6841 - (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) أي ابن أبي أويس بن عبد الله، أبو عبد الله الأصبحي ابن أخت مالك الإمام، وصهره على ابنته، قال (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر، وفي «موطأ محمد بن الحسن» (( حدَّثنا نافع ) ) (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما أَنَّهُ قَالَ إِنَّ الْيَهُودَ) من خيبر.
وذَكَرَ ابنُ العربيِّ عن الطَّبري والثَّعلبيِّ عن المفسِّرين منهم كعب بن الأشرف وكعب بن أسعد وسعيد بن عمرو مالك بن الصَّيفِ وكنانة بن أبي الحقيق وشاس بن قيس ويوسف بن عازوراء.
(جَاءُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم)
ج 28 ص 482
في السَّنة الرَّابعة في ذي القعدة (فَذَكَرُوا لَهُ أَنَّ رَجُلًا) لم يُسِمَّ، وفُتِحَتْ (( أنَّ ) )لسدها مسدَّ المفعول (مِنْهُمْ وَامْرَأَةً) ذَكَرَ السُّهيليُّ عن ابن العربي أنَّ اسمَ المرأة بُسْرة، بضم الموحدة وسكون المهملة (زَنَيَا) .
ذكر أبو داود السَّبب في ذلك من طريق الزُّهري سمعتُ رجلًا من مزينة ممَّن تَتَبَّعَ العِلْمَ وكان عند سعيد بن المسيَّب يحدِّث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال زنى رجلٌ من اليهود بامرأةٍ، فقال بعضُهم لبعض اذهبوا بنا إلى هذا النَّبيِّ فإنَّه بُعِثَ، بالتخفيف، فإنْ أَفْتَانا بفْتْيا دون الرَّجم قَبِلْنَاها واحتَجَجْنا بها عند الله، وقلنا فتيا نبيٍّ من أنبيائك، قال فأتَوا النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم وهو جالسٌ في المسجدِ في أصحابه فقالوا يا أبا القاسم ما ترى في رجلٍ وامرأة منا زنيا؟
وقال الباجي ظاهر الأمر أنَّهم قصدوا في جوابهم تحريف حكم التَّوراة والكذب على النَّبي صلى الله عليه وسلم إمَّا رجاء أن يحكم بينهم بغير ما أنزل الله، أو قصدوا اختبار أمره صلى الله عليه وسلم فإنَّه من المقرر أن من كان نبيًّا لا يُقَرُّ على باطلٍ، فظهر بتوفيق الله نبيَّه كَذبَهُم وصِدْقَه، ولله الحمد.
(فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ) ما مبتدأ من أسماء الاستفهام، وتجدون جملةٌ في محلِّ الخَبَرِ، والمبتدأ، والخبر معمول للقول، وتقديرُ الاستفهام أي شيء تجدونه في التَّوراة، فيتعلق حرف الجر بمفعول ثان لوجد (فِي شَأْنِ الرَّجْمِ) قال الباجي يحتمل أن يكون علم ذلك بإخبار عبد الله بن سلام وغيره ممَّن أسلم منهم على وَجْهٍ حَصَلَ له به العِلْم لصحَّة نقله. وقيل لما سألوه نزلَ جبريل عليه السلام على النَّبي صلى الله عليه وسلم فقال (( اجعلْ بينك وبينهم ابن صُوْرِيا ) )ذكره ابنُ العربي عن الطَّبري والثَّعلبي، وإنَّما سألهم إلزامًا لهم بما يعتقدونه في كتابهم الموافق لحكم الإسلام، وإقامة للحجَّةً عليهم وإظهارًا لما كَتَمُوه وبَدَّلُوه من حُكْمِ التَّوراة ففضحهم الله. وقيل إنَّما سَأَلَهم عن ذلك؛ ليَعْلَم ما عِنْدَهم فيه، ثمَّ استعلم صحَّة ذلك من قبل الله تعالى.
(فَقَالُوا نَفْضَحُهُمْ) بفتح أوله وثالثه من الفضيحة؛ أي نجد أن نَفْضَحَهم؛ أي نكشف مساوئهم يقال فضحَه فافتضحَ (وَيُجْلَدُونَ) على صيغة المجهول؛ أي ادعوا أنَّ ذلك في التَّوراة على زعمهم وهم كاذبون، ويحتمل أن يكون ذلك ممَّا فسَّروا به التَّوراة؛ أي الحكم عندنا أن نفضحهم ويجلدوا، وإنَّما أتى بأحدِ الفعلين مبنيًّا للفاعل، والآخر مبنيًّا للمفعول إشارةً
ج 28 ص 483
إلى أنَّ الفضيحة موكلةً إليهم، وإلى اجتهادهم بكشف مساوئهم. وفي رواية أيُّوب عن نافعٍ الآتية في التَّوحيد [خ¦7543] «قالوا نُسَخِّمُ وجوهَهَما ونُخْزِيْهِما» . وفي رواية عبيد الله بن عمر قالوا «نُسَوِّد وجوههما ونحمِّمهما ونُخَالفُ بين وجوههما ويُطَافُ بهما» . وفي رواية عبد الله بن دينار «إنَّ أَحْبَارَنَا أَحْدَثوا تَحْمِيْمَ الوَجْهِ والتَّجْبِيه» . وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه «نُحَمَّمُ ويُجَبَّهُ ويُجلَدُ» .
والتَّجْبِيهُ أن يحمل الزَّاني والزَّانية على حمار وتقابلُ أقفيتُهما ويُطاف بهما. وقال المنذري يشبه أن يكون أصلُه الهمزة وهو الرَّدع والزَّجر، يقال جَبَأْتُه تجبيئًا إذا ردعتَه، ويروى ونجبه، والتَّجبية أن يُنَكَّسَ رأسُه، ويحتمل أن يكون من الجَبْهِ، وهو الاستقبال بالمكروه، وأصله من أصاب الجبهة، يقال جبهتُه إذا أصبتَ جبهتُه كَرأَسْتُه إذا أصبتَ رَأْسَه.
(قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلاَمٍ) بتخفيف اللام (كَذَبْتُمْ، إِنَّ فِيهَا الرَّجْمَ) فأتَوا بالتَّوراة (فَأَتَوْا) بصيغة الماضي (بِالتَّوْرَاةِ فَنَشَرُوهَا) أي فتحوا التَّوراة وبسطوا (فَوَضَعَ أَحَدُهُمْ) هو عبدُ الله بن صُورِيا (يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ) منها (قَرَأَ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلاَمٍ ارْفَعْ يَدَكَ، فَرَفَعَ يَدَهُ فَإِذَا فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ) وفي رواية ابن أبي حاتم من طريق مجاهدٍ «أنَّ اليهودَ استفتوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم في الزَّانيين فأفتاهم بالرَّجم فأنكروه فأمرهم أن يأتوا بأحبارهم فناشدهُم فكتموه إلَّا رجلًا من أصاغرهم أعور، فقال كذبوك يا رسول الله، إنَّه في التَّوراة» . وقد وقع عند النِّقاشِ في «تفسيره» أنَّه أسلم. لكن ذكر مكي في «تفسيره» أنَّه ارتدَّ بعد إسلامه، كذا ذكر القرطبيُّ.
وعند الطَّبري بالسَّندِ المذكور في الحديث «أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم لمَّا ناشدَه قال يا رسول الله، إنَّهم ليعلمون أنَّك نبيٌّ مرسلٌ، ولكنَّهم يحسدونك، ثمَّ كفر بعد ذلك ابن صوريا ونزلت فيه {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ} [المائدة 41] الآية» .
ووقع في حديث البراء رضي الله عنه (( نَجِدُهُ الرَّجْمَ، ولكنَّه كَثُر في أشرافنا
ج 28 ص 484
فكنَّا إذا أخذنا الشَّريف تركناه، وإذا أخذنا الضَّعيف أَقَمْنا عليه الحدَّ، فقلنا تعالَوا فلنجتمع على شيءٍ نقيمه على الشَّريف، فجعلنا التَّحميم والجلد مكان الرَّجم )) .
وقد وقع بيان ما في التَّوراة من آية الرَّجم في رواية أبي هريرة رضي الله عنه (( المُحْصَن والمُحْصَنَةُ إذا زنيا فقامت عليهما البينة رُجِمًا، وإن كانت حُبْلَى تُرُبِّصَ بها حتَّى تَضَعَ ما في بطنها ) ). وعند أبي داود من حديث جابر رضي الله عنه (( إنا نجدُ في التَّوراةَ إذا شَهِدَ أربعةٌ أنَّهم رأوا ذَكَرَه في فَرْجِها مثل المِيْلِ في المُكْحُلة رُجِمًا ) ). زاد البزَّار من هذا الوجه (( فإن وَجَدُوا الرَّجلَ مع المرأة في بيتٍ، أو في ثوبِها، أو على بَطْنِها، فهو رِيْبَةٌ وفيها عُقُوبَةٌ ) ).
(قَالُوا صَدَقَ يَا مُحَمَّدُ، فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ) وفي رواية البزَّار قال يعني النَّبي صلى الله عليه وسلم (( فما مَنَعَكُما أن تَرْجُموهما ) )قالوا ذهب سلطاننا فكرهنا القتل. وفي حديث ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما عند الطَّبراني (( إنَّا كنَّا شَبَبَةً وكان في نسائنا حُسْنُ وَجْهٍ، فكَثُر فينا فلم يُقَمْ له فصِرْنا نَجِلدُ ) ).
(فَأَمَرَ بِهِمَا) أي بالزَّانيين (رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَرُجِمَا) وزاد في حديث أبي هريرة رضي الله عنه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( إنِّي أحكم بما في التَّوراة ) ). قال ابن عمر رضي الله عنهما (فَرَأَيْتُ الرَّجُلَ يَحْنِي) بالحاء المهملة وكسر النون، من حنى إذا عطف، كذا في رواية أبي ذرٍّ عن السَّرخسي، وفي روايته عن المستملي والكُشْمِيْهَني بجيم ونون مفتوحة، ثم همزة إذا أكب عليه. وهو الذي قال ابنُ دقيق العيد إنَّه الرَّاجح.
وقال ابنُ عبد البر وَقَعَ في رواية يحيى بن يحيى كالسَّرخسي، والصَّواب (( يَحْنِي ) )أي يَمِيْلُ، وجملةُ ما تحَصَّلَ من الاختلاف في ضَبْطِ هذه اللَّفظة عشرة أوجه؛ سردها الحافظُ العسقلانيُّ في «شرحه» ، ثمَّ الرُّؤيةُ بصريَّةٌ، ويحني في موضع الحال.
وقوله (عَلَى الْمَرْأَةِ) يتعلَّق به؛ أي ينعطف عليها (يَقِيهَا) بفتح أوله ثم قاف (الْحِجَارَةَ) وفي رواية عبيد الله بن عمر (( فلقد رأيتُه يقيها من الحجارة [بنفسِه، وفي حديث ابن عباس عند الطبراني فلما وَجَدَ مَسَّ الحجارة ... ] [1] قامَ على صاحبته يحني عليها يقيها حتَّى قُتِلا جميعًا، فكان ذلك ممَّا صَنَعَ اللهُ لرسوله في تَحْقِيق الزِّنى منهما ) ). وجملة يقيها يحتمل أن تكون بدلًا من يَحْني، أو حالًا أخرى، واللام
ج 28 ص 485
في الحِجارة للعهد؛ أي حجارة الرَّمي.
وفي الحديث من الفوائد وجوبُ الحدِّ على الكافر الذَّمي إذا زنى، وهو قول الجمهور، وفيه خلافٌ عند الشَّافعيَّة، وقد ذهل ابن عبد البرِّ فنقل الاتِّفاقَ على أنَّ شرطَ الإحصانِ الموجب للرَّجم الإسلام، وردَّ عليه بأنَّ الشَّافعيَّ وأحمد لا يشترطان ذلك. ويؤيِّد مذهبهما وقوعُ التَّصريحِ بأنَّ اليهودييَّن اللَّذين رُجِما كانا قد أُحْصِنا. وقالت المالكيَّة ومعظمُ الحنفيَّة وربيعةُ شيخ مالك أنَّ الإسلام شرطُ الإِحصان.
وأجابوا عن حديث الباب بأنَّه صلى الله عليه وسلم إنَّما رَجَمَهُما بحكم التَّوراة، وليس هو من حكم الإسلام في شيءٍ، وإنَّما هو من باب تنفيذ الحكم عليهم بما في كتابهم، فإنَّ في التَّوراة الرَّجمَ على المُحْصَنِ وغَيرِ المُحْصَن.
قالوا وكان ذلك أوَّلَ دخولِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم المدينةَ، وكان مأمورًا باتباع حكم التَّوراة والعمل بها حتَّى ينسخ ذلك في شرعه، فرَجَمَ اليهودييَّن على ذلك الحُكْمِ، ثمَّ نُسِخَ ذلك بقوله تعالى {وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ} إلى قوله {أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا} [النساء 15] ، ثمَّ نُسِخَ ذلك بالتَّفرقة بين من أُحْصِنَ ومَنْ لم يُحْصَنْ. انتهى. وفيه كلامٌ طويلٌ في «فتح الباري» .
ومن فوائد الحديث قبول شهادة أهل الذِّمَّة بعضهم على بَعْضٍ، وأنَّ أنكحةَ الكفَّار صحيحةٌ، وأنَّ اليهودَ كانوا يَنْسِبُون إلى التَّوراة ما ليس فيها، وأنَّ شرعَ من قَبلنا يلزمُنا ما لم يقضِ اللهُ بالإنكار.
ومطابقةُ الحديثِ للتَّرجمة ظاهرةٌ.
وقد مضى الحديثُ عن قريبٍ في باب الرَّجم في البلاط [خ¦6819] ، ومضى أيضًا في علامات النبوة [خ¦3635] .
[1] ما بين معقوفين في فتح الباري