فهرس الكتاب

الصفحة 992 من 11127

616 - (حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهد (قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ) هو ابن زيد بن درهم (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختياني (وعَبْدِ الحَمِيدِ) بن دينار (صَاحِبُ الزِّيادِيِّ وعَاصِمِ) بن سليمان (الأَحْوَلِ) ثلاثتهم (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ) ابن عم محمد بن سيرين، وزوج ابنته (قَالَ خَطَبَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما، وكانت خطبته يوم الجمعة كما تدلُّ عليه رواية ابن عُلَيَّة، وكذا قوله في آخر الحديث (( وإنها عَزْمَةٌ ) ).

(فِي يَوْمِ رَدْغٍ) بالإضافة، وبفتح الراء وسكون المهملة وبالغين المعجمة، وفي رواية بالزاي بدل الدال المهملة. وقال القرطبي إنها أشهر، قال والصواب الفتح، يعني فتح الدال أو الزاي، فإنه بالفتح اسم، وبالسكون مصدر.

قال صاحب «المُحْكَم» الرزغ الماء القليل في الثمار، وقيل إنَّه طين وَوَحْلٌ. وفي «العين» الرَّدغة الوحل، والرَّزغة أشد منها. وفي «الجمهرة» الرَّدغة والرَّزغة الطين القليل من مطر أو غيره.

وقال الدَّاودي الرَّزغ الغيم البارد. وقال الجوهري الرَّزَغة _ بالتحريك _ الوحل، وأرزغ المطر الأرض إذا بلَّها وبالغ، ويقال احتفر القوم حتى أرزغوا؛ أي بلغوا الطين الرطب. وقال الرَّدَغة أيضًا _ أي بتحريك الدال المهملة _ الماء والطين، وكذلك بالتسكين.

وقد وقع هنا (( في يوم رزغ ) )بالإضافة، وفي رواية ، وفي رواية ابن عُلَيَّة .

(فَلَمَّا بَلَغَ الْمُؤَذِّنُ) إلى أن يقول (حَيَّ عَلَى الصَّلاَةِ) أراد أن يقولها (فَأَمَرَهُ) ابن عباس رضي الله عنهما، فهو عطف على مقدَّر هو جواب «لمَّا» كما أشرنا إليه (أَنْ يُنَادِيَ) أي بأن يُنادي من غير أن يقول حيَّ على الصلاة، كما يوضِّح ذلك رواية ابن عُلَيَّة إسماعيل.

روى أبو داود عن مسدَّد عن إسماعيل أخبرني عبد الحميد صاحب الزِّيادي حدثنا عبد الله بن الحارث ابن عم محمد بن سيرين أن ابن عباس رضي الله عنهما قال لمؤذِّنه في يوم مطير إذا قلت أشهد أن محمدًا رسول الله فلا تقل حي على الصلاة، قل صلوا في بيوتكم، قال فكأن الناس استنكروا ذلك فقال قد فعل ذا من هو خير منِّي، إنَّ الجمعة عَزْمَةٌ، وإني كرهت أن أحرجكم فتمشون في الطين والمطر.

وبوَّب عليه ابن خُزيمة، وتبعه ابن حبَّان. ثم المحبُّ الطَّبري حَذَفَ حيَّ على الصلاة في يوم المطر. وكأنَّه نظر إلى المعنى؛ لأنَّ حيَّ على الصلاة معناه هلموا إلى الصلاة، والصَّلاة في الرِّحال، وصلوا في بيوتكم يناقض ذلك.

وعند الشافعي فيه وجهان وجه أن يقول ذلك بعد الأذان، وآخر أنه يقوله بعد الحيعلتين، والذي يقتضيه الحديث ما تقدَّم، وسيأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى.

(الصَّلاَةَ) منصوب بعامل مقدَّر؛ أي صلُّوا الصلاة وأدُّوها (فِي الرِّحَالِ) جمع رَحْلٍ، وهو مسكن الرجل وما يستصحبه من الأثاث؛ أي صلُّوها في منازلكم، ويجوز الرفع على الابتداء (فَنَظَرَ القَوْمُ) أي نظر إنكارٍ على تغيير وضع الأذان، وتبديل الحيعلة بذلك،

ج 4 ص 46

وفي رواية الحجبي (( كأنهم أنكروا ذلك ) )، وفي رواية أبي داود (( استنكروا ذلك ) )، وقد مرَّ.

(بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ) بدل من القوم (فَقَالَ) أي فَهِمَ من نظرهم الإنكار، فقال ابن عباس رضي الله عنه مجيبًا لهم وردًَّا لإنكارهم (فَعَلَ هَذَا) أشار به إلى ما أَمَر المؤذِّن به (مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ) أي من ابن عباس رضي الله عنه. وفي رواية ، قيل كذا في أصل الراوية، وكذا وقع في رواية مسلم وأبي داود، ويحتمل أن يكون معنى رواية الباب من هو خير من المؤذِّن؛ يعني فعله مؤذِّن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو خير من هذا المؤذِّن، وفي رواية ؛ أي من المؤذن والقوم جميعًا.

وقال الحافظ العسقلاني ولعلَّ من أذَّن كانوا جماعة، أو أراد جنس المؤذِّنين. وقال محمود العيني وهذا احتمال بعيد على أن الأذان بالجماعة مُحْدَثٌ.

(وَإِنَّهَا) أي الجمعة؛ لدَلالة قوله «خطبنا» ، وقد صرَّح بذلك في رواية أبي داود حيث قال (( إن الجمعة ) ) (عَزْمَةٌ) بسكون الزاي؛ أي واجبة متحتِّمة.

قال التَّيمي رخصَّ الكلامَ في الأذان جماعةٌ مستدلِّين بهذا الحديث منهم أحمد بن حنبل. وحكى ابن المنذر الجواز مطلقًا عن عروة وعطاء والحسن وقتادة. وعن النخعي وابن سيرين والأوزاعي الكراهة. وعن الثوري المنع. وعن أبي حنيفة وصاحبيه خلاف الأولى، وعليه يدلُّ كلام الشافعي ومالك. وعن إسحاق بن راهويه يكره إلا إذا كان فيما يتعلق بالصلاة. واختاره ابن المنذر.

وفي الحديث دَلالة على فرضية الجمعة، وأبعد بعض المالكية حيث قال إنَّ الجمعة ليست بفرض، وإنما الفرض الظُّهر، أو ما ينوب منابه، والجماعة على خلافهِ.

وقال ابنُ التِّين وحكى ابن أبي صفرة عن «موطأ ابن وهب» عن مالك أنَّ الجمعة سنة، قال ولعلَّه يريد في السفر، ولا يحتج به.

وفي الحديث أيضًا تخفيف أمر الجماعة في المطر ونحوه من الأعذار، وأنها متأكِّدة إذا لم يكن عذرٌ.

تنبيه قال النووي إنَّ هذه الكلمة تقال في نفس الأذان، وفي حديث ابن عمر رضي الله عنهما الآتي في باب «الأذان للمسافر» أنَّها تقال بعده [خ¦632] . قال والأمران جائزان، كما نصَّ عليه الشافعي، ولكن بَعْدَهُ أحسن؛ لئلَّا ينخرم نظم الأذان. قال ومن أصحابنا من قال لا يقوله إلَّا بعد الفراغ، وهو ضعيفٌ مخالفٌ لصريح حديث ابن عباس رضي الله عنهما. انتهى.

وكلامه يدلُّ على أنَّها تزاد مطلقًا إمَّا في أثنائه، وإمَّا بعده، لا أنَّها بدل من «حيَّ على الصلاة» .

وقد تقدَّم من رواية ابن عُلَيَّة ما يخالفه، فإنه قال فلا تقل حيَّ على الصلاة، قل صلُّوا في بيوتكم. ويمكن أن يقال إنَّ حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما لم يسلك مسلك الأذان،

ج 4 ص 47

وإنما المراد به إشعار الناس بالتخفيف عنهم للعذر، كما فُعِلَ في التَّثويب للأمراء وأصحابِ الولايات.

وقد وردَ الجمع بينهما في حديث آخر أخرجه عبد الرَّزَّاق وغيره بإسنادٍ صحيحٍ عن نُعيم بن النَّحَّام قال أذَّن مؤذِّن النبي صلى الله عليه وسلم للصبح في ليلةٍ باردةٍ، فتمنَّيت لو قال ومن قعد فلا حرج، فلمَّا قال الصلاة خير من النَّوم، قالها.

ثم مطابقة الحديث للترجمة أنكرها الدَّاودي فقال لا حجَّة فيه على جواز الكلام في الأذان، بل القول المذكور من جملة الأذان في ذلك المحل.

وتُعقِّب بأنه وإن ساغ ذكره في هذا المحل، لكنه ليس من ألفاظ الأذان المعهودة، وطريق بيان المطابقة أنَّ هذا الكلام لمَّا جازت زيادته في الأذان للحاجة إليه دلَّ على جواز الكلام في الأذان لمن يحتاج إليه.

هذا ورجال إسناد هذا الحديث بصريون، وفيه ثلاثة من التابعين.

وقد أخرج متنه المؤلِّف في «الجمعة» أيضًا [خ¦668] ، وأخرجه مسلم وأبو داود وابن ماجه في «الصلاة» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت