6898 - (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكين، قال (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ) أبو الهذيل الطَّائي الكوفي (عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ) بضم الموحدة وفتح المعجمة، ويَسَار بالتحتية وتخفيف المهملة، المزني، وهو من موالي بني حارثة من الأنصار. قال ابن سَعْدٍ كان شيخًا كبيرًا فقيهًا أدرك عامَّةَ الصَّحابة، ووثَّقه يحيى بن معين والنَّسائي، وكنَّاه محمد بن إسحاق في روايته أبا كيسان، أنَّه(زَعَمَ أَنَّ
ج 28 ص 605
رَجُلًا)أي قال إنَّ رجلًا (مِنَ الأَنْصَارِ، يُقَالُ لَهُ سَهْلُ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ) بفتح الحاء المهملة وسكون المثلثة.
وقال الحافظ المزني هو سهل بن عبد الله بن أبي حَثْمَةَ، واسمُ أبي حَثْمَة عامرُ بن ساعدة بن عامر الأنصاري، وكنيته أبو يحيى، وقيل أبو محمد، ويقال اسم أبيه عبيد الله، فاشتُهِر بالنِّسبة إلى جدِّه، وهو من بني حارثة بطنٌ من الأوس، ولم يقعْ في رواية ابن نمير عند مسلم زَعَمَ، بل عنده عن سهل بن أبي حَثْمَة الأنصاري أنَّه أخبره، وكذا في رواية أبي نعيمٍ في «المستخرج» من وجهٍ آخر عن أبي نعيمٍ شيخ البخاري.
(أَخْبَرَهُ أَنَّ نَفَرًا مِنْ قَوْمِهِ) اسم جَمْعٍ يَقَعُ على جَمَاعةِ الرِّجال خاصَّةً من الثَّلاثةِ إلى العَشَرة لا واحد له من لفظه، وسمَّى يحيى بن سعيد الأنصاري في روايته عن بشير بن يسار منهم اثنين، وتقدَّم في الجزية [خ¦3173] من طريق بشر بن المفضل عن يحيى بهذا السَّند «انطلقَ عبدُ الله بن سهل ومُحَيِّصةُ بن مسعود بن زيد» .
ومُحَيِّصَة بضم الميم وفتح الحاء المهملة وتشديد التحتية المكسورة بعدها صاد مهملة، وفي الأدب [خ¦64142] من رواية حمَّاد بن زيد، عن يحيى، عن بشير، عن سهل بن أبي حَثْمة ورافع بن خديج أنَّهما حدَّثاه «أنَّ عبد الله بن سهل ومُحَيِّصَة بن مسعودٍ انطلقا» . وعند مسلم من رواية اللَّيث، عن يحيى، عن بشير، عن سهلٍ ورافع بن خديج أنَّهما قالا خرج عبدُ الله بن سهل بن زيد ومُحَيِّصَةُ بن مسعود بن زيد.
وبيَّن الطَّحاوي أنَّ المرادَ بهم مُحَيِّصَةُ وأخوه حُوَيِّصَة، بضم الحاء المهملة وفتح الواو وتشديد التحتية المكسورة بعدها صاد مهملة، ولدا مسعود، وعبد الرحمن وعبد الله ولدا سهل بن زيد.
(انْطَلَقُوا إِلَى خَيْبَرَ) وفي رواية ابن إسحاق، عن ابن أبي عاصم (( فخرج عبدُ الله بن سهل في أصحابٍ له يَمْتَارون تَمْرًا ) )، ثمَّ زاد سليمان بن بلال عند مسلم في روايته عن يحيى بن سعيد (( في زمن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وهي يومئذٍ صلحٌ وأهلها يهودٌ ) ).
والمراد أنَّ ذلك وقع بعد فتحها؛ فإنَّها لمَّا فُتِحَتْ أَقَرَّ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أهلَها فيها
ج 28 ص 606
على أن يعملوا في المزارع على الشَّطر ممَّا يخرجُ منها.
(فَتَفَرَّقُوا فِيهَا، وَوَجَدُوا) بالواو، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الحمُّويي والمُسْتَملي بالفاء (أَحَدَهُمْ قَتِيلًا) هو عبد الله بن سهل، ففي رواية بشر بن المفضل (( فأتى مُحَيِّصَةُ إلى عبدِ الله بن سهل وهو يتشخَّطُ في دمه قتيلًا ) )أي يضطرب فيتمرَّغ في دمه فدفنه. وفي رواية اللَّيث (( ثمَّ إنَّ مُحَيِّصَةُ وجد عبدَ الله بنَ سهل قتيلًا فدفنه ) ). وفي رواية سليمان بن بلال (( فوجدَ عبدَ الله بن سهل مقتولًا في سرته فدفنه صاحبه ) ). وفي رواية ابن أبي ليلى (( فأخبر مُحَيِّصَةُ أنَّ عبدَ الله قُتِلَ وطُرِحَ في فَقِير ) )بفاء مفتوحة ثم قاف مكسورة؛ أي حفيرة أو عين، هو شكٌّ من الرَّاوي.
وفي رواية محمَّد بن إسحاق (( فوُجِدَ في عَينٍ قد كُسِرتْ عُنُقُهُ وطُرِحَ فيها ) )، وفي رواية الطَّحاوي من طريق يحيى بن سعيد (( وجد عبد الله بن سهل قتيلًا في قليب من قلب خيبر ) ).
(وَقَالُوا لِلَّذِي) أي لأهل خيبر الَّذين (وُجِدَ) بضم الواو وكسر الجيم (فِيهِمْ) أي عبد الله بن سهل قتيلًا (قَتَلْتُمْ) وفي رواية أبي ذرٍّ عن الحمُّويي (صَاحِبَنَا) وقوله (لِلَّذِي) بحذف النُّون فهو كقوله تعالى {وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا} [التوبة 69] .
(قَالُوا) أي أهل خيبر (مَا قَتَلْنَا) صاحِبَكُم (وَلاَ عَلِمْنَا قَاتِلًا) له، وفي رواية ابن أبي ليلى (( فأتى مُحَيِّصَةُ يهودَ، فقال أنتم والله قَتَلْتُمُوه، قالوا ما قتلناه والله ) ) (فَانْطَلَقُوا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وفي رواية حمَّاد بن زيد (( فجاء عبد الرحمن بن سهل ومُحَيِّصَة وحُوَيِّصَة ابنا مسعود بن زيدٍ إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم ) ). (فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ، انْطَلَقْنَا إِلَى خَيْبَرَ، فَوَجَدْنَا أَحَدَنَا قَتِيلًا) وفي رواية حمَّاد بن زيد (( فتكلَّموا في أَمْرِ صاحِبِهم ) )، وفي رواية سليمان بن بلال (( فأتى أخو المقتول عبدَ الرحمن ومُحَيِّصَة وحُوَيِّصَة فذكروا لرسول الله صلى الله عليه وسلم شأنَ عبدِ الله حيث قُتلَ ) )، وفي رواية اللَّيث (( ثمَّ أقبل محيصةُ إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم وحُوَيِّصةُ وعبدُ الرحمن بن سهل ) )، وزاد أبو ليلى في روايته وهو؛ أي حويصة أكبر منه؛ أي من محيصة.
(فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم
ج 28 ص 607
(الْكُبْرَ الْكُبْرَ) بضم الكاف وسكون الموحدة وبالنصب فيهما على الإغراء. وقال الكِرماني الكُبْر بضم الكاف مصدرٌ أو جَمْعُ الأكبر أو مفرد بمعنى الأكبر، يقال هو كُبْرُهم؛ أي أَكْبَرُهم، ويروى بكسر الكاف وفتح الباء؛ أي كِبَر السِّنِّ؛ أي قدِّموا الأكبرَ سنًّا في الكلام، وزاد في رواية يحيى بن سعيد (( فبدأ عبد الرَّحمن يتكلَّم وكان أصغر القوم ) )، وزاد حمَّاد بن زيد عن يحيى عند مسلم (( في أمر أخيه ) ). وفي رواية بشر (( وهو أحدثُ القوم ) )، وفي رواية اللَّيث (( فذهب عبد الرَّحمن يتكلَّم فقال كَبِّرْ ) )الكُبْر الأولى أَمْرٌ، والأخرى كالأول، ومثله في رواية حماد بن زيد وزاد فقال (( يبدأ الأكبر ) ). وفي رواية بشر بن المفضَّل (( كبِّر كبِّر ) )بتكرار الأمر، وكذا في رواية أبي ليلى، وزاد (( يريد السنَّ ) )، وفي رواية اللَّيث عند مسلمٍ (( فسكتَ وتكلَّم صاحباه ) ). وفي رواية بشر (( وتكلما ) )، وتكرير الكبر للتَّأكيد؛ أي ليبدأ الأكبر بالكلام، أو قدَّموا الأكبرَ إشارةً إلى الأدب في تقديم الأسنِّ، وحقيقة الدَّعوى إنَّما هي لعبد الرَّحمن أخي القتيل لا حقَّ فيها لابني عمِّه، وإنَّما أمر صلى الله عليه وسلم أن يتكلَّم الأكبر وهو حُوَيِّصَة؛ لأنَّه لم يكن المراد بكلامه حقيقة الدَّعوى، بل سماع صورة القصَّة، وعند الدَّعوى يدَّعي المستحقُّ، أو المعنى ليكن الأكبر وكيلًا له.
(فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (لَهُمْ) أي للثلاثة (تَأْتُونَ) بفتح النون من غير تحتية، وفي رواية أبي ذرٍّ عن المُسْتَملي (بِالْبَيِّنَةِ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ قَالُوا مَا لَنَا بَيِّنَةٌ) كذا في رواية سعيد بن عبيد، ولم يقع في رواية يحيى بن سعيدٍ الأنصاري، ولا في رواية أبي قلابة الآتية [خ¦6899] . وقال بعضُهم إنَّ ذِكْرَ البيِّنة وهمٌ؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم قد عَلِمَ أنَّ خيبر حينئذٍ لم يكن بها أحدٌ من المسلمين، وفيه أنَّ دعوى نفي العلم مردودةٌ، فإنَّه وإن سلم أنَّه لم يكن مع اليهود فيها أحدٌ من المسلمين لكن في نفس القصَّة أنَّ جماعةً من المسلمين خرجوا يمتارون، فيجوز أن يكون طائفةٌ أخرى خرجوا بمثل ذلك، وإن لم يكن في نفس الأمر كذلك.
ج 28 ص 608
وقد وُجِدَ لِطَلَبِ البيِّنةِ في هذه القصَّة شاهدٌ من وجهٍ آخر، أخرجه النَّسائي من طريق عبيد الله بن الأخنس، عن عَمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه أنَّ ابن مُحَيِّصَةَ الأصغر أصبح قتيلًا على أبواب خيبر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( أقم شاهدين على من قتله أَدْفَعُه إليك بِرُمَّته ) )، قال يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أين أُصيِبُ شاهدين، وإنَّما أصبحَ قتيلًا على أبوابهم، قال (( قال فَتَحْلِفُ خمسينَ قسامةً، قال كيف أحلف على ما لا أعلم؟ قال فتستحلف خمسين منهم قال كيف وهم يهود؟ ) )وهو سندٌ حسنٌ، وهو نصٌّ في الحَمْلِ الَّذي ذُكِرَ فيَتَعيَّن المصيرُ إليه.
وقد أخرجَ أبو داود عن رافع بن خديج رضي الله عنه قال أصبح رجلٌ من الأنصار مقتولًا بخيبر، فانطلقَ أولياؤه إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فقال (( شاهدان يشهدان على قَتْلِ صاحِبكم ) )قال لم يكن ثمَّة أحدٌ من المسلمين، وإنَّما هم اليهود، وقد يجترئون على أعظم من هذا.
(فَيَحْلِفُونَ) أي اليهود أنَّهم ما قتلوه، وفي رواية ابن عُيينة، عن يحيى بن سعيد (( فيبرِّئكم يهود بخمسين يمينًا ) )أي يخلصونكم من الأَيمان بأن تُحَلِّفوهم، فإذا حلفوا انتهت الخصومة، فلم يجب عليهم شيءٌ وخلصتم أنتم من الأَيمان، فقالوا كيف نأخذ بأَيمان قومٍ كفَّار؟ وفي رواية اللَّيث (( كيف نقبل ) )بدل (( نأخذ ) )، وفي رواية أبي قِلابة (( ما يبالون أن يقتلونا أجمعين، ثمَّ يَحْلِفُون ) )كذا في رواية سعيد بن عُبيد، لم يذكر عرض الأَيمان على المدَّعين كما لم يقع في رواية يحيى بن سعيد طلبُ البيِّنة أولًا، ففي روايته (( أتحلفون وتستحقُّون صاحبكُم أو قَتِيْلكم بأَيمانِ خمسين مِنْكُم ) ).
وطريق الجَمْع أنَّه صلى الله عليه وسلم طلبَ البيِّنة أوَّلًا فلم يكن لهم بيِّنة، فعرض عليهم الأَيمان فامتَنَعُوا فعرضَ عليهم تحليف المدَّعى عليهم فأبوا. وقد سقط من رواية حديث الباب تبدئة المدَّعين باليمين، واشتملت رواية يحيى بن سعيد على زيادةٍ من ثقةٍ حافظ، فوجبَ قَبولُها وهي تقضي على من لم يعرفها.
والحاصل أنَّه حَفِظَ أحدُهما ما لم يحفظ الآخر، وزيادة الثِّقة مقبولةٌ، وإلى البداءة بالمدَّعين في اليمين ذهبَ الشَّافعيُّ وأحمدُ، فإن أَبَوا رُدَّت على المدَّعى عليهم، وقال بعكسه أهلُ الكوفة وكثيرٌ من أَهْلِ البَصْرة.
ج 28 ص 609
(قَالُوا) يا رسول الله (لاَ نَرْضَى بِأَيْمَانِ الْيَهُودِ) يعني فإنَّهم لا يبالون (فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُبْطِلَ دَمَهُ) بضم أوله وكسر الطاء من أبطل؛ أي يُهْدِرَ دَمَه (فَوَدَاهُ) بلا همز مع التخفيف (مِائَةً) وفي رواية الكُشْمِيْهَني (مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ) زعم بعضهم أنَّه غلطٌ من سعيد بن عُبيد لتصريح يحيى بن سعيد بقوله من عنده، وجَمَعَ بعضُهم بين الروايتين باحتمالِ أن يكون اشتراها من إبل الصَّدقة بمالٍ دَفَعَه من عنده، أو المراد بقوله من عنده؛ أي من بيت المال المرصد للمصالح، وأطلق عليه صدقةً باعتبار الانتفاع به مجانًا لما في ذلك من قَطْعِ المنازعة، وإصلاح ذات البين.
وقد حَمَلَه بعضُهم على ظاهِرِه، فحكى القاضي عياض عن بعض العلماء جوازَ صَرْفِ الزَّكاة في المصالح العامَّة، واستدلَّ بهذا الحديث وغيره.
وتقدم شيءٌ من ذلك في كتاب الزَّكاة في الكلام على حديث (( حَمَلَنا النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم على إبلٍ من الصَّدقة في الحجِّ ) ). وعلى هذا فالمراد بالعنديَّة كونها تحت حكمه وأمره؛ للاحتراز من جعل ديته على اليهود أو غيرهم.
وقال أبو العباس القرطبي في «المفهم» فَعَلَ النَّبي صلى الله عليه وسلم ذلك على مقتضى كرمه، وحسن سياسته، وَجَلْبًا للمصلحة، ودرءًا للمفسدة على سبيل التَّأليف، ولا سيَّما عند تعذُّر الوصول إلى استيفاء الحقِّ، وروايةُ من قال من عنده، أصحُّ من رواية من قال من إبل الصَّدقة، وقد قيل إنَّها غلطٌ، والأولى أن لا يُغَلَّط الرَّاوي ما أمكن، فيحتمل أوجهًا
منها ما تقدَّم وزاد أن يكون تسلف ذلك من إبل الصَّدقة؛ ليدفعه من مال الفيء، أو أنَّ أولياء القتيل كانوا مستحقِّين للصَّدقة فأعطاهم ذلك من سهم المؤلَّفة استئلافًا لهم، واستجلابًا لليهود. انتهى.
وفي الحديث مشروعيَّة القَسامة، وبه أخذ كافة الأئمَّة والسَّلف من الصَّحابة والتَّابعين وعلماء الأمَّة وفقهاء الأمصار من الحجازيين والشَّاميين والكوفيين، وإن اختلفوا في صورة الأخذ، وروي التَّوَقُّف في ذلك عن طائفةٍ فلم يَرَو القَسامة، ولا أثبتوا لها في الشَّرْعِ حُكْمًا، وهذا مذْهَبُ الحكم بن عتيبة، وأبي قلابة، وسالم بن عبد الله، وسليمان بن يسار، وقتادة، ومسلم بن خالد، وإبراهيم بن عُلَيَّة وإليه ينحو البخاريُّ، وقد سبق الكلام في ذلك أيضًا.
قال العيني ذكر الحديث مطابقًا لما قبله في عدم القَود في القَسامة،
ج 28 ص 610
وأنَّ الحُكْمَ فيها مقصورٌ على البيِّنة واليمين، كما في حديث الأشعث، وقد سبق الحديثُ في الصُّلْحِ [خ¦2702] ، والجزية [خ¦3173] .