فهرس الكتاب

الصفحة 9918 من 11127

6690 - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ) أبو جعفر المصري المعروف بابن الطَّبراني، كان أبوه من طبرستان، قال (حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله المصري، قال (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (يُونُسُ) هو ابنُ يزيد الأيلي (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهري، أنَّه قال (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ) الأنصاري أبو الخطَّاب المدني، وفي رواية أبي ذرٍّ مما في اليونينية

ج 28 ص 129

(وَكَانَ) عَبْدُ اللَّهِ (قائد) أبيه (كَعْبٍ مِنْ) بين (بَنِيهِ حِينَ عَمِيَ) وكان بنوه أربعة عبد الله وعبد الرحمن ومحمد وعبيد الله (قَالَ سَمِعْتُ) أبي (كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ فِي حَدِيثِهِ) أي حديثه الطَّويل في قصَّة تخلُّفه عن غزوة تبوك، ونهي النَّبي صلى الله عليه وسلم عن كلامه وكلام رفيقيه، وهما مرارة وهلال، وقد تقدَّم بطولهِ وشرحه في كتاب «المغازي» ، لكن بوجهٍ آخر عن ابن شهاب ( {وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا} فَقَالَ فِي آخِرِ حَدِيثِهِ إِنَّ مِنْ) شكر (تَوْبَتِي أَنِّي أَنْخَلِعُ) بنون وخاء معجمة، من الانخلاع؛ أي أن أعرى (مِنْ مَالِي) كما يَعْرى الإنسان إذا خلع ثوبه، وكلمة «أن» مصدريَّة (صَدَقَةً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ) إلى بمعنى اللام؛ أي صدقةٌ خالصةٌ لله ورسوله، أو تتعلق بصفة مقدرة؛ أي صدقة واصله إلى الله؛ أي إلى ثوابه وجزائه، وإلى رسوله؛ أي إلى رضاه وحكمه وتصرُّفه.

(فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْسِكْ) بكسر المهملة (عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ، فَهْوَ خَيْرٌ لَكَ) أي إمساك بعض مالك خيرٌ لك من أن تتضرَّر بالفقر. وفي «سنن أبي داود» (( من توبتي إلى الله أن أخرجَ من مالي كلِّه إلى الله وإلى رسوله صدقة ) )قال (( لا ) )، قلت فنصفه، قال (( لا ) )، قلت فثلثه، قال (( نعم قلت فإنِّي أمسك سهمي الَّذي بخيبر ) ). وفي رواية قال (( يجزئ عنك الثُّلث ) ).

وقد اختلف السَّلف فيمن نذرَ أن يتصدَّق بجميع ماله على أقوال

الأول أنَّه يلزمه ثلث ماله، وبه قال مالك.

الثاني أنَّه إن كان مليئًا فكذلك، وإن كان فقيرًا فكفَّارة يمينٍ، وبه قال اللَّيث وابن وهب.

الثَّالث إن كان متوسِّطًا يخرج قدر زكاة ماله، يروى ذلك عن ربيعة والأخير عند أبي حنيفة.

الرابع يخرج ما لا يضرُّ به، وهو قول سحنون من المالكيَّة.

الخامس يخرج جميع ماله، وهو قول إبراهيم النَّخعي.

السَّادس إن علقه بشرط كقوله

ج 28 ص 130

إن شفى الله مريضي، أو إن دخلت الدَّار فالقياس أن يلزمه إخراج كلِّ ماله، وهو قول أبي حنيفة.

السَّابع إن خرج نذره مخرج التَّبرُّر مثل إن شفى الله مريضي فيلزمه جميع ماله، وإن كان لجاجًا وغضبًا، فيقصد منع نفسه من فعل مباحٍ كـ إن دخلت الدَّار فهو بالخيار إن شاء أن يفي بذلك، وإن شاء يُكفِّر كفَّارة يمينٍ، وهو قول الشَّافعي.

الثامن لا يلزمه شيءٌ أصلًا وهو قول ابن أبي ليلى وطاوس والشَّعبي.

التَّاسع يحبس لنفسه من ماله قوت شهرين، ثمَّ يتصدَّق، وهو قول زفر.

وعن قتادة يلزم الغنيُّ العشر، والمتوسِّط السَّبع، والمملق الخمس، وعن الثَّوري والأوزاعي وجماعة يلزمه كفَّارة يمينٍ بغير تفصيلٍ.

ومطابقة الحديث للترجمة من حيث إن كعب بن مالك جعل من توبته انخلاعه من ماله صدقة إلى الله ورسوله. قيل فيه نظرٌ؛ لأنَّه ليس في الانخلاع المذكور ما يدلُّ على النَّذر منه، والتَّرجمة فيها النَّذر، وإنَّما الظَّاهر أنَّه يؤكِّد أمر توبته بالتَّصدق بجميع ماله شكرًا لله تعالى على ما أنعمَ به عليه، ويمكن الجواب بأن يُقال إنَّ في الانخلاع معنى الإلتزام، وفي الالتزام معنى النَّذر، كذا قال العيني.

وقال الحافظ العسقلاني ومناسبة حديث كعب للتَّرجمة أنَّ معنى التَّرجمة أنَّ من أهدى، أو تصدَّق بجميع ماله إذ تاب من ذنبٍ، أو إذا نذر هل ينفذ ذلك إذا نجَّزهُ، أو علَّقه، وقصَّة كعبٍ منطبقة على الأوَّل وهو التَّنجيز، لكن لم يصدر منه تنجيزٌ كما تقرَّر، وإنَّما استشار فأُشير عليه بإمساك البعض، فيكون الأولى لمن أراد أن يُنجِّز التَّصدُّق بجميع ماله، أو يُعلِّقه أن يمسك بعضه، ولا يلزم من ذلك أنَّه لو نَجَّزه لم ينفذ، وقد تقدَّمت الإشارة في كتاب «الزكاة» [خ¦1429 قبل] إلى أنَّ التَّصدُّق بجميع المال يختلفُ باختلاف الأحوال، فمن كان قويًّا على ذلك يعلم من نفسه الصَّبر لم يُمنع، وعليه يتنزَّل فعل أبي بكر رضي الله عنه، وإيثار الأنصار على أنفسهم المهاجرين، ولو كان بهم خصاصة، ومن لم يكن كذلك

ج 28 ص 131

فلا، وعليه يتنزَّل «لا صدقة إلَّا عن ظهر غنى» ، وفي لفظ (( أفضل الصَّدقة ما كان عن ظهرِ غنى ) ).

قال ابنُ دقيق العيد في حديث كعبٍ إن للصَّدقة أثرًا في محو الذَّنب، ومن ثمَّة شُرعت الكفَّارة الماليَّة. ونازعه الفاكهاني فقال التَّوبة تَجُبُّ ما قبلها، وظاهر حال كعب أنَّه أرادَ فعل ذلك على جهة الشُّكر.

وقال الحافظ العسقلاني مراد الشَّيخ أنَّه يؤخذ من قول كعبٍ إنَّ من توبتي إلى آخره أنَّ للصَّدقة أثرًا في قبول التَّوبة التي يتحقَّق بحصولها محو الذَّنب، والحجَّة فيه تقرير النَّبي صلى الله عليه وسلم له على القول المذكور.

وقد مضى الحديث بطوله في كتاب «المغازي» [خ¦4418] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت