632 - (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مُسَرْهد (قَالَ أَخْبَرَنَا) وفي رواية (يَحْيَى) هو القطان (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) بضم العين، فيهما (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (نَافِعٌ) مولى ابن عمر (قَالَ أَذَّنَ ابْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب رضي الله عنهما (فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ بِضَجْنَانَ) بفتح الضاد المعجمة وسكون الجيم وبالألف بين النونين، على وزن فعلان غير منصرف، هو جبلٌ على بريد من مكَّة، قاله صاحب «المشارق» .
ج 4 ص 77
وقال صاحب «الصَّحاح» وغيره هو جبل بناحية مكَّة، وقال أبو موسى في «ذيل الغريبين» هو موضعٌ أو جبل بين مكَّة والمدينة.
وقال صاحب «الفائق» بينه وبين مكَّة خمسة وعشرون ميلًا، وبينه وبين وادي مُرِّ تسعة أميال، انتهى.
وهذا القدر أكثر من بريدين، وضَبْطُه بالأميال يدلُّ على مزيد اعتناء، وصاحب «الفائق» ممَّن شاهد تلك الأماكن واعتنى بها بخلاف مَن تقدَّم ذِكره ممَّن لم يرها أصلًا، ويؤيِّده ما حكاه أبو عُبيد البكري أنَّ بين ضجنان وقُدَيد ليلة.
قال معبد الخزاعي
~قَدْ جَعَلْتُ مَاءَ قُدَيْدٍ مَوْعِدِي وَمَا ضَجْنَانَ لَهَا ضُحَى الغَدِ
(ثُمَّ قَالَ) أي ابن عمر رضي الله عنهما (صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ، فَأَخْبَرَنَا) وفي رواية بالواو (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ) وفي رواية (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَأْمُرُ مُؤَذِّنًا يُؤَذِّنُ، ثُمَّ يَقُولُ) عطف على قوله «يؤذِّن» (عَلَى إِثْرِهِ) بكسر الهمزة وسكون المثلثة وبفتحهما، ما بقي من رسم الشَّيء. وفي قوله (( ثمَّ يقول على إثرهِ ) )دليلٌ على أنَّه يقول بعد الفراغ من الأذان، وفي رواية مسلم (( كان يأمر المؤذِّن يقول في آخر أذانهِ ) ).
(أَلاَ) بتخفيف اللام مع فتح الهمزة (صَلُّوا فِي الرِّحَالِ) وقد تقدَّم في باب «الكلام في الأذان» [خ¦616] أنَّه كان في أثناء الأذان بدلًا من الحيعلة نظرًا إلى المعنى؛ لأنَّ معنى «حيَّ على الصلاة» هلمُّوا إليها، ومعنى «الصَّلاة في الرِّحال» تأخَّروا عن المجيء إليها، فلا يناسب إيراد اللَّفظين معًا؛ لأنَّ أحدهما نقيض الآخر، وقد تقدَّم أيضًا [خ¦616] أنَّه يجوز كلاهما، وهو نصُّ الشافعي أيضًا في «الأم» ، ولكن الأولى أن يقال بعد الأذان.
ويمكن أن تكون معنى «الصلاة في الرِّحال» رُخصة لمن أراد أن يترخَّص، ومعنى «حيَّ على الصلاة» ندبًا لمن أراد أن يُحرِزَ الفضيلة ولو تحمَّل المشقة، ويؤيِّد ذلك حديث جابر رضي الله عنه عند مسلم قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فمُطِرنا، فقال (( ليصل من شاء منكم في رحلهِ ) )فتبيَّن من قوله (( من شاء ) )أنَّ أمره صلى الله عليه وسلم بقوله (( ألا صلُّوا في الرِّحال ) )ليس أمر عزيمةٍ حتى لا يشرعَ لهم الخروج إلى الجماعة، وإنما هو راجعٌ إلى المشيئة فمن شاء صلَّى في رحله، ومن شاء يخرج إلى الجماعة.
(فِي اللَّيْلَةِ الْبَارِدَةِ) ظرف لقوله «كان يأمر» (أَوِ الْمَطِيرَةِ) وكلمة «أو» للتَّنويع لا للشَّك، وفي «صحيح أبي عَوَانة» (( ليلة باردة أو ذات مطر أو ذات ريح ) )وهذا يدلُّ على أنَّ كلَّ واحدٍ من هذه الثلاثة عذر في التَّأخر عن الجماعة.
ونقل ابن بطال فيه الإجماع، لكن المعروف عند الشافعية أنَّ الرِّيح عذر في اللَّيل فقط، وظاهر الحديث اختصاص الثَّلاثة باللَّيل، ولكن جاء في «السنن» من طريق ابن إسحاق عن نافع في هذا الحديث (( في اللَّيلة المطيرة والغداة القَرَّة ) )وفيها بإسنادٍ صحيحٍ من حديث أبي المَلِيح، عن أبيه أنهم مطروا يومًا فرخَّصَ لهم.
قال الحافظُ العسقلاني ولم أرَ في شيءٍ من الأحاديث التَّرخُّص بعذر الريح في النهار صريحًا، لكن القياس يقتضي إلحاقه، وقد نقله ابن الرفعة وجهًا.
(فِي السَّفَرِ) ظاهره اختصاص ذلك بالسَّفر، ورواية مالك عن نافع الآتية في «أبواب صلاة الجماعة» [خ¦666] مطلقة، وبها أخذَ الجمهور، ولكن قاعدة حمل المطلق على المقيَّد يقتضي أن يختصَّ ذلك بالمسافر، ويلحق به
ج 4 ص 78
من يَلحَقُه بذاك مشقَّة في الحضر دون من لا يلحقه، وفي بعض طرق الحديث عند أبي داود «ونادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة في اللَّيلة المطيرة» .