فهرس الكتاب

الصفحة 100 من 11127

54 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) ؛ بفتح الميمين واللام وهو القعنبي، روى عنه الشيوخ الخمسة، قال مالك إنه خير أهل الأرض، ومر في باب «من الدِّين الفرار من الفتن» [خ¦19] .

(قَالَ أَخْبَرَنَا) ؛ وفي رواية ، (مَالِكٌ) ؛ هو إمام الأئمة، (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الأنصاري، (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) بن الحارث التيمي (عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ) الليثي (عَنْ عُمَرَ) بن الخطاب رضي الله عنه.

(أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ) هكذا ورد في هذه الرواية بدون إنما، وإفراد النية، والتقدير (إن كل عمل كامل مثاب عليه بالنية أو معتبر صحيح بها، والأَوَّل أَوْلى؛ لأنه ينطبق على المذاهب الأربعة وهو الذي يطَّرِد، فإن كثيرًا من الأعمال تصح وتعتبر شرعًا بدونها، وإنه يلزم من انتفاء الصحة انتفاء الثواب دون العكس، وقد سبق تفصيله فيما سبق) .

(وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى) أي الذي نواه إذا كان المحل قابلًا، وأما إذا لم يكن المحل قابلًا كمن صام رمضان بنية القضاء أو النذر أو النفل ليس له ما نوى إذ لا يقع قضاء ولا نذرًا ولا نفلًا، بل يقع من فرض رمضان؛ لعدم قابلية المحل، وذكر هذه الجملة تأكيدًا للأُولى؛ تنبيهًا على شرف الإخلاص وتحذيرًا من الرياء المانع من الإخلاص.

(فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ) ؛ منتهية، (إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ) نية وقصدًا (فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ) حكمًا وشرعًا، كذا ذكره ابن دقيق العيد، فلا يرد أن الشرط والجزاء متحدان،

ج 1 ص 392

وتأوَّله بعضهم على إرادة المعهود المستقر في النفس، ويكون ذلك للتعظيم، وقد يكون للتحقير. فمن الأول قوله تعالى {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ} [الواقعة 10] ، وقوله صلى الله عليه وسلم (( فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ) ). ومن الثاني قوله عليه السلام (وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا) وفي رواية (يُصِيبُهَا) ؛ أي يُحصِّلها ويجدها وهو في موضع جر على أنها صفة لدنيا (أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ) ؛ أي إلى ما ذكر من الدنيا، أو المرأة ولا نصيب له في الآخرة، قيل وأما من قصد بهجرته مفارقة دار الكفر، وتزويج المرأة معًا فإنه يثاب على قصده الهجرة، لكن دون ثواب من أخلص، وذكر المرأة بعد ذكر الدنيا تخصيص بعد التعميم؛ لأنها وإن كانت نكرة لا تعم في الإثبات لكنها في سياق الشرط فتعم على ما قيل، وإنما خصت بعد دخولها في الدنيا؛ للاهتمام ونكتة الاهتمام هي الزيادة في التحذير؛ لأن الافتتان بها أشد، على أن للمرأة دور في ورود هذا الحديث كما سيأتي عن قريب [1] .

وإنما وقع الذّم هنا على مباح ولا ذم فيه ولا مدح؛ لأن فاعله أبطن خلاف ما أظهر إذ خروجه في الظاهر ليس لطلب الدنيا بل لطلب فضيلة الهجرة، وسائر نكت هذا الحديث قد ذكرت في أول الكتاب [خ¦1] فلا نعيدها.

لكن نذكر سبب ورود هذا الحديث وإن هو قد سبق أيضًا وهو ما رواه الطبراني في (( المعجم الكبير ) )بإسناد رجاله ثقات من رواية الأعمش عن أبي وائل، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال «كان فينا رجل خطب امرأة يقال لها أم قيس فأبت أن تتزوجه حتى يهاجر فهاجر فتزوجها قال فكنا نسميه مهاجر أم قيس» ، وذكر أبو الخطاب ابن دحية أن اسم المرأة قَيْلة، وأما الرجل فلم يسمه أحد ممن صنف في الصحابة فيما رأيناه، وذِكْرُ الدنيا معها من باب زيادة النص على السبب كما أنه لما سئل عن طهورية ماء البحر زاد «حل ميتته» ، ويحتمل أن يكون هو هاجر لمالها مع نكاحها، ويحتمل أنه هاجر لنكاحها وغيره لتحصيل دنيا من جهة ما، فعرَّض النبي صلى الله عليه وسلم بهما.

فائدة قال التيمي النية أبلغ من العمل، ولهذا تقبل النية بغير عمل، فإذا نوى حسنة فإنه يُجزى عليها وإن لم يعمل، ولو عمل حسنة بغير نية لم يجزى عليها؛ فإن قيل قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (( من هم بحسنة ولم يعملها كتبت له واحدة، ومن عملها كتبت له عشرًا ) )، وروي أيضًا أنه قال (( نية المؤمن خير من عمله ) )، فالنية في الحديث الأول دون العمل، وفي الثاني فوق العمل وخير منه؟. فالجواب أن الحديث الأول يدل على أن الهَامَّ،

ج 1 ص 393

بالحسنة إذا لم يعملها كان مُقصِّرًا بخلاف العامل بعد الهَمِّ، فاقتضى تقصيره الاقتصار وعمله الأضعاف، وأما الحديث الثاني فمعناه أن تخليد الله العبد في الجنة ليس لعمله وإنما هو لنيته؛ لأنه لو كان لعمله لكان خلوده فيها بعد مدة عمله أو أضعافه إلا أنه جازاه بنيته؛ لأنه كان ناويًا أن يطيع الله تعالى أبدًا لو بقي أبدًا، فلما اخترمته منيته دون نيته جازاه عليها، وكذا الكافر؛ لأنه لو كان يجازى بعمله لم يستحق التخليد في النار إلا بقدر مدة كفره غير أنه نوى أن يقيم على كفره أبدًا لو بقي فجزاه على نيته.

وقيل معناه أن الخير الذي هو النية خير من الخير الذي هو العمل؛ لاستحالة دخول الرياء فيها، أو أن النية فعل القلب وفعل الأشرف أشرف، أو أن المقصود من الطاعات تنوير القلب، وتنوير القلب بها أكثر لأنها صفته، أو أن نية المؤمن خير من عمل الكافر إذ ورد ذلك حين نوى مسلم بناء قنطرة فسبق إليها كافر فتأمل.

هذا حكم النية في الحسنة، وأما حكمها في السيئة فالمشهور أنه لا يعاقب عليها بمجرد النية، واستدلوا عليها بقوله تعالى {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} [البقرة 286] فإن اللام للخير والنفع فجيء فيها بالكسب الذي لا يحتاج إلى تصرف وزيادة تعمل، بخلاف «على» فإنها لما كانت للشر والضر جيء فيها بالاكتساب الذي لابد فيه من تصرف وزيادة تعمل، ولكن الحق أن السيئة أيضًا يعاقب بالتعميم عليها لكن لا على الفعل، حتى لو عزم أحد على ترك صلاة بعد عشرين سنة يأثم في الحال ويعاقب على العزم لا على ترك الصلاة، فالفرق بين الحسنة والسيئة أن بنية الحسنة يثاب الناوي على الحسنة، وبنية السيئة لا يعاقب عليها بل على نيتها، وقد روى أبو يَعلى في (( مسنده ) )عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (( يقول الله تعالى للحفظة يوم القيامة اكتبوا لعبدي كذا وكذا من الأجر، فيقولون ربنا لم نحفظ ذلك عنه ولا هو في صحفنا فيقول إنه نواه ) )، والحمد لله رب العالمين.

[1] قوله (( على أن للمرأة دور في ورود هذا الحديث كما سيأتي عن قريب ) )ليس في (خ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت