6783 - (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ) قال (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبِي) حفص بن غياث بن طلق النَّخعي الكوفي، قال (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران (قَالَ سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ) ذكوان الزَّيات (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه، وفي رواية محمَّد بن الحسين بن أبي الحسين، عن عمر بن حفص شيخ البخاري فيه سمعتُ أبا هريرة رضي الله عنه، وكذا في رواية عبد الرَّحمن بن زياد، عن الأعمش، عن أبي صالحٍ سمعت أبا هريرة. قال ابن حزم وقد سَلِمَ من تدليسِ الأعمش.
(عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أنَّه (قَالَ لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ، يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ، وَيَسْرِقُ الْحَبْلَ) بالحاء المهملة المفتوحة والموحَّدة الساكنة (فَتُقْطَعُ يَدُهُ، قالَ الأَعْمَشُ) هو موصولٌ بالسَّند السَّابق (كَانُوا) أي الَّذين رووا هذا الحديثَ (يَرَوْنَ) بفتح التحتية من الرَّأي، وفي رواية أبي ذرٍّ بضمها بمعنى الظَّن (أَنَّهُ بَيْضُ الْحَدِيدِ) وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهني ؛ أي الَّتي تكون على رأس المقاتل (وَالْحَبْلُ كَانُوا يَرَوْنَ) بفتح أوله وضمه، كما مرَّ (أَنَّهُ) أي الحبل المذكور (مِنْهَا مَا يَسْوَى) بفتح التحتية والواو بينهما سين مهملة ساكنة، وفي رواية أبي ذرٍّ بضم ففتح فألف فكسر (دَرَاهِمَ) وقد أنكر بعضُهم الرِّواية الأولى، والحقُّ أنَّها جائزةٌ، لكن بقلة.
وقال الكرمانيُّ يراد به ثلاثة دراهم كأنَّه نظر إلى أنَّ أقلَّ الجَمْع ثلاثةٌ، قال أبو محمَّد بن قتيبة احتجَّ الخوارجُ بهذا الحديث على أنَّ القطعَ يجب في قليل الأشياء وكثيرها، ولا حجَّة لهم فيه، وذلك أنَّ الآية لمَّا نزلت قال صلى الله عليه وسلم ذلك على ظاهر ما نزلَ، ثمَّ أعلمه الله تعالى أنَّ القطعَ لا يكون إلَّا في ربع دينارٍ، فكان بيانًا لما أجمل فوجب المصير إليه.
قال وأمَّا قول الأعمش إنَّ البيضةَ في هذا الحديث بيضةُ الحديد الَّتي تغفر الرَّأس في الحرب، وإنَّ الحبلَ من حبال السُّفن، فهذا تأويلٌ لا يجوز عند من يعرفُ صحيحَ كلام العرب؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ من هذين يبلغ دنانير كثيرةً، وهذا ليس موضع تكثيرٍ لما يسرقه السَّارق، ولا من عادة العرب
ج 28 ص 347
والعجم أن يقولوا قبَّح الله فلانًا عرض نفسه للضَّرب في عقد جوهر، وتعرَّض للعقوبة في الغلول في جراب مسك، وإنَّما العادة في مثل هذا أن يقولوا لعنه الله تعرَّض لقطع اليد في حَبْلٍ رثٍّ، أو في كبة شعرٍ، وفي رداء خَلِقٍ وكلَّما كان نحو ذلك كان أبلغ في النَّهي. انتهى.
وتبعه الخطَّابي وعبارته تأويلُ الأعمش هذا غيرُ مطابقٍ لمذهب الحديث، ومخرج الكلام فيه، وذلك أنَّه ليس باتِّساع في الكلام أن يقال في مثل ما ورد هذا الحديث من اللَّوم والتَّثريب أخزى الله فلانًا؛ عَرَّضَ نفْسَه للتَّلَفِ في ما له قدرٌ ومزية، وفي عرضٍ له قيمةٌ يضرب المثل في مثله بالشَّيء الَّذي لا وزن له ولا قيمة، هذا حكم العرف الجاري في مثله، وإنَّما وَجْهُ الحديثِ وتأويلُه ذمُّ السَّرقة، وتهجينُ أمرِها، وتحذيرُ سوءِ عاقبتها فيما قلَّ وكَثُر من المال.
كأنه يقول إنَّ سرقةَ الشَّيءِ اليسير الَّذي لا قيمة له كالبيضة المذرة والحبل الخَلِقِ الَّذي لا قيمة له، إذا تعاطاه، فاستمرَّت به العادة لم يَيْأسْ أن يؤدِّيَه ذلك إلى سَرِقَة ما فوقها، حتَّى يبلغَ قدر ما تُقْطَعُ به اليد، فتقطع يدُه فليحذر هذا الفعل وليتوقه، قبل أن تملكه العادة ويمرن عليها ليسلم من سوء عاقبته. انتهى.
وفي «غريب الحديث» لابن قتيبة وحضرت يحيى بن أكثم بمكَّة قال فرأيتُه يَذْهَبُ إلى هذا التَّأويل، ويُعْجَبُ به ويبدئ ويُعيد، قال وهذا لا يجوز، وقد تعقَّبه أبو بكرٍ الأنباري، فقال ليس الَّذي طعن به ابن قتيبة على تأويل الحديث بشيءٍ؛ لأنَّ البيضة من السِّلاح ليست علمًا في كثرة الثَّمن، ونهاية في علوِّ القيمة، فتجري مجرى عقد الجوهر، والجراب من المسك اللَّذين يساويان الألوف من الدَّنانير، بل البيضة من الحديد ربَّما اشتريت بأقلَّ ما يجبُ فيه القطع.
وإنَّما مراد الحديث أنَّ السَّارق تعرَّض لقطع يدهِ بما لا غنى له به؛ لأنَّ البيضةَ من السِّلاح لا يستغني بها أحدٌ، وحاصله أنَّ المراد بالخبر أنَّ السَّارق يسرقُ الجليل فتقطع يده، ويسرقُ الحقير فتقطع يده، فكأنَّه تعجيزٌ له، وتضعيفٌ لاختياره لكونه باعَ يده
ج 28 ص 348
بقليلٍ من الثَّمن وكثيره.
وقال المازريُّ تأوَّل بعض النَّاس البيضة في الحديث ببيضة الحديد؛ لأنَّها تساوي نصاب القطع، وحمله بعضُهم على المبالغة في التَّنبيه على عظيم ما خَسِرَ وحقير ما حصلَ، وأراد من جنس البيضة والحبل ما يبلغ النِّصاب.
قال القرطبيُّ ونظير حَمْلِه على المبالغة ما حُمِلَ عليه قولُه صلى الله عليه وسلم (( من بنى لله مسجدًا، ولو كمَفْحَص قَطَاةٍ ) )، فإنَّ أحد ما قيل فيه إنَّه أراد المبالغة في ذلك، وإلَّا فمن المعلوم أنَّ مفحص القطاة، وهو ما تَحْضُنُ فيه بيضَها لا يتصوَّر أن يكون مسجدًا.
قال ومنه (( تصدَّقن ولو بظِلْفٍ مُحْرَقٍ ) )وهو ما لا يُتَصَدَّقُ به، ومثله كثيرٌ في كلامهم، وقال القاضي عياض لا ينبغي أن يلتفت لما ورد أنَّ البيضةَ بيضة الحديد والحبلَ حبلُ السُّفن؛ لأنَّ مثل ذلك له قيمةٌ وقدر، فإنَّ سياق الكلام يقتضي ذمَّ من أخذ القليل والكثير، والخبر إنَّما ورد لتعظيم ما جنى على نفسه بما يقلُّ به قيمته لا بما كثر، والصَّواب تأويله على ما تقدَّم من تقليل أمره وتهجين فعله.
وأنَّه إن لم يقطع في هذا القدر جرته عادته إلى ما هو أكثر منه، وأجاب بعضُ من انتصر لتأويل الأعمش أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قاله عند نزولِ الآية مجملةً قبل بيان نصابِ القطع. انتهى.
وقد أخرج ابنُ أبي شيبة عن حاتم بن إسماعيل، عن جعفر بن محمَّد، عن أبيه، عن عليٍّ رضي الله عنه أنَّه قطع يد سارقٍ في بيضةِ حديدٍ ثمنها ربع دينار، قال الحافظُ العسقلاني ورجاله ثقاتٌ مع انقطاعه، ولعلَّ هذا مستند التَّأويل الَّذي أشار إليه الأعمش.
وأخرج الدَّارقطني من حديث أبي حباب الدَّلال حدثنا مختار بن نافعٍ حدثنا أبو حبَّان التَّيمي، عن أبيه، عن عليٍّ رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (( أنَّه قَطَعَ في بيضةٍ من حديد قيمتها أَحَدٌ وعِشرون دِرْهَمًا ) ).
وقال بعضهم البيضة في اللُّغة تستعمل في المبالغة في المدح، وفي المبالغة في الذَّم، فمن الأوَّل قولهم فلان بيضة البلد إذا كان فردًا في العظمة، وكذا في الاحْتِقَار، ومنه قول أخت عَمرو بن عبدُ ودٍّ
~مَنْ كَانَ يُدْعَى قَدِيْمًا بَيْضَةَ البَلَدِ
ومن الثَّاني قول الآخر يهجو قومًا
~تَأْبَى قُضَاعَةُ أَنْ تُبْدِيَ لَكُمْ نَسَبًا وَابْنَا نِزَارٍ فَأَنْتُمْ بَيْضَةُ الْبَلَد
ج 28 ص 349
ويقال في المدح أيضًا بيضة القوم؛ أي وسطهم، وبيضة السَّنام؛ أي شحمته، فلمَّا كانت البيضة تستعمل في كلٍّ من الأمرين حَسُن التَّمثيل بها كأنَّه قال يسرق الجليل والحقير، فيقطع، فهَبْ أنَّه عُذِر بالجليل، فلا عُذْر بالحقير.
وأمَّا الحبل فأكثر ما يستعمل في الحقير كقولهم ما ترك فلانٌ عقالًا، ولا ذهب من فلانٍ عقالٌ، وكأنَّ المراد أنّه إذا اعتاد السَّرقة لم يتمالك مع غلبة العادة التَّمييز بين الجليل والحقير، وأيضًا والعار الَّذي يلزمه بالقطع لا يساوي ما حصل له ولو كان جليلًا، وإلى هذا أشار القاضي عبد الوهاب بقوله
~صِيَانَةُ الْعُضْوِ أَغْلَاهَا وَأَرْخَصَهَا صِيَانَةُ الْمَالِ فَافْهَمْ حِكْمَةَ الْبَارِي
وردَّ بذلك على قول أبي العلاء سليمان المعري
~يَدٌ بِخَمْسِ مِئِينَ عَسْجَدٍ وديَتُ مَا بِالُهَا قُطعَتْ فِي رُبْع دِينَارِ
ومطابقةُ الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ، وقد أخرجه مسلمٌ في الحدود، والنَّسائي في القَطْعِ، وابن ماجه في الحدود.