617 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) بفتح اللام، القعنبي (عَنْ مَالِكِ) بن أنس الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهري (عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) بن عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه (عَنْ أَبِيهِ) رضي الله عنه.
قال الدَّارقطني تفرَّد القعنبي بروايته إياه في «الموطأ» موصولًا عن مالك، ولم يذكر غيره من رواية «الموطأ» فيه «ابن عمر» ، ووافقه على وصله عن مالك خارج «الموطأ» عبد الرحمن بن مهدي وعبد الرَّزاق ورَوْح بن عُبادة وأبو قُرة وكامل بن طلحة وآخرون، ووصله عن الزُّهري جماعة من حفَّاظ أصحابه.
(أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ إِنَّ بِلاَلًا) رضي الله عنه (يُؤَذِّنُ) للصبح (بِلَيْلٍ) أي في ليلٍ، وفي رواية الطَّحاوي (( إن بلالًا ينادي بليل ) )، ومعناهما واحد، فيه إشعار بأن ذلك كان من عادته المستمرَّة، وزعم بعضهم أنَّ ابتداء ذلك كان باجتهادٍ منه، وعلى تقدير صحَّته فقد أقرَّه النَّبي صلى الله عليه وسلم على ذلك فصار في حكم المأمور به، وسيأتي الكلام في تعيين الوقت الذي كان يؤذِّن فيه من اللَّيل بعد باب [خ¦621] .
(فَكُلُوا وَاشْرَبُوا) فيه إشعار بأن الأذان كان علامة عندهم على دخول الوقت، فبيَّن لهم أن أذان بلال بخلاف ذلك، (حَتَّى) أي إلى أن (يُنَادِيَ) أي يؤذِّن.
ج 4 ص 48
(ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ) عبد الله، أو عَمرو، وهو الأكثر، ويقال كان اسمه الحصين، فسمَّاه النبي صلى الله عليه وسلم عبدَ الله، ابن قيس بن زائدة القرشي العامري، واسم أمِّ مكتوم عاتكة بنت عبد الله بن عنكثة بن عامر بن مخزوم، وهو ابن خال خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، وابن أمِّ مكتوم هاجر إلى المدينة قبل مقدَم النبي صلى الله عليه وسلم، واستخلفَه النَّبي صلى الله عليه وسلم على المدينة ثلاث عشرة مرَّة، وشهد فتح القادسية، وقُتِلَ شهيدًا، وكان معه اللِّواء يومئذٍ، وقيل رجع إلى المدينة، ومات بها، وهو الأعمى المذكور في سورة عبس.
(قَالَ) وفي رواية ؛ أي ابن عمر رضي الله عنهما، وبذلك جزم الشيخ الموفق في «المغني» ، وفي رواية الطحاوي (( قال ابن شهاب ) ). وكذا في رواية الإسماعيلي عن ابن خليفة. وعلى هذا ففي رواية البخاري إدراج، لكن يمكن أن يكون شيخ ابن شهاب قاله، وكذا شيخُ شيخه. وقد رواه البيهقي من رواية الرَّبيع بن سليمان، عن ابن وهبٍ، عن يونس واللَّيث جميعًا عن ابن شهاب، وفيه قال سالم، وكان رجلًا ضرير البصر.
(وَكَانَ) ابن أم مكتوم (رَجُلًا أَعْمَى) زعم بعضهم أنَّه ولد أعمى فكُنِّيت أمه أم مكتوم لاكتتام نور بصره، والمعروف أنَّه عَمِيَ بعد بدرٍ بسنتين (لاَ يُنَادِي) أي لا يؤذِّن (حَتَّى يُقَالَ لَهُ أَصْبَحْتَ) أي قاربت الصُّبح؛ لأنَّ قُرْبَ الشيء قد يعبَّر به، كما في قوله تعالى {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} [الطلاق 2] أي قاربن؛ لأن العدة إذا تمَّت فلا رجعة، وبهذا التَّفسير يندفع إشكال من استشكل أنَّه إذا جُعِل أذانه غايةَ للأكل، فلو لم يؤذِّن حتى يدخل الصباح لزم منه جواز الأكل بعد طلوع الفجر، والإجماع على خلافه إلَّا ما رُوِيَ عن سليمان الأعمش جوازه بعد طلوع الفجر ولا يُعتدُّ به.
فإن قيل يشكل على هذا ما رواه البيهقي من حديث الرَّبيع بن سليمان، عن ابن وهب، عن يونس واللَّيث عن ابن شهاب، وفيه ولم يكن يؤذِّن حتى يقول له الناس حين ينظرون إلى بزوغ الفجر أَذِّن.
وكذا رواية البُخاري في «الصيام» (( حتى يؤذِّن ابنُ أمِّ مكتوم فإنَّه لا يؤذِّن حتى يطلع الفجر ) ). وأيضًا فإن قوله (( إنَّ بلالًا يؤذِّن بليل ) )يُشعِر أنَّ ابن مكتوم بخلافه، ولأنه لو كان قبل الصبح لم يكن بينه وبين بلال فرق لِصدْقِ أن كلاًّ منهما أذَّن قبل الوقت.
فالجواب أنَّ المراد بالبزوغ ابتداء طلوع الفجر فيكون أذانه علامة لتحريم الأكل، وكأنَّه كان له مَن يُراعي الوقت بحيث يكون أذانه مقارنًا لابتداء طلوع الفجر، وهو المراد بالبُزوغ، وعند أخذه في الأذان يعترضُ الفجرُ في الأفق.
ج 4 ص 49
ويدلُّ عليه ما رواه أبو قرَّة من وجه آخر عن ابن عمر رضي الله عنهما وكان ابن أم مكتوم يتوخَّى الفجر فلا يخطئه، ولا يكون توخَّي الأعمى في مثل هذا الأمر إلَّا إذا كان له من يراعي الوقت.
وقال الحافظُ العسقلاني لا يلزم من كون المراد بقولهم أصبحت؛ أي قاربت الصَّباح وقوع أذانه قبل الفجر؛ لاحتمال أن يكون قولهم ذلك يقع في آخر جزء من اللَّيل، وأذانه يقع في أوَّل جزء من طلوع الفجر، وهذا وإن كان مستبعدًا في العادة فليس بمستبعدٍ من مؤذِّن النبي صلى الله عليه وسلم المؤيَّد بالملائكة، فلا يشاركه فيه من لم يكن بتلك الصفة.
واحتجَّ بهذا الحديث الأوزاعي وعبد الله بن المبارك ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق وداود وابن جرير الطَّبري فقالوا يجوز أن يؤذِّن للفجر قبل دخول وقته، وممَّن ذهب إليه أبو يوسف.
واحتجُّوا بما رواه البخاري أيضًا عن عائشة رضي الله عنها عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال (( إنَّ بلالًا يؤذِّن بليلٍ فكلوا واشربوا حتى يؤذِّن ابن أم مكتومٍ ) )على ما يجيء [خ¦622] .
وبما رواه مسلم والنسائي أيضًا بلفظ (( إذا أذَّن بلال فكلوا واشربوا حتَّى يُنادي ابن أم مكتوم ) ). وأمَّا ما رواه ابن خُزيمة في «صحيحه» من حديث أُنَيسةَ بنتِ خُبيبٍ قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( إذا أذَّن ابن أمِّ مكتوم فكلوا واشربوا، وإذا أذَّن بلال فلا تأكلوا، ولا تشربوا ) )، وإن كانت المرأة منَّا ليبقى عليها شيء من سحورها فتقول لبلال أمهل حتى أفرغَ من سحوري.
وكذا ما رواه الدَّارمي من حديث الأسود عن عائشة رضي الله عنها قالت كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة مؤذِّنين بلال وأبو محذورة وعَمرو بن أمِّ مكتوم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( إذا أذَّن عَمرو فإنَّه ضرير العين فلا يغرَّنَّكم، وإذا أذَّن بلال فلا يطعمنَّ أحد ) ).
وكذا ما روى النَّسائي من حديث أُنَيسة نحو ما رواه ابن خُزيمة.
فيجوز أن يكون النَّبي صلى الله عليه وسلم قد جعل الأذان باللَّيل نُوَبًا بين بلال وعَمرو فأمر بلالًا في بعض اللَّيالي أن يؤذِّن أولًا باللَّيل فإذا نزل بلال صعد عَمرو فأذَّن بعده بالنَّهار، وإذا كان نوبة عَمرو كان بالعكس، فكان صلى الله عليه وسلم يعلِّم الناس في كلا الوقتين أنَّ الأذان الأوَّل منها بليل لا بنهار، وأنَّه لا يَمنَعُ من أراد الصَّوم طعامًا ولا شرابًا، وإنما يمنع الأذان الثاني. وسيجيء ما يتعلَّق به في الباب الآتي أيضًا إن شاء الله تعالى [خ¦620] .
وقال الثَّوري وأبو حنيفة ومحمد وزفر بن الهُذيل رحمهم الله لا يجوز أن يؤذِّن للفجر إلَّا بعد دخول وقتها
ج 4 ص 50
كما لا يجوز لسائر الصَّلوات إلَّا بعد دخول وقتها؛ لأنَّه للإعلام به، وقبل دخوله يكون تجهيلًا لا إعلامًا فلا يجوز، وإن قُدِّم يعاد في الوقت؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم قال لمن أذَّن قبل الوقت (( لا تؤذِّن حتى ترى الفجر ) ).
وأجابوا عن أذان بلال قبل دخول الوقت بأنَّه لم يكن ذلك لأجل الصلاة بل لينتبه النائم، أو ليتسحَّر الصَّائم وليرجع الغائب، بيَّن ذلك ما رواه البخاريُّ من حديث ابن مسعود رضي الله عنه عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال (( لا يمنعنَّ أحدكم أو أحدًا منكم أذانُ بلالٍ من سُحوره، فإنه يؤذِّن أو يُنادي بليلٍ ليرجع قائمكم، ولينتبه نائمكم ) )الحديث على ما يأتي عن قريبٍ إن شاء الله تعالى [خ¦621] . وأخرجه مسلم أيضًا، وأخرجه الطَّحاوي من ثلاث طرق ولفظه (( لا يمنعنَّ أحدكم أذانُ بلالٍ من سُحوره، فإنه يُنادي أو يؤذِّن ليرجع غائبكم، ولينتبه نائمكم ) )، الحديث.
ومعنى (( ليرجع غائبكم ) )ليردَّ غائبكم من الغيبة، و «رجع» يتعدَّى بنفسه، ولا يتعدَّى، والرِّواية المشهورة ليرجع قائمكم من القيام، ومعناه ليُكمِل، ويستعجلَ بقيَّة وِرْدِه، ويأتي بوتره قبل الفجر.
وقال القاضي عياض ما ملخَّصه إنَّ ما قاله الحنفيَّة بعيد، إذ لم يختصَّ هذا بشهر رمضان، وإنما أخبر عن عادته في أذانه، ولأنَّه العمل المنقول في سائر الحَول بالمدينة، وإليه رجع أبو يوسف حين تحقُّقه، ولأنه لو كان للسُّحور لم يختصَّ بصورة الأذان للصلاة. انتهى.
والذي قاله بعيد؛ لأنهم لم يقولوا أنَّه مختصٌّ بشهر رمضان، والصَّوم غير مخصوص به، فكما أنَّ الصائم في رمضان يحتاج إلى الإيقاظ لأجل السُّحور، فكذلك في غيره، بل هذا أشد؛ لأنَّ من يحيي ليالي رمضان أكثر ممَّن يحيي ليالي غيره، فعُلِم أنَّ أذانه إنما كان لأجل إيقاظ النائم، ولإرجاع القائم، لا لأجل الصلاة، وإلا ينبغي أن يجوز أداء صلاة الفجر به، وهو غير جائزٍ.
ومن أقوى الدَّلائل على أنَّ أذان بلال لم يكن لأجل الصلاة ما رواه الطَّحاوي من حديث حماد بن سلمة، عن أيُّوب عن ابن عمر رضي الله عنهما أنَّ بلالًا أذَّن قبل طلوع الفجر فأمره النَّبي صلى الله عليه وسلم أن يرجعَ فينادي (( ألا إنَّ العبدَ نام ) )، فرجع فنادى ألا إنَّ العبد نام. وأخرجه أبو داود أيضًا.
يعني أن بلالًا أخطأ مرَّة، فأذَّن للصلاة قبل طلوع الفجر، فأمره صلى الله عليه وسلم أن يرجعَ، فيقول (( ألا إنَّ العبدَ نام ) )يعني أنَّ غلبةَ النَّوم على عينيه منعتْه من تبيُّن الفجر، فهذا ابن عمر رضي الله عنهما روى هذا، والحال أنَّه روى عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (( إن بلالًا يُنادي بليل ) )الحديث، فثبت بذلك أن ما كان من ندائه قبل طلوع الفجر لم يكن للصلاة.
هذا وفي حديث حماد بحثٌ طويل، ذكره محمود العيني. وممَّا يُستفاد
ج 4 ص 51
من حديث الباب استحباب أذانِ واحدٍ بعدَ واحدٍ، وأمَّا أذان اثنين معًا فمَنَع منه قوم وقالوا أول من أحدثه بنو أميَّة.
وقالت الشَّافعية لا يكره إلَّا إن حصل منه تهويش. وجواز اتِّخاذ مُؤَذِّنَيْنِ في مسجد واحدٍ. وقال ابنُ دقيق العيد وأمَّا الزِّيادة على الاثنين فليس في الحديث تعرُّض له. انتهى. ونصَّ الشافعي على جوازه، ولفظه ولا يُضيَّق إن أذَّن أكثر من اثنين.
ومنه جواز تقليد الأعمى للبصير في دخول الوقت. وفيه أوجه، واختلف في التَّرجيح، وصحَّح النووي في كتبه أنَّ للأعمى والبصير اعتماد المؤذِّن الثقة.
ومنه جواز شهادة الأعمى. وسيأتي ما فيه في كتاب الشَّهادات إن شاء الله تعالى.
ومنه الاعتماد على صوت المؤذِّن، والاعتماد على الصوت في الرواية إذا كان عارفًا به، وإن لم يشاهد الراوي، وخالف في ذلك شعبة لاحتمال الاشتباه.
ومنه استحباب السحور وتأخيره. ومنه جواز العمل بخبر الواحد. ومنه أنَّ ما بعد الفجر في حكم النهار. ومنه جواز ذكر الرجل بما فيه من العاهة إذا كان لقصد التَّعريف لا لقصد التَّعيير. ومنه جواز نسبة الرجل إلى أمه إذا اشتهر بذلك، واحتيج إليه. ومنه جواز التَّكنية للمرأة.