6848 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسي، قال (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) هو ابنُ سعْدٍ الإمام قال (حَدَّثَنِي) بالإفراد (يَزِيدُ) من الزِّيادة (ابْنُ أَبِي حَبِيبٍ) بفتح المهملة، أبو رجاء البصري واسم أبي حبيب سويد (عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) بضم الموحَّدة وفتح الكاف، ابن الأشج (عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ) ضدُّ اليمين (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) الأنصاري، وفي رواية عَمرو بن الحارث الآتية في الباب [خ¦6850] (( أنَّ بكيرًا حدَّثه قال بينما أنا جالسٌ عند سليمان بن يسار، إذ جاء عبدُ الرَّحمن بن جابر، فحدَّث سليمانُ بن يسار، ثمَّ أقبلَ علينا سليمانُ، فقال حدَّثني عبد الرَّحمن ) ). وفي رواية الأَصيلي عن أبي أحمد الجرجاني ، ثمَّ خطَّ على قوله فصار (( عن عبد الرحمن ) ).
(عَنْ أَبِي بُرْدَةَ) بضم المُوَحَّدة وسكون الراء، ابن نِيَار، بكسر النون
ج 28 ص 496
وتخفيف التحتية، الأوسي الحارثي الأنصاري المديني خال البراء بن عازب شَهِدَ بَدْرًا، وسَمِعَ النَّبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، روى عنه جابرُ بنُ عبدِ الله عند الشَّيخين، وعبد الرَّحمن بن جابر عند البخاريِّ هاهنا.
(رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) أنَّه (قَالَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لاَ يُجْلَدُ) بضم التحتية وسكون الجيم وفتح اللام على البناء للمفعول، وهو خبرٌ بمعنى الأمر؛ أي لا يَجِلِدْ أحدٌ، وفي رواية بالجزم. ويؤيِّده ما وقع في الرِّواية الَّتي بعدها بصيغة النَّهي (( لا تجلدوا ) ).
(فَوْقَ عَشْرِ جَلَدَاتٍ) بفتحات، مصحَّحًا عليه في الفرع كأصله، وفي رواية عليِّ بن إسماعيل (( لا عقوبةَ فوق عشر ضربات ) ) (إِلاَّ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ) عزَّ وجلَّ؛ أي إلَّا في موجب حدٍّ من حدود الله، ظاهره أنَّ المراد بالحدِّ ما ورد فيه من الشَّارع عددٌ من الجَلْد أو الضَّرْب مخصوصٌ، أو عقوبةٌ مخصوصةٌ، والمتَّفق عليه من ذلك أصلُ الزِّنا والسَّرقة وشرب الخمر والحرابة قبلَ أن يُقْدَرَ عليه، والقذف بالزِّنا والقتل والقصاص في النَّفس والأطرافِ والقتلِ في الارْتِدَاد.
واختُلِفَ في تسميةِ الأخيرين حدًّا، واختُلِفَ في أشياء كثيرة يستحقُّ مرْتَكِبُها العقوبةَ، هل تسمَّى عقوبتُه حدًّا أو لا؟ وهي جحدُ العارَّية، واللِّواطُ، وإتيانُ البهيمة، وتَحْميلُ المرأةِ الفَحْلَ من البهائم عَلَيها [1] ، والسِّحاقُ، وأكلُ الدَّمِ، والميتةُ في حال الاختيار، ولحمُ الخنزير، وكذا السِّحرُ، والقذفُ بشربِ الخمر، وتركُ الصَّلاة تكاسلًا، والفِطْرُ في رمضان، والتَّعريضُ بالزِّنا. هذا، وقيل المرادُ بالحدِّ في حديثِ الباب حقُّ الله تعالى.
قال ابنُ دقيق العيد بلغني أنَّ بعضَ العَصريين قوَّى هذا المعنى بأنَّ تخصيصَ الحدِّ بالمقدَّرات المقدَّم ذكرُها أمرٌ اصطلاحيٌّ من الفقهاء، وأنَّ عُرْفَ الشَّرع أوَّل الأمر كان يطلق الحدَّ على كلِّ معصيةٍ كَبُرت أو صَغُرت.
وتعقَّبه ابنُ دقيق العيد بأنَّه خروجٌ عن الظَّاهر، ويحتاج إلى نقلٍ، والأصل عدمُه. قال ويرُّد عليه ما إذا جوَّزنا في كلِّ حقٍ من حقوق الله أن يزادَ على العشرة لم يبق لنا شيءٌ يختصُّ المنع به؛ لأنَّ ما عدا المحرَّمات لا يجوز الزِّيادة فيها، وهو ما ليس بمحرَّمٍ، وأصلُ التَّعزيرِ أنَّه لا يُشْرَعُ فيما ليس بمُحَرَّمٍ فلا يبقى لخصوص الزِّيادة معنى.
قال الحافظُ العَسقلاني والعصريُّ المشار إليه
ج 28 ص 497
أظنُّه ابنُ تيمية.
وقد نقلَ صاحبُه ابن القيِّم المقالةَ المذكورة، وقال الصَّواب في الجواب أنَّ المرادَ بالحُدود هنا الحقوقُ الَّتي هي أوامرُ الله ونواهيهِ، وهي المرادُ بقوله عزَّ وجلَّ {وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [البقرة 229] ، وفي أخرى {فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} [البقرة 231] ، وقال تعالى {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا} [البقرة 187] ، وقال {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا} [النساء 14] .
قال فمعنى الحديث لا يزاد على العشر في التَّأديبات الَّتي لا تتعلَّق بمعصيتهِ كتأديبِ الأَبِ لولده الصَّغير.
وقال الحافظُ العسقلانيُّ ويحتمل أن يفرَّق بين مراتب المعاصي، فما وَرَدَ فيه تقديرٌ لا يُزادُ عليه، وهو المستثنى، وما لم يَرِدْ فيه تقديرٌ فإن كانَ كبيرةً جازت الزِّيادة فيه، وأطلق عليه اسم الحدِّ، كما في الآيات المشار إليها، والتحق بالمستثنى وإن كانَ صغيرةً فهو المقصودُ بمَنْعِ الزِّيادة.
وقد أخرج ابن ماجه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه (( لا تُعَزِّروا فوقَ عشرة أسواط ) ). واختَلَفَ السَّلفُ في مدلولِ هذا الحديث، وأخذ بظاهرهِ اللَّيث وأحمدُ في المشهورِ عنه، وإسحاق وبعض الشَّافعيَّة. وقال مالكٌ والشَّافعي وصاحبا أبي حنيفة تجوز الزِّيادةُ على العشر.
ثمَّ اختلفوا؛ فقال الشَّافعي لا يبلغ أدنى الحدود، وهل الاعتبار بحدِّ الحرِّ أم العبد قولان، فالأوزاعيُّ لا يبلغ به الحد، ولم يُفَصِّل، وفي قولٍ أو وجهٍ يُسْتَنْبَطُ كُلُّ تعزيرٍ من جِنْس حدِّه ولا يُجَاوِزُه. وقال الباقون هو إلى رأي الإمام بالغًا ما بلغَ، وهو اختيار أبي ثور.
وعن عمر رضي الله عنه أنَّه كتبَ إلى أبي موسى رضي الله عنه «لا تجلد في التَّعزير أكثر من عشرين» . وعن عثمان رضي الله عنه «ثلاثين» . وعن عمر رضي الله عنه «أنَّه بلغ بالسَّوط مائةً» ، وكذا عن ابن مسعودٍ رضي الله عنه، وعن مالكٍ وأبي ثور لا يعزر إلَّا من تكرر بغيه، ومن وَقَعَ منه مرَّةً واحدةً في معصيةٍ لا حدَّ فيها، فلا يُعَزَّر. وعن أبي حنيفة لا يبلغُ أربعين. وعن ابن أبي ليلى وأبي يوسف
ج 28 ص 498
لا يبلغ ثمانين.
وأجابوا عن الحديث بأجوبة
منها الطَّعن فيه، فإنَّ المنذريَّ ذَكَرَ في إسناده مقالًا، وقال الأَصيلي اضطربَ إسنادُه فوَجَبَ تَرْكُه، وفيه كلامٌ طويلٌ، ذكره العسقلاني في «فتح الباري» وسيجيءُ ما يتعلَّق بإسناده.
ومنها قَصْرُه على الجَلْدِ، وأمَّا الضَّرْبُ بالعصا مثلًا وباليد فتجوز الزِّيادة، ولكن لا يُجَاوِزُ أَدنى الحَدِّ، وهذا رأي الاصطخريِّ من الشَّافعيَّة، وكأنَّه لم يقفْ على الرِّواية الواردةِ بلفظ الضَّرْبِ.
ومنها أنَّه منسوخٌ دلَّ على نَسْخِه إجماعُ الصَّحابة، وَرُدَّ بأنَّه قال به بعضُ التَّابعين، وهو قول اللَّيث بن سَعْدٍ أحدِ فقهاءِ الأمصار.
ومنها معارضة الحديث بما هو أقوى منه، وهو الإجماع على أنَّ التَّعزير يُخَالِفُ الحدَّ، وحديثُ الباب يقتضي تحديده بالعشرة فما دونها، فيصيرُ مثل الحدِّ، وبالإجماع على أنَّ التَّعزيرَ موكولٌ إلى رأي الإمام فيما يرجعُ إلى التَّشديد والتَّخفيف، لا من حيث العدَدُ؛ لأنَّ التَّعزيرَ شُرِعَ للرَّدع، ففي النَّاس من يَرْدَعُه الكلامُ، ومنهم من لا يَرْدَعُه الضَّرْبُ الشَّديد، فلذلك كان تعزير كلِّ أحدٍ بحَسَبِه.
وتُعُقِّب بأنَّ الحدَّ لا يزادُ فيه ولا يُنْقَصُ فاختلفا، وبأنَّ التخفيف والتشديدَ مُسَلَّمٌ، لكن وَقَعَ مع مراعاة العَدَدِ المذكور، وبأنَّ الرَّدْعَ لا يُراعى في الأفرادِ بدليل أنَّ من النَّاس من لا يَرْدَعُه الحَدُّ، ومع ذلك لا يُجْمَعُ عندهم بين الحدِّ والتَّعزير. ومنها حمله على واقعة عينٍ، أو رجلٍ معيَّنٌ.
ونقل القرطبي أنَّ الجمهورَ قالوا بما دلَّ عليه حديث الباب، وعكسه النَّووي وهو المعتمدُ، فإنَّه لا يعرف القول به عن أحدٍ من الصَّحابة، وكان مالكٌ يرى العقوبةَ بقدر الذَّنب، ويرى ذلك موكولًا إلى اجتهادِ الإمامِ على حَسَبِ ما يغلبُ على ظنِّه أنَّه يردع به، وإن جاوز ذلك الحدَّ.
وقال الدَّاودي لم يبلغ مالكًا هذا الحديثُ، فكان يرى العقوبةَ بقدر الذَّنب، وهذا يقتضي أنَّه لو بلغه ما عدلَ عنه، فيجب على من بلغه أن يأخذَ به، فافهم.
ومطابقةُ الحديث للتَّرجمة من حيث إنَّه بيَّن قولَه في التَّرجَمَةِ (( كم التعزير ) ).
وأخرجهُ مسلمٌ في الحُدود، وكذا أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.
[1] في هامش الأصل أي استنكاح المرأة البهيمة.