فهرس الكتاب

الصفحة 10273 من 11127

6926 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الْحَسَنِ) الكسائي، نزيل بغداد، ثمَّ مكَّة، قال (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ) هو ابنُ المبارك المروزي، قال (أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ) أي ابن الحجَّاج (عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) وسقط في رواية غير أبي ذرٍّ، أنَّه (قَالَ سَمِعْتُ) جدِّي (أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) رضي الله عنه (يَقُولُ مَرَّ يَهُودِيٌّ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ السَّامُ عَلَيْكَ) بالإفراد اتِّفاقًا ولم يختلف أحدٌ أنَّ لفظ (( عليك ) )بالإفراد في حديث أنسٍ، وكذا في رواية الكُشميهنيّ في حديث عائشةَ رضي الله عنه، والحديثِ الَّذي يليه، وفي رواية غيره وكذا الخلاف في حديث ابنِ عمرَ الَّذي بعده.

(فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْكَ) فإن قيل الواو في وعليك تقتضي التَّشريك، قيل معناه وعليك ما يستحقُّ من اللَّعنة والعذاب أو ثمَّة مقدر؛ أي وأنا أقول عليك، أو الموت مشتركٌ؛ أي نحن وأنتم كلُّنا نموت، قاله الكرماني (فَقَالَ) وفي نسخة (رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَدْرُونَ مَا يَقُولُ) وفي رواية أبي ذرٍّ (قَالَ السَّامُ عَلَيْكَ، قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلاَ) بالتخفيف (نَقْتُلُهُ؟ قَالَ لاَ) أي لا تقتلوه (إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ، فَقُولُوا) لهم (وَعَلَيْكُمْ) أي ما تستحقُّونه من اللَّعنة والعذاب، الظَّاهر أنَّ البخاري يختار في هذا مذهب الكوفيِّين، فإنَّ عندهم من سب النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أو عابه

ج 29 ص 27

فإن كان ذميًّا عزر ولا يقتلُ وهو قول الثَّوري أيضًا.

وقال أبو حنيفة إن كان مسلمًا صار مرتدًّا بذلك لا ينتقصُ عهده، وقال الطَّحاوي وقول اليهودي لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السَّام عليك، لو كان صادرًا من مسلمٍ لكانت ردَّة يقتل به، وأمَّا صدوره من اليهود فالَّذي هم عليه من الكفر أشدُّ من سبِّه، ولذلك لم يقتله النَّبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وتعقِّب بأنَّ دماءهم لم تحقن إلَّا بالعهد، وليس في العهد أنَّهم يسبُّون النَّبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فمن سبَّه منهم تعدَّى العهد فينتقضُ فيصير كافرًا بلا عهدٍ، فيهدر دمه إلَّا أن يُسلمَ.

ويؤيِّده أنَّه لو كان كل ما يعتقدونه لا يؤاخذون به؛ لكانوا لو قَتلوا مسلمًا لم يُقتلوا؛ لأنَّ مِن معتقدهم حلَّ دماء المسلمين، ومع ذلك لو قَتل منهم أحدٌ مسلمًا لقُتل به، فإن قيل إنَّما يُقتل بالمسلم قصاصًا به بدليل أنَّه يُقتل به ولو أسلم، ولو سبَّ ثمَّ أسلم، لم يقتل؟!

قيل الفرق بينهما أنَّ قتل المسلم يتعلَّق بحقّ آدميّ فلا يُهدر، وأمَّا السَّبُّ فإنَّ وجوبَ القتل به يَرجع إلى حقِّ الدّين، فيهدمه الإسلام، قال الحافظ العَسقلانيّ والَّذي يظهر أنَّ ترك قتل اليهوديّ إنَّما كان لمصلحة التَّأليف، أو لكونهم لم يُعلنوا به، بل يمكن أن يُحمل على الدُّعاء بالموت الَّذي لا بدَّ منه، ولذلك قال في الرَّد وعليكم؛ أي الموت نازلٌ علينا وعليكم، أشار إلى ذلك القاضي عِياض فلم يكن صريحًا في السَّبّ، فلذلك لم يقتله.

وقد تقدَّم أنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يقتلهم بما هو أعظم منه وهو الشِّرك، ونقل ابنُ المنذر الاتِّفاق على أنَّ من سبَّ النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بما هو قذفٌ صريحٌ كَفَرَ باتِّفاق العلماء، فلو تابَ لم يسقط عنه القتل؛ لأنَّ حدَّ قذفهِ القتلُ، وحدُّ القذفِ لا يَسقط بالتَّوبة.

وخالفه القفَّال فقال كَفَرَ بالسَّبّ فسقطَ القتل بالإسلام، وقال الصَّيدلانيّ يزولُ القتل ويجب حدُّ القذف، وضعَّفه الإمام، فإن عَرّضَ فقال الخطَّابي لا أعلم خلافًا في وجوبِ قتله إذا كان مسلمًا.

وقال ابن بطَّال اختلفَ العلماء في مَن سبَّ

ج 29 ص 28

النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فأمَّا أهل العهدِ والذِّمَّة كاليهود فقال ابن القاسم عن مالكٍ يقتل إلَّا أن يسلم، وأمَّا المسلم فيقتلُ بغير استتابةٍ، ونقل ابن المنذر عن اللَّيث والشَّافعيّ وأحمدَ وإسحاقَ مثلَه في اليهود ونحوه. ومن طريق الوليد بن مسلم عن الأوزاعيّ ومالك في المسلم هي ردَّة يُستتاب منها، وعن الكوفيِّين إن كان ذميًّا عُزّر، وإن كان مسلمًا فهي ردَّة. وحكى القاضي عياض خلافًا، هل كان ترك قتل من وقع منه ذلك؛ لعدم التَّصريح، أو لمصلحة التَّأليف، ونقل عن بعض المالكيَّة أنَّه إنَّما لم يقتل اليهودي في هذه القصَّة؛ لأنَّهم لم تقم عليهم البيِّنة بذلك، ولا أقرُّوا به، فلم يقض فيهم بعلمه.

وقيل إنَّهم لم يظهروه ولَووه بألسنتهم فترك قتلهم، وكذا من قال السَّأم _ بالهمز _ بمعنى السَّآمة وهو دعاءٌ بأن يَملُّوا الدِّين، وليس بصريحٍ في السَّبّ هذا، فإن قيل قتل النَّبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كعب بن الأشرف فإنَّه قال (( من لكعب بن الأشرف فإنَّه يؤذي الله ورسوله ) )، ووجه إليه من قتلَه غيلةً، وقتل أبا رافعٍ. قال البزَّار كان يؤذي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ويعينُ عليه.

وفي حديثٍ آخر أنَّ رجلًا كان يسبُّه فقال (( من يكفيني عدوّي ) )فقال خالد أنا فبعثه إليه فقتله، قال ابن حزمٍ وهو حديثٌ صحيحٌ مسند رواه عن النَّبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رجلٌ من بلقين. وقال ابن المديني وهو اسمه وبه يُعرف.

وذكر عبد الرَّزاق أنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سبَّه رجلٌ فقال (( من يكفيني عدوّي؟ فقال الزُّبير أنا فقتله ) ).

فكيف يقول الكوفيُّون لم يقتل الشَّارع القائل به من اليهود؛ لأنَّ ما هم عليه من الشِّرك أعظم من سبِّه؟ فالجواب في هذا كلِّه أنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يقتلهم بمجرَّد سبِّهم، وإنَّما كانوا عونًا عليه، ويجمعون من يحاربونه.

ويؤيِّده ما رواه البزَّار عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّ عُقْبةَ بن أبي مُعَيط نادى يا معاشر قريشٍ ما لي أُقتل مِن بينكم صبرًا، فقال له صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( بكفرك وافترائك على رسولِ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) )على أنَّ هؤلاء كلُّهم لم يكونوا من أهل الذِّمَّة، بل كانوا مشركين يحاربونَ الله ورسوله

ج 29 ص 29

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ، وقد أخرجه النَّسائي في (( اليوم والليلة ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت