625 - (حدثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ) بفتح الموحدة وتشديد المعجمة، وقد مرَّ غير مرة (قَالَ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) بضم الغين المعجمة، لقبُ محمدِ بن جعفر ابن امرأة شعبة (قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) هو ابن الحجَّاج (قَالَ سَمِعْتُ عَمْرَو بنَ عَامِرٍ) بفتح العين فيهما (الأَنْصَارِيَّ) وقد مرَّ في باب «الوضوء من غير حدث» [خ¦214] (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) رضي الله عنه.
ورجالُ هذا الإسناد ما بين واسطي وكوفيٍّ وبصري.
وقد أخرج متنه المؤلِّف في «الصلاة» أيضًا [خ¦503] ، وكذا النسائي.
(قَالَ كَانَ الْمُؤَذِّنُ إِذَا أَذَّنَ) أي للمغرب، وفي رواية الإسماعيلي (( إذا أخذَ المؤذِّن في أذان المغرب ) ) (قَامَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) وفي رواية النسائي (( قام كبار أصحابِ رسول الله صلى الله عليه وسلم ) )، وكذا تقدَّم للمؤلِّف في أبواب «السُّترة» [خ¦503] .
(يَبْتَدِرُونَ) أي يتسارعون ويستبقون (السَّوَارِيَ) جمعُ سارية، وهي الأسطوانةُ، وكأنَّ غرضهم بالاستباق إليها الاستتار بها ممَّن يمرُّ بين أيديهم؛ لكونهم يصلُّون فُرَادى.
(حَتَّى يَخْرُجَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم) من بين أيديهم (وَهُمْ كَذَلِكَ) أي مبتدرون ينتظرون الخروج (يُصَلُّونَ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ) ، وزاد مسلم من طريق عبد العزيز بن صهيب عن أنس رضي الله عنه
ج 4 ص 65
(( فيجيءُ الغريب فيحسب أنَّ الصلاة قد صُلِّيت من كثرة من يصلِّيها ) ).
قال أنس رضي الله عنه (وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ شَيْءٌ) أي زمان أو صلاة. قيل إنَّ بين هذا الأثر وكلام الرسول صلى الله عليه وسلم (( بين كلِّ أذانين صلاة ) )منافاة؛ لأنه نافٍ وكلامُ الرسول صلى الله عليه وسلم مُثبت.
أقول بل يُتوهَّم التَّنافي بين سابق الكلام ولاحقهِ في أثر أنس رضي الله عنه. وقال ابن المُنَيِّر يجمع بينهما بحمل النفي المطلق على المبالغة مجازًا، والإثبات القليل على الحقيقة.
وقال الكرماني وجه الجمع بينهما أنَّ هذا خاصٌّ بأذان المغرب، وذاك عامٌّ، والخاص إذا عارض العام يخصِّصه عند الشافعية سواء عُلِمَ تأخُّره أو لا، فالمراد بقوله (( كل أذانين ) )غير أذاني المغرب.
وقيل التَّنوين فيه للتَّكثير والتَّعظيم، ونفي الكثير لا يستلزم نفي القليل. ويؤيد ذلك ما رواه الإسماعيليُّ من حديث شعبة (( وكان بين الأذان والإقامة قريب ) ). ويدلُّ عليه أيضًا ما رواه عثمان بن جبلة وأبو داود عن شعبة (( ولم يكن بينهما إلَّا قليل ) )كما سيأتي [في آخر شرح هذا الحديث] . وقيل حديث الباب على ظاهره. وقوله «ولم يكن بينهما شيء» يدلُّ على أن عموم قوله (( بين كلِّ أذانين صلاة ) )مخصوص بالمغرب، فإنهم لم يكونوا يصلُّون بينهما، بل كانوا يشرعون في الصلاة في أثناء الأذان، ويفرغون مع فراغه. ويؤيِّد ذلك حديث بُريدة المذكور عن قريبٍ [1] ، فإنَّ فيه استثناء المغرب.
هذا ولكن في قوله «ويفرغون مع فراغه» ، نظر؛ لأنه ليس في الحديث ما يدلُّ عليه، ولا يلزم من شروعهم في أثناء الأذان فراغهم مع فراغه. وأنت خبيرٌ بأنه إذا كان المراد من الأذانين في قوله صلى الله عليه وسلم (( الأذانين ) )للصَّلاتين لم يَحْتَجْ إلى شيءٍ من هذه التوجيهات.
وقال القرطبي وغيره ظاهر حديث أنس أنَّ الركعتين بعد الغروب وقبل صلاة المغرب كان أمرًا عملوه، وكانوا يستبقون إليه. وهذا يدلُّ على الاستحباب، وكان أصله قوله صلى الله عليه وسلم (( بين كلِّ أذانين صلاة ) ).
وأمَّا كونه صلى الله عليه وسلم لم يُصلِّهما، فلا ينفي الاستحباب، بل يدلُّ على أنهما ليسا من الرَّواتب، وإلى استحبابهما ذهب أحمد وإسحاق وأصحاب الحديث.
وروي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال ما رأيتُ أحدًا يصليهما على عهد النَّبي صلى الله عليه وسلم، وعن الخلفاء الراشدين وجماعة من الصَّحابة أنهم كانوا لا يصلُّونهما.
وقال أبو بكر ابن العربي اختلفت الصَّحابة فيه، ولم يفعله أحدٌ بعد الصَّحابة رضي الله عنهم، وقال النَّخعي إنَّهما بدعةٌ.
وادَّعى
ج 4 ص 66
بعض المالكيَّة نسخها، فقال إنما كان ذلك في أوَّل الأمر حيث نَهَى عن الصَّلاة بعد العصر حتى تغربَ الشَّمس، فبيَّن لهم بذلك وقت الجواز، ثمَّ نَدَبَ إلى المبادرةِ إلى المغرب في أوَّل وقتها، فلو استمرَّت المواظبة على الاشتغال بغيرها؛ لكان ذلك ذريعة إلى مخالفةِ إدراك أوَّل وقتها.
وتعقِّب بأنَّ دعوى النسخ لا دليلَ عليها، وأمَّا المنقول عن ابن عمر رضي الله عنهما؛ فرواية أنس المثبِتة مقدَّمة على نفيه، وأمَّا المنقول عن الخلفاء الأربعة لو ثبت لم يكن فيه دليلٌ على النسخ، ولا الكراهة.
وسيأتي في أبواب «التَّطوع» [خ¦1184] أنَّ عقبة بن عامر رضي الله عنه سئل عن الركعتين قبل المغرب، فقال كنَّا نفعلهما على عهد النَّبي صلى الله عليه وسلم، قيل له فما يمنعك الآن؟ قال الشُّغل، فلعلَّ غيره أيضًا منعه الشُّغل.
وقد روى محمد بن نصر وغيره من طرق قويَّة عن عبد الرَّحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقَّاص، وأبي بن كعب، وأُبيِّ الدَّرداء، وأبي موسى، وغيرهم رضي الله عنهم أنهم كانوا يواظبون عليهما.
وأمَّا قول ابن العربي اختلف فيه الصَّحابة، ولم يفعلْه أحدٌ بعدهم؛ فمردودٌ بقول محمد بن نصر وقد روينا عن جماعة من الصَّحابة والتابعين أنهم كانوا يصلون الركعتين قبل المغرب. ثمَّ أخرج ذلك بأسانيد متعدِّدة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وعبد الله بن بُريدة، ويحيى بن عقيل، والأعرج، وعامر بن عبد الله بن الزُّبير، وعراك بن مالك.
ومن طريق الحسن البصري أنه سُئل عنهما فقال حسنتين والله، لمن أراد الله بهما. وعن سعيد بن المسيَّب أنَّه كان يقول حق على كلِّ مؤمن إذا أذَّن المؤذن أن يركعَ ركعتين. وعن مالك قولٌ آخر باستحبابهما، وعند الشَّافعية وجه آخر رجَّحه النَّووي ومن تبعه.
وقال في «شرح مسلم» قول من قال إنَّ فعلهما يؤدِّي إلى تأخير المغرب عن أوَّل وقتها خيال فاسد منابِذٌ للسنَّة، ومع ذلك فزمنهما زمن يسير لا يتأخَّر به الصلاة عن أوَّل وقتها. انتهى، فليتأمل بذكر ما سبق في شرح الحديث السابق على الأثر.
وقال الحافظ العسقلاني ومجموع الأدلَّة يرشد إلى استحباب تخفيفهما، كما في ركعتي الفجر.
ومطابقة هذا الأثر للترجمة من جهة الإشارة إلى أنَّ الصحابة إذا كانوا يبتدرون إلى الركعتين قبل صلاة المغرب مع قصر وقتها، فالمبادرة إلى التَّنفل قبل غيرها من الصَّلوات من باب الأولى، ولا يتقيد بركعتين إلَّا ما ضاهى المغرب في قصر الوقت كالصبح.
(قَالَ) وفي رواية (عُثْمَانُ بْنُ جَبَلَةَ)
ج 4 ص 67
بفتح الجيم والباء الموحدة، ابن أبي رَوَّاد، وهو ابن أخي عبد العزيز بن أبي روَّاد، واسم أبي رَوَّاد ميمون الأزدي مولاهم البصري (وَأَبُو دَاوُدَ) سليمان بن داود الطَّيالسي الفارسي، ثم البصري الحافظ المكثر، مات سنة أربع ومائتين، وهو من أفراد مسلم. ويقال أبو داود هذا هو عمر بن سعيد الخفري الكوفي، وخَفَر _ بالفاء _ موضع بالكوفة، وهو أيضًا من أفراد مسلم.
(عَنْ شُعْبَةَ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا) أي بين الأذان والإقامة للمغرب (إِلاَّ قَلِيلٌ) وفيه تقييد للإطلاق السابق في قوله (( ولم يكن بين الأذان والإقامة شيء ) )، والظَّاهر أنَّ هذا تعليق من البخاري؛ لأنه كان ابن عشرة سنة عند وفاة الطَّيالسي.
قال الحافظ العسقلاني لم تتصل لنا رواية عثمان بن جبلة إلى الآن. وزعم مُغَلْطاي ومن تبعه أنَّ الإسماعيلي وصلها في «مستخرجه» . وليس كذلك؛ فإن الإسماعيلي إنما أخرجه من طريق عثمان بن عمر، وكذلك لم تتصل لنا رواية أبي داود الطَّيالسي، وقد وقع لنا مقصود روايتهما من طريق عثمان بن عمر وأبي عامر. انتهى.
ثمَّ فذلكة ما فصَّل أولًا أنهم اختلفوا في الصلاة قبل المغرب، فاختاره أحمد بن حنبل. وللشافعية وجهان أشهرهما أنه لا يستحب، وهو مذهب مالك وأصحهما أنَّه يستحبُّ.
وقالت الحنفيَّة يفصل بين أذاني المغرب بسكتة، وهي قدر ثلاث خطوات عند أبي حنيفة رحمه الله، وجلسة خفيفة كالتي بين الخطبتين عندهما رحمهما الله.
وقال النخعي استحبابهما يؤدِّي إلى تأخير المغرب عن أوَّل وقتها فهو بدعة. والشيء إذا دار بين كونه سنة وبدعة، فالأولى تركه، والله أعلم.
[1] في شرح الحديث [خ¦624] .