فهرس الكتاب

الصفحة 10236 من 11127

6899 - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) أبو رجاء البلخي، قال (حَدَّثَنَا أَبُو بِشْرٍ) بكسر الموحدة وسكون المعجمة (إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الأَسَدِيُّ) بفتح السين المهملة، هو المعروف بابن عليَّة، وهي اسم أمِّه، واسم أبيه إبراهيم كما هنا، واسم جدِّه مِقْسَمٌ، وهو الثِّقةُ المشهور، وهو المنسوبُ إلى بني أسدٍ بن خذيمة؛ لأنَّ أَصْلَه من مواليهم قال (حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ أَبِي عُثْمَانَ) هو المعروف بالصَّوَّاف، واسم أبي عثمان مَيْسَرة، وقيل سالم، وكنية الحجاج أبو الصلت، ويقال غير ذلك، وهو بصريٌّ، وهو مولى بني كندة قال (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو رَجَاءٍ) اسمه سلمان.

(مِنْ آلِ أَبِي قِلاَبَةَ) بكسر القاف وتخفيف اللام، عبد الله بن زيد الجَرْمي، بفتح الجيم وسكون الراء، وهو مولى بني قلابة، ووقع هنا من آل أبي قِلابة، وفيه تجوُّزٌ؛ فإنَّه منهم باعتبار الولاء لا بالأصالة.

وقد أخْرَجَه أحمدُ فقال حدَّثنا إسماعيل بن إبراهيم حدَّثنا حجَّاج، عن أبي رجاء مولى أبي قِلابة، وكذا عند مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة ومحمد بن الصَّباح، وكذا عند الإسماعيليِّ من رواية أبي بكر، وعثمان بن أبي شيبة كلهم عن إسماعيل.

(حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو قِلاَبَةَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ) يعني الخليفة المشهور (أَبْرَزَ سَرِيرَهُ) أي أظهره، وكان ذلك في زمن خلافته وهو بالشَّام، والمراد بالسَّرير ما جرت عادة الخلفاء بالاختصاص بالجلوس عليه، والمراد أنَّه أخرجه إلى ظاهر الدَّار لا إلى الشارع، ولذلك قال أذن للنَّاس (يَوْمًا لِلنَّاسِ، ثُمَّ أَذِنَ لَهُمْ فَدَخَلُوا) ووقع عند مسلم من طريق عبد الله بن عون، عن أبي رجاء، عن أبي قلابة (( كنتُ خلفَ عُمَر بن عبد العزيز فقال لهم ) ) (فَقَالَ مَا تَقُولُونَ فِي الْقَسَامَةِ؟) زاد أحمد بن حرب، عن إسماعيل بن عليَّة عند أبي نعيمٍ في «المستخرج» (( فأضَبَّ الناسُ ) )؛ أي سكتوا مطرقين، يقال أضبوا؛ إذا سكتوا، وأصبوا إذا تكلموا، وأصلُ أضبَّ أضْمَرَ ما في قلبه، ويقال أضبَّ على الشَّيء لزمه والاسم الضَّب كالحيوان المشهور، ويحتمل أن يكون المراد

ج 28 ص 611

أنَّهم علموا رأي عمر بن عبد العزيز في إنكار القسامة، فلمَّا سألهم سكتوا مُضمرين مخالفته، ثمَّ تكلَّم بعضُهم بما عنده في ذلك كما وقع في هذه الرِّواية حيث قال (قَالُوا) وفي الفرع كأصله ؛ أي قال قائلٌ منهم (الْقَسَامَةُ الْقَوَدُ بِهَا حَقٌّ) القسامة مبتدأ، وقوله القَودُ مبتدأ ثان، وحق خبره، والجملة خبر المبتدأ الأول، ومعنى حقٌّ واجب.

(وَقَدْ أَقَادَتْ بِهَا الْخُلَفَاءُ) وأرادوا بذلك ما تقدَّم نقلُه عن معاوية، وعن عبد الله بن الزُّبير، وكذا جاءَ عن عبدِ الملك بن مروان أنَّه أقادَ بها ثمَّ ندم، كما ذكره أبو قِلابة بعد ذلك. وفي رواية حمَّاد بن زيد، عن أيوب وحجَّاج الصَّوَّاف، عن أبي رجاء أنَّ عمر بن عبد العزيز استشار النَّاس بالقَسامة، فقال قومٌ هي حقٌّ؛ قَضَى بها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، وقَضَى بها الخلفاء. أخرجه أبو عَوَانة في «صحيحه» ، وأصله عند الشَّيخين من طريقه.

(قَالَ لِي مَا تَقُولُ يَابَا قِلاَبَةَ؟) فيها، وأصله يا أَبا قِلابة، بالهمز حذفت للتخفيف، وأبو قِلابة هو الرَّاوي في الحديث (وَنَصَبَنِي لِلنَّاسِ) أي أبرزني لمناظرتهم، أو لكونه كان خَلْفَ السَّرير فأَمَرَه أن يظهرَ، وفي رواية أبي عَوَانة وأبي قلابة (( خلف السَّرير قاعدٌ فالتفتَ إليه، وقال ما تقول يا أبا قلابة ) ).

(فَقُلْتُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، عِنْدَكَ رؤُوس الأَجْنَادِ) بفتح الهمزة وسكون الجيم بعدها نون، جَمْع جُنْد، وهو في الأصل الأنصارُ والأَعوان، ثمَّ اشتُهِر في المقاتلة، وكان عُمَرُ قَسَمَ الشَّام بعد موتِ أبي عبيدة ومعاذ على أربعة أمراء مع كلِّ أميرٍ جند، فكان كلٌّ من فلسطين ودمشق وحمص وقنسرين يسمَّى جندًا، باسم الجند الذين نزلوها، وقيل كان الرَّابع في الأردن، وإنَّما أُفْرِدَتْ قنسرين بعد ذلك. وفي رواية ابن ماجه، وصحَّحه ابن خُزيمة من طريق أبي صالحٍ الأشعري، عن أبي عبد الله الأشعري في غسل الأعقاب، قال أبو صالح فقلت لأبي عبد الله من حدَّثك؟ قال أمراءُ الأجناد خالد بن الوليد، ويزيد بن أبي سفيان، وشرحبيل بن حسنة، وعَمرو بن العاص.

(وَأَشْرَافُ الْعَرَبِ) أي رؤساؤهم، وفي رواية أحمد بن حرب (( وأشراف الناس ) )جمع شَرَفِ، يقال فلان شَرَفُ قَومِه؛ أي رئيسهم وكريمهم وذو قدرٍ وقيمةٍ عندهم يرفع النَّاسُ أبصارَهم للنَّظر إليه ويستشرفونه.

ج 28 ص 612

(أَرَأَيْتَ) أي أخبرني (لَو أَنَّ خَمْسِينَ مِنْهُمْ شَهِدُوا عَلَى رَجُلٍ مُحْصَنٍ) بفتح الصاد، كان (بِدِمَشْقَ) بكسر الدال وفتح الميم وسكون الشين المعجمة، البلد المشهور بالشَّام ديار الأنبياء عليهم السلام.

(أَنَّهُ قَدْ زَنَى، لَمْ يَرَوْهُ) وفي رواية أبي ذرٍّ عن الحمُّويي والمُسْتَملي (أَكُنْتَ تَرْجُمُهُ) في رواية حمَّاد (( شَهِدَ عندك أربعةٌ من أهل حمص على رجل من أهل دمشق أكنت ترجمه ) ) (قَالَ لاَ. قُلْتُ أَرَأَيْتَ لَو أَنَّ خَمْسِينَ مِنْهُمْ شَهِدُوا عَلَى رَجُلٍ بِحِمْصَ أَنَّهُ سَرَقَ) ويروى (أَكُنْتَ تَقْطَعُهُ وَلَمْ يَرَوْهُ؟ قَالَ لاَ، قُلْتُ فَوَاللَّهِ مَا قَتَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَدًا قَطُّ) وفي رواية حمَّاد (( لا والله لا أعلم رسول الله عليه وسلم قَتَلَ أحدًا من أهل الصلاة ) ) (إِلاَّ فِي إِحْدَى ثَلاَثِ خِصَالٍ) وفي رواية أحمد بن حرب (( إلَّا بإحدى ثلاث خصال ) )وهو موافقٌ لحديث ابن مسعود رضي الله عنه الماضي مرفوعًا في أول الدِّيات (( لا يحلُّ دَمُ امرئٍ مسلم ) ).

(رَجُلٌ قَتَلَ) بفتحات، مُتَلبِّسًا (بِجَرِيرَةِ نَفْسِهِ) بفتح الجيم؛ أي بما يجرُّه إلى نفسه من الذَّنب، أو من الجناية؛ أي فقَتَلَ ظُلْمًا (فَقُتِلَ) قصاصًا، بضم القاف وكسر الفوقية (أَو رَجُلٌ زَنَى بَعْدَ إِحْصَانٍ) وكذا امرأة (أَو رَجُلٌ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَارْتَدَّ عَنِ الإِسْلاَمِ) قيل هذا الحديثُ حجَّةٌ على أبي قلابة؛ لأنَّه إذا أَثبت القَسامة فَقَتَلَ قُتِل قصاصًا أيضًا. وأُجيب بأنَّه ربَّما أجاب بأنَّه بعد ثبوتها لا يستلزم القصاص لانتفاء الشَّرط.

(فَقَالَ الْقَوْمُ أَوَلَيْسَ) الهمزة للاستفهام والواو للعطف على مقدر لائق بالمقام (قَدْ حَدَّثَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) وعند مسلم من طريق ابن عون (( فقال عنبسة بن سعيد قد حدَّثنا أنس رضي الله عنه ) ) (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَطَعَ فِي السَّرَقِ) بفتح السين والراء، مصدر سَرَقَ سَرَقًا، وقال الكِرماني السَّرَق، جَمْعُ سارِق، وبالكسر السَّرِقة.

(وَسَمَرَ) بالتخفيف؛ أي كحل (الأَعْيُنَ) بالمساميرِ المُحْمَّاةِ، وفي رواية أبي ذرٍّ والأَصيلي بالتشديد، قال القاضي عياض والتَّخفيف أوجه (ثُمَّ نَبَذَهُمْ) بالذال المعجمة؛ أي طرحهم (فِي الشَّمْسِ) وعَنْبَسة المذكور، بفتح المهملة وسكون النون وفتح الموحدة بعدها سين مهملة هو الأمويُّ أخو عَمرو بن سعيد المعروف بالأشدق، واسم جدِّه العاص بن سعيد بن

ج 28 ص 613

أمية، وكان عَنْبَسَةُ من خيار أهل بيته، وكان عبد الملك بن مروان بعد أن قتل أخاه عَمرو بن سعيد يكرمه، وله رواية وأخبارٌ مع الحجَّاج بن يوسف، ووثَّقه ابن معين وغيرُه.

(فَقُلْتُ) أي قال أبو قلابة فقلت (أَنَا أُحَدِّثُكُمْ حَدِيثَ أَنَسٍ) رضي الله عنه (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَنَسٌ) وفي رواية أحمد بن حرب (( فإيايَّ حدث أنس ) ) (أَنَّ نَفَرًا مِنْ عُكْلٍ) بضم العين المهملة وسكون الكاف، وتقدم في الطَّهارة [خ¦233] وغيرها [خ¦4193] بلفظ (( العرنيين ) )، وجُمِعَ بأن بعضهم كان من عُكل، وبعضُهم كان من عرينة.

(ثَمَانِيَةً) نصب بدل من نفرًا (قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَايَعُوهُ عَلَى الإِسْلاَمِ، فَاسْتَوْخَمُوا الأَرْضَ) أي أرض المدينة فلم توافقهم وكرهوها، وأصله من الوخم، بالخاء المعجمة، يقال وخم الطَّعام إذا ثقل فلم يُسْتَمْرأ فهو وَخِيْمٌ.

(فَسَقِمَتْ) بكسر القاف (أَجْسَامُهُمْ) وفي رواية أحمد بن حرب (( أجسادُهم ) ) (فَشَكَوْا ذَلِكَ) السَّقم وعدم موافقة أرضِ المدينة لهم (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فلمَّا شكوا (قَالَ) لهم (أَفَلاَ تَخْرُجُونَ مَعَ رَاعِينَا) هو يسار ضدُّ اليمين، النُّوبِي، بضم النون وبالباء الموحدة (فِي إِبِلِهِ) أي التي يرعاها لنا (فَتُصِيبُونَ مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا) وفي رواية أحمد بن حرب (( من رِسْلِها ) )وهو بكسر الراء وسكون المهملة اللَّبن، وبفتحتين المال من الإبل والغنم، وقيل بل الإبل خاصَّةً إذا أرسلت إلى الماء تسمَّى رسلًا.

(قَالُوا بَلَى، فَخَرَجُوا فَشَرِبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا، فَصَحُّوا) بتشديد الحاء (فَقَتَلُوا رَاعِيَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يسارًا (وَأَطْرَدُوا) بفتح الهمزة وسكون الطاء، وروي بتشديد الطاء (النَّعَمَ) أي ساقوا الإبل (فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَرْسَلَ فِي آثَارِهِمْ) شبابًا من الأنصار قريبًا من عشرين، وكان أميرُهم كرزَ بنَ جابر في السَّنة السَّادسة (فَأُدْرِكُوا) بضم الهمزة على البناء للمفعول (فَجِيءَ بِهِمْ، فَأَمَرَ) رسول الله صلى الله عليه وسلم (بِهِمْ فَقُطِّعَتْ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ) بتشديد الطاء في الفرع (وَسَمَرَ) بالتخفيف، وفي رواية أبي ذرٍّ بالتشديد؛ أي كحل (أَعْيُنَهُمْ) فاقتصَّ منهم بمثل ما فعلوا.

وقال الشَّافعي إنَّه منسوخٌ، وتقدير ذلك أنَّه صلى الله عليه وسلم لمَّا فعل ذلك بالعرنيين كان بحكم الله

ج 28 ص 614

وحيًا أو باجتهاد مصيب، فنزلت آية المحاربة {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [المائدة 33] الآية ناسخةً لذلك.

(ثُمَّ نَبَذَهُمْ) أي طرحهم (فِي الشَّمْسِ حَتَّى مَاتُوا) قال أبو قلابة (قُلْتُ) وفي نسخة (وَأَيُّ شَيْءٍ أَشَدُّ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلاَءِ، ارْتَدُّوا عَنِ الإِسْلاَمِ، وَقَتَلُوا) الرَّاعي (وَسَرَقُوا) النعم (فَقَالَ عَنْبَسَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَاللَّهِ إِنْ سَمِعْتُ كَالْيَوْمِ قَطُّ) بكسر الهمزة وتخفيف النون بمعنى ما النافية، والمفعول محذوف؛ أي ما سمعتُ قبل اليوم مثل ما سمعت منك اليوم يا أبا قلابة (فَقُلْتُ أَتَرُدُّ عَلَيَّ) بتشديد الياء.

(حَدِيثِي يَا عَنْبَسَةُ) كأنَّه فهم من كلام عنبسة إنكار ما حَدَّثَ به، وفي رواية حماد (( فقال عنبسة يا قوم ما رأيت كاليوم قط ) )، ووقع في رواية ابن عون (( تتهمني يا عنبسة ) ) (قَالَ لاَ) أي قال عنبسة لا أردُّ عليك (وَلَكِنْ جِئْتَ بِالْحَدِيثِ عَلَى وَجْهِهِ) وفي رواية ابن عون قال لا، هكذا حدَّثنا أنس. وهذا دالٌّ على أنَّ عنبسة كان سَمِعَ حديث العكليين من أنس، وفيه إشعارٌ بأنَّه كان غير ضابطٍ له على ما حدَّث به أنس، فكان يظنُّ أنَّ فيه دليلًا على جواز القتل في المعصية ولو لم يَقَعِ الكُفْرُ، فلمَّا ساق أبو قلابة الحديثَ فذكر أنَّه هو الَّذي حدَّثهم به أنس فاعترفَ لأبي قلابة بضبطه ثمَّ أثنى عليه.

(وَاللَّهِ لاَ يَزَالُ هَذَا الْجُنْدُ) أي أهل الشَّام (بِخَيْرٍ مَا عَاشَ هَذَا الشَّيْخُ) أي أبو قلابة (بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ) ووقع في رواية ابن عون (( يا أهل الشام لا تزالون بخير ما دام هذا ومثل هذا ) )، وفي رواية حمَّاد (( والله لا يزال هذا الجند بخيرٍ ما أبقاك الله بين أظهرهم ) )قال أبو قلابة

(قُلْتُ وَقَدْ كَانَ فِي هَذَا) قال الكِرماني أي في شأنه (سُنَّةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وهي إن لم يحلف المدَّعي للدم بل حلف المدَّعى عليه أولًا، فقوله دخل عليه ... إلى آخره بيان لهذه السنة (دَخَلَ عَلَيْهِ) صلى الله عليه وسلم (نَفَرٌ مِنَ الأَنْصَارِ) يحتمل أنَّهم عبد الله بن سهل ومُحَيِّصَة (فَتَحَدَّثُوا عِنْدَهُ، فَخَرَجَ رَجُلٌ مِنْهُمْ) إلى خيبر (بَيْنَ أَيْدِيهِمْ) هو عبد الله بن سهل (فَقُتِلَ) بها (فَخَرَجُوا بَعْدَهُ) إلى خيبر (فَإِذَا هُمْ بِصَاحِبِهِمْ) عبد الله بن سهل (يَتَشَحَّطُ) بفتح التحتية والفوقية والشين والحاء المشدَّدة والمُهْمَلة

ج 28 ص 615

بعدها طاء مهملة أيضا؛ أي يضطرب.

(فِي الدَّمِ) وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَني (فَرَجَعُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ، صَاحِبُنَا) عبد الله بن سهل الذي (كَانَ يُحَدِّثُ) والذي في اليونينية (مَعَنَا) عندك (فَخَرَجَ بَيْنَ أَيْدِينَا) إلى خيبر (فَإِذَا نَحْنُ بِهِ) عندها (يَتَشَحَّطُ فِي الدَّمِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) من بيته أو من مسجده إليهم (فَقَالَ) لهم (بِمَنْ تَظُنُّونَ، أَو تَرَوْنَ) بضم الفوقية أو بفتحها، وهو بمعنى تظنون، والشَّكُّ من الرَّاوي، وفي رواية أبي ذرٍّ (قَتَلَهُ، قَالُوا نرَى) بضم النون أو بفتحها؛ أي نظنُّ (أَنَّ الْيَهُودَ قَتَلَتْهُ) بتاء التأنيث، قال العيني كذا في رواية المستملي، وفي رواية غيره (( قتله ) )بدون التاء، قال وقوله في (( فتح الباري ) )وفي رواية المُسْتَملي بصيغة الجمع غلطٌ فاحشٌ؛ لأنَّه مفرد مؤنث ولا يصحُّ أن يقال قتلنه، بالنون بعد اللام؛ لأنَّه صيغة جمع مؤنث.

(فَأَرْسَلَ) صلى الله عليه وسلم (إِلَى الْيَهُودِ فَدَعَاهُمْ) فقال لهم مستفهمًا (آنْتُمْ) بمد الهمزة (قَتَلْتُمْ هَذَا؟ قَالُوا لاَ قال) صلى الله عليه وسلم للمدعين (أَتَرْضَوْنَ نَفَلَ) بفتح النون والفاء مصححًا عليها في الفَرْع كأصله، وقال في الفتح بسكونها.

وقال الكِرماني بسكون الفاء وفتحها الحلف وأصله النفي، وسمِّي اليمين في القَسامة نفلًا؛ لأنَّ القصاص ينفى بها وينفلون؛ أي يحلفون أي أترضون بحلف.

(خَمْسِينَ) رجلًا (مِنَ الْيَهُودِ) أنَّهم (مَا قَتَلُوهُ، فَقَالُوا) إنَّهم (مَا يُبَالُونَ أَنْ يَقْتُلُونَا أَجْمَعِينَ، ثُمَّ يَنْتَفِلُونَ) بفتح التحتية وسكون النون وفتح الفوقية وكسر الفاء، وفي نسخة بضم التحتية وسكون النون، وفي رواية أبي ذرٍّ والأَصيلي بضم التحتية وفتح النون وتشديد الفاء مكسورة أي يَحْلِفُون (قَالَ) صلى الله عليه وسلم للمدَّعين (أَفَتَسْتَحِقُّونَ الدِّيَةَ) بهمزة الاستفهام

ج 28 ص 616

(بِأَيْمَانِ خَمْسِينَ مِنْكُمْ) بالإضافة (قَالُوا مَا كُنَّا لِنَحْلِفَ) بالنصب؛ أي لِأَنْ نَحْلِفَ (فَوَدَاهُ) أي النَّبي صلى الله عليه وسلم (مِنْ عِنْدِهِ) وفي رواية سعيد بن عبيد فوداهُ مئة من إبل الصَّدقة، وسبق الجَمْعُ بينهما باحتمال أن يكون اشتراها من إبل الصَّدقة بمالٍ دَفَعَه من عنده.

وفي الحديث أنَّ اليمينَ توجَّه أولًا على المدَّعى عليه لا على المدَّعي كما في قصَّة النَّفر الأنصاريين، واستُدِلَّ بإطلاق قوله (( خمسين منكم ) )على أنَّ من يحلف في القسامة لا يشترط أن يكون رجلًا ولا بالغًا، وبه قال أحمد، وقال مالك لا يدخل النِّساء في القَسامة.

وقال الشَّافعي لا يحلف في القَسامة إلَّا الوارث البالغ؛ لأنَّها يمينٌ في دعوى حكميَّة، فكانت كسائر الأيمان، ولا فرق في ذلك بين الرِّجال والنِّساء.

وقد نبَّه ابن المنيِّر في «الحاشية» على النُّكتة في كون البخاريِّ لم يورد في هذا البابِ الطَّريقَ الدَّالة على تَحْلِيفِ المدَّعِي، وهي ما يخالفُ فيه القسامة بقيَّة الحقوق، وقال مذهب البخاري تضعيف القَسامة، فلهذا صدَّر البابَ بالأحاديث الدَّالَّة على أنَّ اليمينَ في جانب المدَّعى عليه، وأورد حديث سعيد بن عبيد وهو جارٍ على القواعد وإلزام المدعى عليه البيِّنة ليس من خصوصِ القَسامة من شيءٍ، ثمَّ ذكر حديث القسامة الدَّال على خروجها عن القواعد بطريقِ العرض في كتاب الموادعة والجزية فرارًا من أن يذكرها هنا فيغلط المستدلُّ بها على اعتقادِ البخاري.

قال الحافظُ العسقلاني بعد أن نقل ذلك والَّذي يظهرُ لي أنَّ البخاري لا يضعِّف القَسامة من حيث هي بل يوافق الشَّافعي في أنَّه لا قودَ فيها، ويخالفه في أنَّ الَّذي يحلف فيها المدَّعي، بل يرى أن الرِّوايات اختلفت في ذلك في قصَّة الأنصار ويهود خيبر، فيردُّ المختلفَ إلى المتَّفَقِ عليه من أنَّ اليمينَ على المدَّعى عليه.

فمن ثَمَّةَ أورد رواية>َ سعيدِ بن عُبيد في باب القَسامة وطريقَ يحيى بن سعيد في بابٍ آخر، وليس في شيءٍ من ذلك تضعيفُ أصل القَسامة، وادَّعى بعضُهم أنَّ قوله (( يحلفون فتستحقون ) )

ج 28 ص 617

استفهام إنكار واستعظامٌ للجَمْع بين الأمرين، وتُعُقِّب بأنَّهم لم يبدؤوا بطلب اليمين حتَّى يصحَّ الإنكار عليهم، وإنَّما هو استفهام تقريرٍ وتشريع.

وقال القرطبيُّ الأَصل في الدَّعاوي أنَّ اليمينَ على المدَّعى عليه، وحكم القسامة أصلُ بِنَفْسِه لتعذُّر إقامة البيِّنة على القتل فيها غالبًا، فإنَّ القاصد للقتل يقصد الخلوة ويترصَّد الغفلة وتأيَّدت بذلك الرواية الصَّحيحة المتَّفق عليها، وبقيَ ما عدا القَسامة على الأصل، ثمَّ ليس ذلك خروجًا عن الأصل بالكلية بل لأنَّ المدَّعى عليه إنَّما كان القول قوله لقوة جانبه بشهادة الأصل له بالبراءة ممَّا ادَّعى عليه، وهو موجودٌ في جانب المدعي لقوة جانبه باللَّوْثِ الَّذي يُقَوي دعواه، انتهى ثمَّ إنَّ قوله وقد كانت في هذا سنة ... إلى قوله فوداه من عنده، من كلام أبي قِلابة أورده مرسلًا.

قال الحافظُ العسقلاني ويغلبُ على ظنِّي أنَّه قصَّة عبد الله بن سُهيل ومُحَيِّصة. فإن كان كذلك فلعلَّ عبد الله بن سهل ورفقتهِ تحدَّثوا عند النَّبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يتوجَّهوا إلى خَيبر، ثمَّ توجَّهوا فقُتِلَ عبدُ الله بن سهل، كما تقدَّم، وهو المراد بقوله هنا فخرج رجلٌ منهم بين أيديهم فقُتِلَ، والله أعلم.

قال أبو قلابة وهي قصَّةٌ موصولةٌ بالسند المذكور لكنَّها مرسلةٌ؛ لأنَّ أبا قِلابة لم يدركْ عمرَ رضي الله عنه.

(قُلْتُ وَقَدْ كَانَتْ هُذَيْلٌ) بالذال المعجمة، القبيلة المشهورة المنسوبة إلى هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر (خَلَعُوا خَلِيعًا لَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ) بفتح الخاء المعجمة فيهما وبالعين المهملة وكسر اللام في الثاني، وهو فعيل بمعنى مفعول، يقال تخالعَ القوم إذا نَقَضوا الحِلْفَ بينهم، فإذا فعلوا ذلك لم يُطَالَبُوه بجنايته فكأنَّهم خلعوا اليمين التي كانوا لَبِسُوها معه، ومنه سمِّي الأمير إذا عزل خليعًا ومخلوعًا.

وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَني بالحاء المهملة والفاء بدل المعجمة والعين المهملة. وقد كانت العرب يتعاهدون على النُّصرة وأن يُؤخذ كلٌّ منهم بالآخر، فإذا أرادوا أن يَتَبرَّؤوا من الَّذين حالفوه أظهروا ذلك للنَّاس،

ج 28 ص 618

وسمُّوا ذلك الفعل خلْعًا والمبرَّأ منه خليعًا؛ أي مخلوعًا فلا يأخذونَ بجنايته ولا يأخذ بجنايتهم فكأنَّهم قد خلعوا اليمين التي كانوا لَبِسُوها معه، ولم يكن ذلك في الجاهليَّة يختصُّ بالحليف بل كانوا خلعوا الواحد من القبيلة ولو كان من صميمها إذا صدرت منه جناية تقتضِي ذلك. وهذا ممَّا أبطله الإسلام من حكم الجاهليَّة ومن ثمَّة قيَّده في الخبر بقوله في الجاهليَّة.

قال الحافظُ العسقلاني ولم أقف على اسم الخليع المذكور، ولا على اسم أحدٍ ممَّن ذُكِرَ في القصَّة.

(فَطُرِقَ أَهْلُ بَيْتٍ) بضم الطاء المهملة وكسر الراء على البناء للمفعول (مِنَ الْيَمَنِ بِالْبَطْحَاءِ) وادٍ بمكَّة؛ أي هَجَمَ عليها ليلًا في خفيةٍ ليَسْرِقَ منهم (فَانْتَبَهَ لَهُ رَجُلٌ مِنْهُمْ) من أهل البيت (فَحَذَفَهُ) بالحاء المهملة والذال المعجمة؛ أي رماه (بِالسَّيْفِ فَقَتَلَهُ، فَجَاءَتْ هُذَيْلٌ، فَأَخَذُوا) الرَّجل (الْيَمَانِيَ) بالتخفيف ويروى بالتشديد (فَرَفَعُوهُ إِلَى عُمَرَ) أي ابن الخطَّاب رضي الله عنه (بِالْمَوْسِمِ) بكسر السين، وهو الوقت الَّذي يجتمعُ فيه الحاجُّ كلَّ سنةٍ، كأنَّه وسم بذلك الموسم، وهو مَفْعِلٌ منه اسم زمان؛ لأنَّه مَعْلَمٌ لهم، يقال وَسَمه يَسِمه وَسْمًا وسِمَة إذا أثر فيه (وَقَالُوا قَتَلَ صَاحِبَنَا، فَقَالَ) أي القاتل إنَّ المقتول لصٌّ.

(وَإِنَّهُمْ) يعني قومه (قَدْ خَلَعُوهُ) وفي نسخة بحذف الهاء (فَقَالَ عُمَر) رضي الله عنه (يُقْسِمُ) بضم أوله؛ أي يحلف (خَمْسُونَ مِنْ هُذَيْلٍ) أنَّهم (مَا خَلَعُوهُ) وفي نسخة بحذف الهاء (قَالَ فَأَقْسَمَ مِنْهُمْ تِسْعَةٌ وَأَرْبَعُونَ رَجُلًا) أنَّهم ما خلعوهُ كاذبين (وَقَدِمَ رَجُلٌ مِنْهُمْ) أي من هذيل (مِنَ الشَّأْمِ، فَسَأَلُوهُ أَنْ يُقْسِمَ) كقَسَمِهِم (فَافْتَدَى يَمِينَهُ مِنْهُمْ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، فَأَدْخَلُوا) بفتح الهمزة (مَكَانَهُ رَجُلًا آخَرَ، فَدَفَعَهُ إِلَى أَخِي الْمَقْتُولِ، فَقُرِنَتْ) بضم القاف (يَدُهُ بِيَدِهِ، قَالُوا) وفي رواية أبي ذرٍّ .

(فَانْطَلَقَا) نحن (وَالْخَمْسُونَ الَّذِينَ أَقْسَمُوا) أنَّهم ما خلعوه، وهو من إطلاق الكلِّ وإرادة الجزء؛ لأنَّ الَّذين أقسموا تسعةٌ وأربعون، أو المراد الخمسون تقريبًا

ج 28 ص 619

(حَتَّى إِذَا كَانُوا بِنَخْلَةَ) بفتح النون وسكون الخاء المعجمة موضعٌ على ليلةٍ من مكَّة لا ينصرف (أَخَذَتْهُمُ السَّمَاءُ) أي المطر (فَدَخَلُوا فِي غَارٍ فِي الْجَبَلِ، فَانْهَجَمَ) بسكون النون وفتح الهاء؛ أي سقط بغتةً، وفي رواية الأصيلي (الْغَارُ عَلَى الْخَمْسِينَ الَّذِينَ أَقْسَمُوا فَمَاتُوا جَمِيعًا، وَأَفْلَتَ) بضم الهمزة على البناء للمفعول أي تخلَّص، يقال أفلت وتفلت وانفلت كلُّهم بمعنى تخلَّص.

(الْقَرِينَانِ) أخو المقتول والرَّجل الَّذي جعلوه مكان الرَّجل الشَّامي، وهما اللَّذان قرنت يد أحدهما بيد الآخر؛ أي تخلصا (وَاتَّبَعَهُمَا) بتشديد الفوقية بعد همزة الوصل وبالموحدة (حَجَرٌ) أي وقع عليهما بعد أن تخلَّصا وخرجا من الغار.

(فَكَسَرَ رِجْلَ أَخِي الْمَقْتُولِ، فَعَاشَ حَوْلًا ثُمَّ مَاتَ) وحاصل القصَّة أنَّ القاتل ادَّعى أنَّ المقتول لصٌّ، وأنَّ قومه خلعوهُ، فأنكروا ذلك وحلفوا كاذبين فأهلكهُم الله بحنثِ القسامة وخلَّص المظلومَ وحدَهُ.

والغرضُ من هذه القصَّة أنَّ الحَلْفَ توجَّه أولًا على المدَّعى عليه لأجل المدَّعي كقصَّة النَّفر من الأنصار، هذا، وقال أبو قلابة بالسَّند السَّابق موصولًا (قُلْتُ وَقَدْ كَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ أَقَادَ رَجُلًا) قال الحافظ العسقلاني لم أقف على اسمه (بِالْقَسَامَةِ، ثُمَّ نَدِمَ بَعْدَ مَا صَنَعَ) بَعْدُ بضم الدال، وفي رواية أحمد بن حرب (( على الذي صَنَعَ ) ) (فَأَمَرَ بِالْخَمْسِينَ الَّذِينَ أَقْسَمُوا) وفي رواية أحمد بن حرب (( الذين حلفوا ) ) (فَمُحُوا) بضم الميم والحاء المهملة (مِنَ الدِّيوَانِ) بكسر الدال وفتحها الدَّفتر الَّذي يُكْتَبُ فيه أسماءُ الجيش وأصل العطاء، فارسيٌ معرَّب، وأوَّلُ من دوَّن الدِّيوانَ عمرُ رضي الله عنه (وَسَيَّرَهُمْ) أي نفاهم (إِلَى الشَّأْمِ) وفي رواية أحمد بن حرب عند أبي نعيمٍ في «مستخرجه» (( من الشام ) )بدل (( إلى الشام ) )وهذه أوجه؛ لأنَّ إقامةَ عبد الملك كانت بالشَّام، ويحتمل أن يكون وقع ذلك بالعراق عند محاربة مصعب بن الزُّبير، فحينئذٍ يكونون من أهل العراق فنفاهُم إلى الشَّام.

وقال القابسي، بالقاف والموحدة عجبًا لعمر بن عبد العزيز كيف أبطلَ

ج 28 ص 620

حكم القَسامَةِ الثابت بحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمل الخلفاء الراشدين بقول أبي قلابة، وهو من جملة التَّابعين وسَمِعَ منه في ذلك قولًا مرسلًا غيرَ مسندٍ مع أنَّه انقلبت عليه قصَّة الأنصار إلى قصَّة خيبر، فركَّب إحداهما مع الأخرى لقلَّة حفظه، وكذا سمع حكايةً مرسلةً مع أنَّها لا تعلُّق لها بالقسامة إذ الخُلْعُ ليس قَسامةً، وكذا محو عبد الملك لا حجَّة فيه.

وقال المهلَّب الَّذي اعترض به أبو قِلابة من قصَّة العرنيين لا يفيد مراده من ترك القَسامة لجواز قيام السُّنَّة [1] ، والدَّلائل التي لا تُدْفَعُ على تحقُّق الجناية في حقِّ العرنيين، فليس قِصَّتُهم من طريق القسَامة في شيءٍ؛ لأنَّها إنَّما تكون في الاكتفاء بالقتل حيث لا بيِّنة ولا دليل، وأمَّا العرنيون فإنَّهم كشفوا وجوهَهُم لقطع السَّبيل والخروج على المسلمين، فكان أمرهم غيرَ أَمْرِ من ادَّعى القتل حيث لا بيِّنة هناك.

قال وما ذكره من انهدامِ الغار يُعارضه ما تقدَّم من السُّنَّة، قال وليس رأي أبي قِلابة حجَّةً ولا ترد به السُّنَّة، وكذا محو عبد الملك أسماء الَّذين أقسموا من الدِّيوان.

وقال الحافظ العسقلاني الَّذي يظهرُ لي أنَّ مرادَ أبي قِلابة بقصَّة العرنيين خلافُ ما فهمه المهلَّب أنَّ قصَّتهَم كان يمكن فيها القَسامة، ولم يفعلْها النَّبي صلى الله عليه وسلم وإنَّما أرادَ الاستدلال بها لما ادَّعاه من الحَصْرِ الَّذي ذكره في أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم لم يقتلْ أحدًا إلا لإحدى ثلاثٍ فعورض بقطعه العرنيين، وحاول المعترض إثباتَ قِسمٍ رابعٍ فردَّ عليه أبو قلابة حاصله أنَّهم استوجبوا القتل بقتلهم الرَّاعي وبارتدادهم عن الدَّين، وهذا بيِّنٌ لا خفاء فيه.

وإنَّما استُدِلَّ على تَرك القَود بالقَسامة بقصة القتيل عند اليهود، فليس فيها للقود بالقسامة ... ذِكْرٌ، بل ولا في أَصْلِ القصةِ التي هي عمدةُ الباب تصريحٌ بالقَودَ.

وقال ابن المنِّير ما حاصله توهَّم المهلبُ أنَّ أبا قِلابة عارض حديث القَسامة بحديث العرنيين فأنكر عليه، فوهم وإنَّما اعترض أبو قلابة بالحديث الدَّال على حصر القتل في ثلاثة أشياء، فإنَّ الَّذي عارضه ظنَّ أنَّ في قصة العرنيين حجَّةً في جواز قَتْلِ من لم يُذْكَرْ في الحديثِ المذكور، وبه كان

ج 28 ص 621

يتمسَّك الحجَّاج في قَتْلِ من لم يثبت عليه واحدةٌ من الثلاث، وكأنَّ عنبسةَ تلقَّف ذلك عنه، فإنَّه كان صديقَه فبيَّن أبو قلابة أنَّه ثبت عليهم قتل الرَّاعي بغير حقٍّ والارتداد عن الإسلام، وهو جوابٌ ظاهرٌ، فلم يورد أبو قلابة قصَّة العرنيين مستدلًا بها على ترك القَسامة بل على من تمسَّك بها للقَود بالقَسامة من غير علمٍ كما وقع في حديث ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما في قصَّة القتيل التي وقعت القسامة بسببهِ قبل البعثة، وقد مضى في كتاب المبعث.

ثمَّ إنَّه ليس في قصَّة الهذليين تصريحٌ بما صنع عمر رضي الله عنه هل أَقَادَ بالقَسامة أو حَكَمَ بالدِّية، فقولُ المهلَّب ما تقدَّم من السُّنَّة، إن كان أشارَ به إلى صَنيع عمر رضي الله عنه فليس بواضحٍ، وأمَّا قوله إن رَأْيَ أبي قِلابة ومَحْوَ عبدِ الملك من الدِّيوان لا تُرَدُّ به السُّنَّة، فمقبولٌ لكن ما هي السُّنَّة التي ورَدَتْ بذلك.

قال الحافظ العسقلاني لم يظهر لي وجه استدلال أبي قلابة بأنَّ القتل لا يشرع إلَّا في الثَّلاثة لردِّ القَود بالقَسامة مع أنَّ القودَ قتل نفسٍ بنفسٍ وهو أحد الثَّلاثة، وإنَّما وقع النِّزاع في الطَّريق إلى ثبوت ذلك، والله تعالى أعلم، هذا، ثمَّ إنَّ إيرادَ البخاريِّ هذا الحديثَ هنا من حيث إنَّ الحَلْفَ فيه توجَّهَ أولًا على المدَّعى عليه لا على المدَّعي كقصَّة النَّفَر من الأنصار، كما تقدَّم فليُتَأمَّل فيه.

[1] في هامش الأصل في نسخة لجواز إقامة البينة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت