فهرس الكتاب

الصفحة 9930 من 11127

6697 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الْحَسَنِ) المروزي، قال (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ) هو ابنُ المبارك المروزي، قال (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ) بضم العين فيهما، العمري (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) رضي الله عنهما

ج 28 ص 150

(أَنَّ) أباه (عُمَرَ) رضي الله عنه (قَالَ يا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي نَذَرْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ) أي الحال التي كنت عليها قبل الإسلام من الجهل بالله ورسوله وشرائع الدِّين وغير ذلك؛ لأنَّ جاهليَّة كلِّ أحدٍ بحسبه.

قال الحافظُ العسقلاني ووهم من قال الجاهليَّة في كلامه زمن فترة النُّبوَّة، والمراد بها هاهنا ما قبل بعثة نبيِّنا صلى الله عليه وسلم، فإنَّ هذا يتوقَّف على نقلٍ، وقد تقدَّم [خ¦2043] أنَّه نذرَ قبل أن يسلم، وبين البعثة وإسلامه مدَّةٌ.

(أَنْ أَعْتَكِفَ) أي الاعتكاف (لَيْلَةً) لا تعارضه رواية ؛ لأنَّ اليوم يُطلق على مطلق الزَّمان ليلًا كان أو نهارًا، أو أنَّ النَّذر كان ليوم وليلة، ولكن يكتفى بأحدهما عن ذكر الآخر فرواية ؛ أي بليلته، ورواية ؛ أي مع يومها؛ ففي الأوَّل يكون حجَّةً على من شرط الصَّوم في الاعتكاف؛ لأنَّ اللَّيل ليس محلًّا للصَّوم.

قال الكرماني وفي الحديث أنَّ الصَّوم ليس شرطًا لصحَّة الاعتكاف وهو حجَّةٌ على الحنفيَّة. وتعقَّبه العيني بأنَّه ذهل عن قوله صلى الله عليه وسلم (( لا اعتكاف إلَّا بالصَّوم ) )، فليتأمَّل.

(فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) حول الكعبة، ولم يكن إذ ذاك جدارٌ يحوط عليها (قَالَ) صلى الله عليه وسلم له (أَوْفِ بِنَذْرِكَ) بفتح الهمزة، ولم يذكر في هذه الرِّواية متى سأل ذلك عمر رضي الله عنه، وقد تقدم في «غزوة حنين» [خ¦4320] التصريح بأنَّ سؤاله كان بعد قسم النَّبي صلى الله عليه وسلم غنائم حنينٍ بالطَّائف، ولفظه «لما قفلنا من حنين سأل عمر النَّبي صلى الله عليه وسلم عن نذرٍ كان نذره في الجاهليَّة أن يعتكف» .

وفي «فرض الخمس» [خ¦3144] أنَّ في رواية سفيان بن عُيينة عن أيُّوب من الزِّيادة قال عمر رضي الله عنه فلم أعتكف حتَّى كان بعد حنين.

وفي الحديث لزوم النَّذر للقربة من كلِّ أحدٍ حتَّى قبل الإسلام. وأجابَ ابن العربي بأنَّ عمر رضي الله عنه لمَّا نذر في الجاهليَّة ثمَّ أسلم أراد أن يُكفِّر ذلك بمثلهِ في الإسلام، فلمَّا أرادَه ونواه سأل النَّبي صلى الله عليه وسلم فأعلمَه أنَّه لزمه.

قال وكلُّ عبادةٍ ينفردُ بها العبد عن غيره تنعقدُ بمجرَّد النِّيَّة العازمة الدَّائمة كالنَّذر في العبادة والطَّلاق في الأحكام وإن لم يتلفَّظ بشيءٍ من ذلك، كذا قال، ولم يُوافَق على ذلك، بل نقلَ بعض المالكيَّة الاتفاق على أنَّ العبادة

ج 28 ص 151

لا تلزم إلَّا بالنِّيَّة مع القول، أو الشُّروع، فظاهر كلام عمر رضي الله عنه مجرَّد الإخبار بما وقعَ مع الاستخبار عن حكمه هل لزم أو لا، وليس فيه ما يدلُّ على ما ادَّعاه من تجديد نيَّةٍ في الإسلام.

وقال الباجي قصَّة عمر رضي الله عنه هي كمَن نذر أن يتصدَّق بكذا إن قدم فلان بعد شهرٍ فمات فلانٌ قبل قدومه، فإنَّه لا يلزمه قضاؤه، فإن فعله فحسَن، فلمَّا نذرَ عمر رضي الله عنه قبل أن يسلم، وسألَ النَّبي صلى الله عليه وسلم أمره بوفائه استحبابًا، وإن كان لا يلزمه ما التزمَه في حالةٍ لا ينعقد بها.

ونقل الشَّيخ زين الدين العراقي في «شرح الترمذي» أنَّه استُدلَّ به على أنَّ الكفَّار مخاطبون بفروع الشَّريعة، وإن كان لا يصحُّ منهم إلَّا أن يسلموا لأمر عمرَ رضي الله عنه بوفاءِ ما التزمه في الشِّرك.

ونقل أنَّه لا يصحُّ الاستدلال به؛ لأنَّ الواجب بأصل الشَّرع كالصَّلاة لا يجب عليهم قضاؤها فكيف يُكلَّفون بقضاء ما ليس واجبًا بأصل الشَّرع عليهم. قال ويمكن أن يُجابَ أنَّ الواجبَ بأصل الشَّرع مؤقَّتٌ بوقتٍ، وقد خرج قبل أن يسلمَ الكافر ففات وقتُ أدائه فلم يُؤمر بقضائه؛ لأنَّ الإسلام يجبُّ ما قبله، وأمَّا إذا لم يؤقِّت نذره فلم يتعيَّن له وقت حتَّى أسلمَ فإيقاعه له بعد إسلامه يكون أداء لاتِّساع ذلك باتساع العمر.

وقال الحافظُ العسقلاني يقوِّي ما ذهب إليه أبو ثور، ومن قال بقوله وإن ثبت النَّقل عن الشَّافعي بذلك فلعلَّه كان يقوله أولًا فأخذَه عنه أبو ثور، ويمكن أن يُؤخذ من الفرق المذكور وجوب الحجِّ على من أسلم لاتِّساع وقته بخلاف ما فات وقته، والله تعالى أعلم.

والحاصل أنَّ منهم من تمسَّك به، وقال بصحَّة نذر الكافر، ومنهم من منع، وهو الصَّحيح، وهم يحملون الحديث على أنَّه صلى الله عليه وسلم لم يأمره بالاعتكاف إلَّا تشبيهًا بما نذر لا عين ما نذر، وتسميتُه بالنَّذر من مجاز التَّشبيه أو من مجاز الحذف.

تتمة قد مضى الحديث في آخر «الاعتكاف» [خ¦2043] ، ورواه الطَّحاوي من ثلاث طرقٍ.

ج 28 ص 152

ثمَّ قال فذهب قومٌ إلى أنَّ الرَّجل إذا أوجب على نفسه شيئًا في حال شركه من اعتكاف، أو صدقةٍ، أو شيءٍ ممَّا يوجبه المسلمون لله، ثمَّ أسلم أنَّ ذلك واجبٌ عليه، واحتجُّوا في ذلك بهذه الآثار.

قال العيني أراد بالقوم هؤلاء طاوسًا وقتادة والحسن البصري والشافعي وأحمد وإسحاق وجماعة الظَّاهرية، وبه قال ابنُ حزم. ثم قال الطَّحاوي وخالفهم في ذلك آخرون، وقالوا لا يجب عليه في ذلك شيء. قال العيني أراد بالآخرين إبراهيم النَّخعي والثَّوري وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا ومالكًا والشَّافعي في قول وأحمد في رواية، واحتجُّوا في ذلك بحديث عائشة رضي الله عنها المذكور قبل هذا الباب [خ¦6696] ، وبحديث عَمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( إنَّما النَّذر ما ابتُغي به وجهَ الله ) )، رواه الطَّحاوي وعبد الله بن وهب في «مسنده» .

فدلَّ على أنَّ فعل الكافر لم يكن تقرُّبًا إلى الله تعالى؛ لأنَّه حين كان يوجبه يقصد به الَّذي يعبده من دون الله، وذلك معصيةٌ، فدخل في قوله صلى الله عليه وسلم (( لا نذر في معصية الله ) ).

ومطابقة الحديث للترجمة تؤخذ من قوله (( أَوْفِ بنذرك ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت