6780 - (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) بضم الموحَّدة، وهو عبدُ الله بن بكيرٍ المخزومي المصري، قال
ج 28 ص 340
(حَدَّثَنِي) بالإفراد (اللَّيْثُ) أي ابن سعدٍ الإمام، قال (حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ) من الزِّيادة البجلي الفقيه (عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلاَلٍ) بكسر العين، اللَّيثي المدني (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ) مولى عمر بن الخطَّاب (عَنْ أَبِيهِ) أسلم الحبشي، مولى عمر رضي الله عنه، وكان من سَبْيِ عَيْنِ التَّمْرِ ابتاعه عمر رضي الله عنه بمكَّة سنة إحدى عشرة؛ لمَّا بعثه أبو بكر رضي الله عنه ليُقِيْمَ للنَّاسِ الحَجَّ.
(عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ) رضي الله عنه (أَنَّ رَجُلًا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أي في زمنه (كَانَ اسْمُهُ عَبْدَ اللَّهِ، وَكَانَ يُلَقَّبُ حِمَارًا) ذكر الواقدي في غزوة خيبر من «مغازيه» عن عبد الله بن جعفر، عن أبيه قال «ووجد في حصن الصَّعب بن معاذٍ، فذكر ما وجد فيه من الثِّياب وغيرها» إلى أن قال «وزقاق خمر فأريقت، وشرب يومئذٍ من تلك الخمر رجلٌ يقال له عبد الله الحمار» ، وهو باسم الحيوان المشهور، وقد وقع في حديث الباب أنَّ الأوَّلَ اسمُه، والثَّانيَ لقبُه.
وجوَّز ابن عبد البرِّ أنَّه ابن النُّعيمان المبهم في حديث عقبة بن الحارث، فقال في ترجمة النُّعيمان كان رجلًا صالحًا، وكان له ابنٌ انهمك في الشُّرب، فجلده النَّبي صلى الله عليه وسلم، فعلى هذا يكون كلٌّ من النُّعيمان، وولد عبد الله جلد في الشُّرب.
وقوَّى هذا عنده بما أخرجه الزُّبير بن بكار في «الفكاهة» من حديث محمَّد بن عمرو بن حزم قال كان بالمدينة رجلٌ يصيب الشَّراب، فكان يؤتى به النَّبي صلى الله عليه وسلم فيضربه بنعله، ويأمر بالصَّحابة رضي الله عنهم فيضربونه بنعالهم، ويحثون عليه التُّراب، فلمَّا كثر ذلك منه قال له رجلٌ لعنك الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( لا تفعل، فإنَّه يحبُّ الله ورسوله ) ).
وحديث عقبة اخْتَلَفَ ألفاظُ ناقليه، هل الشَّارب النُّعيمان أو ابن النُّعيمان، والرَّاجح فيه النُّعيمان فهو غير المذكور هنا؛ لأنَّ قصَّة عبد الله كانت في خيبر، فهي سابقةٌ على قصَّة النُّعيمان، فإنَّ عقبة بن الحارث من مسلمة الفتح، والفتحُ كان بعد خيبر بنحوٍ من عشرين شهرًا.
والأشبه أنَّ المذكورَ في حديث عبد الرَّحمن بن أزهر أنَّه أُتِيَ به والنَّبيُّ صلى الله عليه وسلم
ج 28 ص 341
عِنْدَ رَحْلِ خالدِ بنِ الوليد، ويحتمل الجمع بأنَّه أطلق على رَحْلِ خالد بن الوليد بَيْتًا، فكأنَّه كان بيتًا من شعر، فتذكر.
(وَكَانَ يُضْحِكُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بضم الياء، من الإضحاك؛ أي يقول بحضرته، أو يفعل ما يُضْحِكُ به، وقد أخرج أبو يعلى من طريق هشام بن سعدٍ، عن زيد بن أسلم بسند الباب أنَّ رجلًا كان يُلَقَّبُ حِمارًا، وكان يهدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم العكة من السَّمن والعسل، فإذا جاء صاحبه يتقاضاه جاء به إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم فقال أعط هذا متاعَه فما يزيد النَّبي صلى الله عليه وسلم على أنَّه يَتَبَسَّم، ويَأْمُرُ به فيُعْطَى.
وفي حديث محمَّد بن عَمرو بن حزم بعد قوله (( يحبُّ الله ورسوله ) ) (( وكان لا يدخلُ المدينةَ طَرْفَةٌ إلَّا اشترى منها ) )ثمَّ جاء فقال يا رسول الله، هذا أهديته لك، فإذا جاء صاحبه يطلبُ ثَمَنَه جاءَ به، فقال (( أَعْطِ هذا الثَّمن ) )فيقول ألم تهده لي، فيقول ليس عندي، فيضحك، ويأمر لصاحبه بثمنه، قال وقد وقع نحو هذا للنُّعيمان فيما ذكره الزُّبير بن بكَّار في كتاب «الفكاهة والمزاح» .
(وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ جَلَدَهُ فِي الشَّرَابِ) أي بسبب شربه الشَّراب المسكر، وكان فيه مضمر؛ أي كان قد جلده (فَأُتِيَ) بضم الهمزة (بِهِ يَوْمًا) وقد شرب المسكر، وكان في غزوة خيبر كما قاله الواقديُّ (فَأَمَرَ) صلى الله عليه وسلم (بِهِ فَجُلِدَ) وفي رواية الواقدي (( فأمر به فخُفِقَ بالنِّعال ) )وعلى هذا فقوله (( فجُلِدَ ) )أي ضُرِبَ ضَرْبًا أصاب جلده.
ووقع في رواية مَعمر عن زيد بن أسلم بسنده هذا عند عبد الرَّزاق أُتِيَ برجلٍ قد شَرِبَ الخمر فحُدَّ، ثمَّ أُتِيَ به فحدَّ، ثمَّ أُتِيَ به فحُدَّ، ثمَّ أُتِيَ به فحُدَّ أربع مرَّاتٍ، فأتي به يومًا فذكر سفيان اليوم الَّذي أُتِيَ به فيه، والشَّراب الَّذي شربه عند الواقدي، ووقع في رواية وكان قد أُتي به في الخمر مرارًا.
(فَقَالَ) وفي رواية أبي ذرٍّ (رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ) وعند الواقدي فقال عمر رضي الله عنه (اللَّهُمَّ الْعَنْهُ، ما أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ) بضم التحتية وفتح الفوقية وما مصدرية؛
ج 28 ص 342
أي ما أكثر إتيانه، وللواقدي (( ما أكثر ما يُضْرَبُ ) )، وفي رواية معمر (( ما أكثر ما يشرب، وما أكثر ما يُجْلَدُ ) ).
(فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ تَلْعَنُوهُ) وفي رواية الواقدي (( لا تفعل يا عمر ) ) (فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ) أي الَّذي علمت (أَنَّهُ) بفتح همزة أن، واسمها وخبرها قوله (يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) وأن مع اسمها وخبرها سدَّ مسدَّ مفعولي (( علمت ) )؛ لكونه مشتملًا على المنسوب والمنسوب إليه، والضَّمير في أنَّه يعود إلى الموصول والموصول، مع صلته خبرُ مبتدأ محذوف، تقديره هو الَّذي علمت، والجملة جواب القسم، كذا قال المظهريُّ في «شرح المصابيح» قال الطِّيبي وفيه تعسُّفٌ، وقال صاحب «المطالع» ما موصولة، وإنَّه بكسر الهمزة مبتدأ، وقيل بفتحها، وهو مفعول علمت.
قال الطِّيبي فعلى هذا (( علمت ) )بمعنى عرفت، و (( أنَّه ) )خبر الموصول، قال وجَعْلُ ما نافية أظهرُ لاقتضاء القسم أن يتلقَّى بحرف النَّفي وبأن واللام بخلاف الموصول، ولأنَّ الجملة القسميَّة جيء بها مؤكِّدة لمعنى النَّهي مقرِّرةً للإنكار.
ويؤيِّده أنَّه وقع في «شرح السُّنة» (( فوالله ما علمت إلَّا أنَّه ) )، وكذا في رواية أبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهني بزيادة وفتح همزة أنَّه، وهذه الرِّواية تؤيِّد ما قاله الطِّيبي من جعل ما نافية.
وقال أبو البقاء ما زائدة؛ أي فوالله علمت أنَّه، والهمزة على هذا مفتوحةٌ، قال ويحتمل أن يكون المفعولُ محذوفًا؛ أي ما عَلِمْتُ عَليه أو فيه سُوْءًا، ثمَّ استأنف فقال إنَّه يحبُّ الله ورسوله.
ونقل عن رواية ابن السَّكن أنَّ التاء مفتوحةٌ للخطاب، ويصحُّ على هذا كسرُ الهمزة وفتحُها، والكسر على جواب القسم، والفتح معمول (( علمت ) )، وقد حكى في «المطالع» أنَّ في بعض الرِّوايات (( فوالله لقد عَلِمْتُ ) )وعلى هذا فالهمزة مفتوحة. ووقع في رواية معمر (( فإنَّه يحبُّ الله ورسوله ) )، وكذا في رواية محمَّد بن عمرو بن حزم، ولا إشكال فيها؛ لأنَّها جاءت تعليلًا لقوله (( لا تفعل يا عمر ) ).
وفي هذا الحديث من الفوائد جواز التَّلقيب، وهو محمولٌ هنا على أنَّه لا يكرهه، وأنَّه ذكر به على سبيل التَّعريف؛ لكثرة من كان يسمَّى عبد الله، وأنَّه لما تكرَّر منه الإقدام على الفعل المذكور نُسِبَ إلى البلادة، وأُطْلِقَ عليه اسْمُ من يتَّصِفُ بها ليرتدعَ بذلك.
وفيه
ج 28 ص 343
الرَّدُّ على من زعم أنَّ مرتكب الكبيرة كافرٌ؛ لثبوت النَّهي عن لعنه، والأمر بالدُّعاء له، وفيه أنَّه لا تنافي بين ارتكاب المنهي، وثبوت محبَّة الله ورسوله في قلب المرتكب؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم أخبر بأنَّ المذكور يحبُّ الله ورسوله مع وجود ما صدر منه، وأنَّ من تكرَّرت منه المعصية لا تنزع عنه محبَّة الله ورسوله، ويُؤخذ منه تأكيد ما تقدَّم أنَّ نفي الإيمان عن شارب الخمر لا يراد به زوالُه بالكليَّة، بل نفيُ كمالِه، ويحتمل أن يكون استمرار ثبوت محبَّة الله ورسوله في قلب العاصي مقيَّدًا بما إذا ندم على وقوع المعصية، أو أقيم عليه الحدُّ، فكفَّر عنه الذَّنب المذكور، بخلاف من لم يقع منه ذلك، فإنَّه يخشى بتكرير الذَّنب أن يطبعَ على قلبه حتَّى يُسْلَبَ منه ذلك، نسألُ الله العافية.
وفيه ما يدلُّ على نسخ الأمر الوارد بقتلِ شارب الخمر إذا تكرَّر منه إلى الرَّابعة أو الخامسة؛ فقد ذكر ابن عبد البرِّ أنَّه أتي به أكثر من خمسين مرَّةً، والأمر المنسوخُ أخرجه الشَّافعي في رواية حرملة عنه، وأبو داود والنَّسائي والدَّارمي وابن المنذر، وصحَّحه ابن حبَّان كلُّهم من طريق أبي سلمة بن عبد الرَّحمن، عن أبي هريرة رضي الله عنه رَفَعَه (( إذا سكرَ فاجلدوه، ثمَّ إذا سكرَ فاجلدوه، ثمَّ إذا سكر فاجلدوه، ثمَّ إذا سكرَ فاقتلوه ) )، ولبعضهم (( فاضربوا عنقه ) ).
وله طريقٌ أخرى عن أبي هريرة رضي الله عنه أخرجها عبد الرَّزاق وأحمد والتِّرمذي تعليقًا، والنَّسائي كلُّهم من رواية إسماعيل بن أبي صالحٍ، عن أبيه عنه، بلفظ (( إذا شربوا فاجلدوهم ثلاثًا، فإذا شربوا الرَّابعة فاقتلوهم ) ).
ومال الخطَّابي إلى تأويل الحديث في الأمر بالقتل فقال قد يراد الوعيد بالقتل، ولا يُراد به وقوع الفعل، وإنَّما قُصِدَ به الرَّدعُ والتَّحذير، ثمَّ قال ويحتمل أن يكون القتل في الخامسة كان واجبًا، ثمَّ نُسِخَ لحصول الإجماع من الأمَّة على أنَّه لا يُقْتَلُ.
وأمَّا ابن المنذر فقال كان العمل فيمن شرب الخمر أن يُضْرَبَ ويُنَكَّل به، ثمَّ نُسِخَ بالأمر بجَلْده، فإن تكرَّر ذلك أربعًا قُتِلَ، ثمَّ نُسِخَ ذلك بالأخبار الثَّابتة، وبإجماع أهل العلم إلَّا من شذَّ ممَّن لا يعد خلافًا.
وأراد
ج 28 ص 344
بمن شذَّ بعض أهل الظَّاهر، فقد نقل عن بعضهم، واستمرَّ عليه ابن حزم منهم، وقد بسط الكلام في ذلك الحافظ العسقلاني.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ، والحديثُ من أفراده.