام، والتَّأمين عند فراغه من الفاتحة والتَّكبير عقيب تكبيرة الإمام، وأيضًا يحتمل أن يحتاج الإمام إلى استخلافٍ عند الحدث، فيكون هو خليفته، فيحصل له بذلك أجر عظيم، أو يضبط صفة الصلاة وينقلها ويعلِّمها الناسَ. وروى مسلم (( خير صفوف الرجال أوَّلها، وشرُّها آخرها، وخير صفوفِ النِّساء آخرها وشرُّها أوَّلها ) ). وفي «الأوسط» للطبراني (( استغفر صلى الله عليه وسلم للصَّف الأول ثلاث مرَّات وللثَّاني مرَّتين وللثَّالث مرَّة ) ).

وعن جابر بن سَمُرة من حديث مسلم (( ألا تصفُّون كما تصفُّ الملائكة عند ربِّها، يتمُّون الصفوف الأُوَل ) ). وعند ابن ماجه عن عائشة رضي الله عنها (( لا يزال قومٌ يتأخَّرون عن الصفِّ الأوَّل حتَّى يؤخِّرهم الله إلى النَّار ) ). وعن عبد الرَّحمن بن عوف رضي الله عنه (( إنَّ الله وملائكته يصلُّون على الصفِّ الأوَّل ) ). وعند ابن حبَّان عن البراء بن عازب رضي الله عنه كذلك. وقال القرطبي اختُلِف في الصَّف الأوَّل هل هو الذي يلي الإمام، أو المبكِّر؟

والصَّحيح أنَّه الَّذي يلي الإمام، فإن كان بين الإمام والناس حائل _ كما أحدثَ الناس المقاصير _ فالصف الأول الذي على المقصورة.

وفي «التوضيح» الصفُّ الأوَّل ما يلي الإمام ولو وقع فيه حائل خلافًا لمالك. وأبعد من قال إنَّه المبكِّر. ولو جاء رجل ورأى الصف الأوَّل مسدودًا لا ينبغي أن يزاحمهم. وقد رُوِيَ عن ابن عباس رضي الله عنهما يرفعه (( مَن ترك الصفَّ الأوَّل

ج 4 ص 44

مخافة أن يُؤذي مسلمًا أضعفَ الله له الأجر )) .

ومنها فضيلة التَّبكير إلى الصلوات. ومنها الحثُّ على حضور صلاتي العتمة والصبح، والفضل الكثير في ذلك لما فيه من المشقَّة على النفس من تنقيص أوَّل النوم وآخره. ومنها تسمية العشاء بالعتمة، وقد مرَّ ما فيه من البحث [خ¦547] . ومنها أنَّ القرعة مشروعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت