6732 - (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكي الحافظ، قال (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بضم الواو وفتح الهاء، هو ابن خالدٍ، قال (حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ) هو عبد الله (عَنْ أَبِيه) طاوس اليماني (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أنَّه (قَالَ أَلْحِقُوا) بفتح الهمزة وكسر الحاء المهملة (الْفَرَائِضَ) جمع فريضة فعيلة بمعنى مفعولة، والمراد الأنصباء المقدَّرة
ج 28 ص 237
في كتاب الله تعالى، وهي النِّصف، ونصفه، ونصف نصفه، والثُّلثان، ونصفهما، ونصف نصفهما، والمراد بأهلها من يستحقُّها بنصِّ القرآن، ووقع في رواية روح بن القاسم عن ابن طاوس اقسموا المال بين أهل الفرائض على كتاب الله تعالى؛ أي على وفق ما أنزل الله في كتابه.
(فَمَا بَقِيَ) أي من أصحاب الفرائض، وفي رواية روح بن القاسم (( فما تركت ) )أي أبقت (فَهْوَ لأَوْلَى) وفي رواية الكُشميهني (رَجُلٍ ذَكَرٍ) والأَوْلَى _ بفتح الهمزة واللام بينهما واو ساكنة _ من الولي وهو القرب؛ أي لمن يكون أقرب في النَّسب إلى المورث، وليس المراد هنا الأحقُّ.
قال النَّووي وإلَّا لخلا عن الفائدة؛ لأنَّا لا ندري من هو الأحقُّ، وقد حكى القاضي عِياض أنَّ في رواية ابن الحذَّاء عن ابن ماهان في مسلمٍ (( فهو لأدنى ) )بدال ونون، وهو بمعنى الأقرب.
قال الخطَّابي المعنى أقرب رجلٍ من العصبة، وقال ابن بطَّال المراد بأدنى رجلٍ أنَّ الرِّجال من العصبة بعد أهل الفروض إذا كان فيهم من هو أقرب إلى الميِّت استحقَّ دون من هو أبعد، فإن استووا اشتركوا، قال ولم يقصد في هذا الحديث من يُدلي بالآباء والأمَّهات مثلًا؛ لأنَّه ليس فيهم من هو أولى من غيره إذا استووا في المنزلة، ولا يجوز أن يُقال أولى، وهم سواءٌ فلم يرد البنين بهذا الحديث، وإنَّما أراد غيرهم.
وقال ابن التِّين إنَّما المراد به العمَّة مع العمِّ، وبنت الأخ مع ابن الأخ، وبنت العمِّ مع ابن العمِّ، وخرج من ذلك الأخ والأخت لأبوين أو لأبٍ، فإنَّهم يرثون بنصِّ القرآن، وهو قوله تعالى {وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} [النساء 176] . ويستثنى من ذلك من يُحجب كالأخ لأبٍ مع البنت والأخت الشَّقيقة، وكذا يخرج الأخ والأخت لأمٍّ بقوله تعالى {فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ} [النساء 12] ، وقد نُقل الإجماع على أنَّ المراد بها الإخوة من الأمِّ.
ثمَّ إنَّ قوله (( رجل ذكر ) )هكذا في جميع الرِّوايات، ووقع في كتب الفقهاء كصاحب «النِّهاية» وتلميذه (( فلأولى عصبة ذكر ) )، قال ابن الجوزي
ج 28 ص 238
والمنذري هذه اللَّفظة ليست بمحفوظةٍ.
وقال ابن الصَّلاح فيها بعدٌ عن الصِّحة من حيث اللغة فضلًا عن الرِّواية، فإنَّ العصبة في اللغة اسمٌ للجمع لا للواحد، كذا قال.
وقال الحافظ العسقلانيُّ «والَّذي يظهر أنَّه جنسٌ، ويدلُّ عليه ما وقع في بعض طرقِ حديث أبي هريرة رضي الله عنه الَّذي في الباب قبله [خ¦6731] فليرثه عصبته من كانوا» ، قال ابنُ دقيق العيد قد استشكل بأنَّ الأخوات عصبات البنات، والحديث يقتضِي اشتراط الذُّكورة في العصبة المستحقَّة للباقي بعد الفروض.
والجواب أنَّه من طريق المفهوم، وقد اختُلف هل له [عموم وعلى التنزل فيختص] بالخبر الدَّال على أنَّ الأخوات عصبات البنات، وقد استشكل التَّعبير بذكر بعد التَّعبير برجلٍ مع أنَّ الرَّجل لا يكون إلَّا ذكرًا، فقال الخطَّابي إنَّما ذكر ليُعلم أنَّ العصبة إذا كان عمًّا أو ابن عمٍّ مثلًا، وكان معه أختٌ له أنَّ الأخت لا ترث، ولا يكون المال بينهما للذَّكر مثل حظِّ الأُنثيين.
ورُدَّ بأنَّه ظاهرٌ من التَّعبير بقوله «رجلٍ» ، والإشكال باقٍ إلَّا أنَّ كلامه ينحل إلى أنَّه للتَّأكيد، وبه جزم غيره كابن التِّين، قال ومثله قوله ابن لبون، ذكر وزيفه القرطبيُّ فقال قيل إنَّه للتَّأكيد، ورُدَّ بأنَّ العرب إنَّما تؤكد حيث يفيد فائدة، إمَّا تعيين المعنى في النَّفس، وإمَّا دفع توهُّم المجاز، وليس ذلك موجودًا هنا.
وقال غيره هذا التَّأكيد لمتعلَّق الحكم، وهو الذكورة؛ لأنَّ الرَّجل قد يُراد به معنى النَّجدة والقوَّة في الأمر، فقد حكى سيبويه مررتُ برجلٍ رجلٌ أبوه، فلذا احتاج الكلام إلى زيادة التَّوكيد بذّكرٍ حتَّى لا يُظنَّ أنَّ المراد به خصوصُ البالغ. وقيل خشية أن يظنَّ بلفظ «رجل» الشَّخصَ، وهو أعمُّ من الذَّكر والأنثى، وقال ابن العربي في قوله «ذكر» الإحاطة بالميراث إنَّما يكون للذَّكر دون الأنثى، ولا يرد قول من قال إنَّ البنت تأخذُ جميع المال؛ لأنَّها إنَّما تأخذُهُ بشيئين متغايرين والإحاطة مختصَّةٌ بالنَّسب [1] ،
ج 28 ص 239
وليس إلَّا الذَّكر، فلهذا نبَّه عليه بالذِّكر، قال وهذا لا يتفطَّن له كلُّ مدعٍ.
وقيل إنَّه احترازٌ عن الخنثى في الموضعين، فلا تُؤخذ الخنثى في الزَّكاة، ولا يحوز الخنثى المال إذا انفرد، وتعقِّب بأنَّه لا يخرج عن كونه ذكرًا أو أنثى، وقيل للاعتبار بالجنس، وقيل للإشارة إلى الكمال في ذلك كما يُقال امرأة أنثى، وقيل لنفي توهُّم اشتراك الأنثى معه؛ لئلَّا يُحمل على التَّغليب. وقيل للتَّنبيه على أنَّ الرُّجولية ليست هي المعتبرة، بل مطلق الذُّكورة حتَّى يدخل الصَّغير، قاله في «أساس البلاغة» ، وقيل للتَّنبيه على سبب الاستحقاق بالعصوبة، وسبب التَّرجيح في الإرث، ولهذا جُعل للذَّكر مثل حظِّ الأنثيين، وذلك لأنَّ الرِّجال تلحقهم المؤن كالقيام بالعيال والصِّغار [2] وإرفاد القاصدينومواساة السَّائلين وتحمُّل الغرامات وغير ذلك، هكذا قال النَّووي.
وسبقه القاضي عِياض فقال قيل هو على معنى اختصاص الرِّجال بالتَّعصيب بالذُّكورية الَّتي بها القيام على الإناث، وأصله للمازريِّ فإنَّه قال بعد أن ذكر استشكال ما ورد في هذا وهو رجلٌ، وفي الزَّكاة ابن لبون.
قال والَّذي يظهر أنَّ قاعدة الشَّرع في الزَّكاة الانتقال من سنٍّ إلى سنٍّ أعلى منها، ومن عدد إلى عددٍ أكثر منه، وقد جُعل في خمسةٍ وعشرين بنت مخاض سنًّا أعلى منها، وهو ابن لبونٍ، فقد يُتخيَّل أنَّه على خلاف القاعدة، وأنَّ الشَّيئين كالشَّيء الواحد؛ لأنَّ ابن اللَّبون أعلى سنًّا، لكنَّه أولى قدرًا إلَّا أنَّ الذُّكورية تبخسه، حتَّى يصيرَ مساويًا لبنت مخاضٍ مع كونها أصغر منه.
وأمَّا في الفرائض؛ فلمَّا عُلِم أنَّ الرِّجال هم العالمون بالأمور، وفيهم معنى التَّعصيبيَّة، وترى لهم العرب ما لا ترى للنِّساء، فعبَّر بلفظ «ذكر» إشارة إلى العلَّة الَّتي لأجلها اختصَّ بذلك فيهما، وإن اشتركا في أنَّ السَّبب في تعقيب كلٍّ منهما التَّنبيه على ذلك، لكن متعلَّق التَّنبيه فيهما مختلفٌ، فإنَّه في ابن اللبون إشارة إلى النَّقص، وفي الرَّجل إشارة إلى الفضل، وهذا قد لخَّصه القرطبيُّ وارتضاه.
وأنت خبيرٌ بأنَّ ما ذكر من الوجوه كلِّها محلُّ نظرٍ لا يخفى على من تأمَّل.
ج 28 ص 240
ونقل الكرمانيُّ عن السُّهيلي (( ذكر ) )صفة (( لأولى رجلٍ ) )لا لرجلٍ، والأولى بمعنى القريب الأقرب، فكأنَّه قال فهو لقريب الميت ذكر من جهة رجلٍ وصلب، لا من جهة بطنٍ ورحم، فالأولى من حيث المعنى مضاف إلى الميِّت، وأشير بذكر الرَّجل إلى الأولويَّة.
فأفيدَ بذلك نفي الميراث عن الأولى الَّذي من جهة الأمِّ كالخال، وبقوله «ذكر» نفيه عن النِّساء بالعصوبة، وإن كنَّ من المدلين للميِّت من جهة الصُّلب.
قال ولو جعلناه صفة لرجلٍ يلزم اللَّغو، وأن لا يبقى معه حكم الطِّفل الرَّضيع، إذ لا يقال الرَّجل في العُرْف إلَّا للبالغ، وقد علم أنَّه يرث، ولو ابن ساعةٍ، وأن لا تحصل التَّفرقة بين قرابة الأب وقرابة الأمِّ، انتهى.
قيل ويحتمل أن يكون المراد بالرَّجل الميت؛ لأنَّ الغالب في الأحكام أن يذكرَ الرِّجال، ويدخل النِّساء بالتَّبعية، وقال النَّووي أجمعوا على أنَّ الَّذي يبقى بعد الفروض للعصبة يقدَّم الأقرب فالأقرب، فلا يرث عاصبٌ مع عاصبٍ قريب، والعصبة كلُّ ذكرٍ يدلي بنفسهِ بالقرابة ليس بينه وبين الميِّت ابن، فمتى انفردَ أخذَ جميع المال، وإذا كان مع ذوي فروضٍ غير مستغرقين أخذَ ما بقي، وإن كان مع مستغرقين، فلا شيءَ له.
قال القرطبيُّ وأمَّا تسمية الفقهاء الأخت مع البنت عصبةً، فعلى سبيل التَّجوز؛ لأنَّها لمَّا كانت في هذه المسألة تأخذ ما فضلَ عن البنت أشبهت العصبة.
وقال الطَّحاوي استدلَّ قومٌ يعني ابن عبَّاس رضي الله عنهما، ومن تبعه على أنَّ من خلَّف بنتًا وأخًا شقيقًا وأختًا شقيقة كان لابنته النِّصف، وما بقي لأخيهِ ولا شيءَ لأخته، ولو كانت شقيقةً، واطَّردوا ذلك فيما إذا كان مع الأخت الشَّقيقة عصبة، فقالوا لا شيءَ لها مع البنت، بل الذي يبقى بعد البنت للعصبة ولو بَعُدوا.
واحتجُّوا أيضًا بقوله تعالى {إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ} [النساء 176] قالوا فمن أعطى الأخت مع البنت خالف ظاهر القرآن، قال
ج 28 ص 241
واستُدلَّ عليهم بالاتِّفاق على أنَّ من ترك بنتًا وابن ابنٍ وبنت ابنٍ متساويين أنَّ للبنت النِّصف، وما بقيَ بين ابن الابن وبنت الابن، ولم يخصُّوا ابن الابن بما بقيَ؛ لكونه ذكرًا، بل ورَّثوا معه شقيقته.
قال فعُلم بذلك أنَّ حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما ليس على عمومه، بل هو في شيءٍ خاصٍّ، وهو إذا ترك بنتًا وعمًّا وعمةً، فإنَّ للبنت النِّصف، وما بقي للعمِّ دون العمة إجماعًا.
قال فاقتضى النَّظر ترجيح إلحاق الأخت مع الأخ بالابن والبنت لا بالعمِّ والعمَّة؛ لأنَّ الميِّت لو لم يترك إلَّا أخًا وأختًا شقيقين، فالمال بينهما، فكذلك لو ترك ابن ابنٍ وبنت ابن، بخلاف ما لو ترك عمًّا وعمَّة، فإنَّ المال كلَّه للعم دون العمَّة باتِّفاقهم.
قال وأمَّا الجواب عمَّا احتجُّوا به من الآية، فهو أنَّهم أجمعوا على أنَّ الميِّت لو ترك بنتًا وأخًا لأبٍ كان للبنت النِّصف، وما بقي للأخ، وأنَّ معنى قوله تعالى {لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ} إنَّما هو ولدٌ يحوز المال كلَّه، لا الولد الذي لا يحوزه، وترتيب العصبات مذكورٌ في موضعه.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة من حيث إنَّه يدخل فيه ميراث الابن، وقد أخرجه مسلمٌ في الفرائض أيضًا، وكذا أبو داود والتِّرمذي فيه، وأخرجه النَّسائي فيه أيضًا. وقيل تفرَّد بوصله وهيب، ورواه الثَّوري عن ابن طاوس، ولم يذكر ابن عبَّاس، بل أرسله أخرجه النَّسائي والطَّحاوي، وأشار النَّسائي إلى ترجيح الإرسال، ورجِّح عند صاحبي «الصَّحيحين» الموصول؛ لمتابعة روح بن القاسم وهيبًا عندهما، ويحيى بن أيُّوب عند مسلمٍ، وزياد بن سعدٍ وصالح عند الدَّارقطني.
واختُلف على معمر؛ فرواه عبد الرَّزاق عنه موصولًا أخرجه مسلم وأبو داود والتِّرمذي وابن ماجه، ورواه عبد الله بن المبارك عن مَعمر والثَّوري جميعًا مرسلًا أخرجه الطَّحاوي، وإذا تعارض الوصل والإرسال، ولم يُرجَّح أحد الطَّرفين قُدِّم الوصل، والثَّوري، وإن كان أحفظ منهم، لكنَّ العدد الكثير يقاومه، والله تعالى أعلم.
ج 28 ص 242
[1] في فتح الباري بالسبب
[2] في هامش الأصل أي الضيفان.