6933 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) هو الجُعفيُّ المَسندي _ بفتح النون _، قال (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) هو ابنُ يوسف الصَّنعانيّ، قال (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابنُ راشدٍ
ج 29 ص 48
(عَنِ الزُّهْرِيِّ) ابن شهاب (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) هو ابنُ عبد الرَّحمن بن عوفٍ رضي الله عنه (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) سعد بن مالك الخدريِّ رضي الله عنه، أنَّه (قَالَ بَيْنَا) أصله بين فأشبعت فتحة النون فصارت بينا، وقد يقال بينما بزيادة الميم، وفي رواية شعيب (( بينما ) )بالميم وكلاهما يحتاجُ إلى جوابٍ، وجوابه هنا قوله جاء عبد الله.
(النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْسِمُ) قال الكرمانيُّ أي يقسم مالًا ولم يبيِّن المقسوم ما هو ولا متى كانت القسمة، وفي رواية شعيبٍ (( بينما نحن عند النَّبي صلى الله عليه وسلم وهو يقسم قَسْمًا ) )، زاد أفلح بن عبد الله في روايته (( يوم حنين ) ). وتقدَّم في (( الأدب ) ) [خ¦4351] من طريق عبد الرَّحمن بن أبي نعيم عن أبي سعيدٍ رضي الله عنه أنَّ المقسوم كان تبرًا؛ أي ذهبًا بعثه عليُّ بن أبي طالبٍ من اليمن سنة تسعٍ، وخصَّ به أربعة أنفسٍ الأقرع بن حابسٍ الحنظليّ، وعيينة بن حصن الفزاريّ، وعلقمة بن علاء العامريّ، وزيد الخير الطَّائيّ.
(جَاءَ عَبْدُ اللَّهِ) أي إذ جاء عبد الله (ابْنُ ذِي الْخُوَيْصِرَةِ) بضم الخاء المعجمة وبالصّاد المهملة، مصغّر الخاصرة (التَّمِيمِيُّ) وقد تقدَّم في (( باب علامات النُّبوة ) ) [خ¦3610] (( فأتى ذو الخويصرة رجلٌ من تميم ) )، وفي جل النُّسخ بل في كلِّها بزيادة الابن.
وأخرج الثَّعلبيّ ثمَّ الواحديّ في «أسباب النُّزول» من طريق محمَّد بن يحيى الذُّهليّ عن عبد الرَّزاق قال عن مَعمر [بلفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم قسمًا] إذ جاءه ابنُ ذي الخويصرة، وكذا عند الإسماعيلي من رواية عبد الرَّزاق ومحمَّد بن ثور وأبي شيبان الحميري وعبد الله بن معاذٍ أربعتهم عن مَعمر، وهو حرقوصُ بن زهير أصل الخوارج.
وقال الحافظ العَسقلاني وما أدري من الَّذي قال وهو حرقوصٌ ... إلى آخره، وقد اعتمدَ على ذلك ابن الأثير فترجم لذي الخويصرة في الصَّحابة، وساق هذا الحديث من طريق أبي إسحاق الثَّعلبي، وقال بعد فراغه فقد جعل في هذه الرِّواية اسم ذي الخويصرة حرقوصًا، وقد جاء أنَّ حرقوصًا اسم ذي الثُّدية.
وقد ذكر أبو جعفر الطَّبريّ حرقوص بن زهير في الصَّحابة، وذكر أنَّه كان له في فتوح العراق أثرٌ، وأنَّه الَّذي افتتح سوق
ج 29 ص 49
الأهواز، ثمَّ كان مع عليٍّ رضي الله عنه في حروبه، ثمَّ صار مع الخوارج فقتل معهم.
ووصف في رواية عبد الرَّحمن بن أبي نُعْم بأنَّه مشرف الوجنتين، غائر العينين، ناشز الجبهة، كثّ اللّحية، محلوق الرَّأس، مشمِّر الإزار. وفي حديث أبي بكرة عند أحمد والطَّبري (( فأتاه رجلٌ أسود طويل مشمّر محلوق الرَّأس بين عينيه أثر السُّجود ) ). وفي رواية أبي الرِّضا عن أبي بردة عند أحمد والطَّبريّ والحاكم (( أُتيَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بدنانير، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسمها ورجلٌ أسود مطموم الشَّعر بين عينيه أثر السُّجود ) ). وفي حديث عبد الله بن عَمرو رضي الله عنه عنهما عند البزَّار والطَّبري (( رجلٌ من أهل البادية حديثُ عهدٍ بأعرابيَّة ) ).
(فَقَالَ اعْدِلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ) بهمزة وصل وجزم اللام على الطَّلب؛ أي اعدل في القسمة، وفي رواية عبد الرَّحمن بن أبي نُعْم (( فقال اتَّق الله يا محمَّد ) )، وفي حديث عبد الله بن عَمرو عند البزَّار والحاكم (( فقال يا محمَّد، والله لئن كان الله أمرك أن تعدلَ ما أراك تعدل ) ). وفي رواية مقسم (( فقال يا محمَّد، قد رأيت الَّذي صنعت، قال وكيف رأيت؟ قال لم أرك عدلتَ ) )، وفي حديث أبي بكرة (( فقال يا محمَّد، والله ما تعدلُ ) )، وفي لفظ (( ما أراك عدلتَ في القسمة ) ).
(فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (وَيْحَكَ…) وفي رواية الكُشميهني ، وهي رواية شعيب [خ¦3610] والأوزاعيّ كما تقدَّم في (( الأدب ) ) [خ¦6163] (مَنْ) وفي رواية أبي ذرٍّ (يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَعْدِلْ؟) وفي رواية عبد الرَّحمن بن أبي نُعْم (( ومن يطع الله إذا عصيتُه؟ ) )، ولمسلمٍ من طريقه (( أولستُ أحقَّ أهل الأرض أن يطيع الله؟ ) ). وفي حديث عبد الله بن عَمرو (( وعند من يُلتمس العدل بعدي ) )، وفي رواية مِقْسم عنه (( فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال العدل إذا لم يكن عندي فعند من يكون؟ ) ). وفي حديث أبي بكرة (( فغضب
ج 29 ص 50
حتَّى احمرَّت وجنتاه )) . وفي حديث أبي برزة قال (( فغضب غضبًا شديدًا وقال والله لا تجدون بعدي رجلًا هو أعدل عليكم منِّي ) ).
(قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) رضي الله عنه يا رسول الله (دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَهُ) وفي رواية أبي ذرٍّ بهمزة قطعٍ منصوبًا بفاء الجواب، وفي رواية الأوزاعيّ (( فلأضرب ) )بزيادة لام، وفي حديث عبد الله بن عَمرو من طريق مقسمٍ عنه (( فقال عمر يا رسول الله، ألا أقومُ عليه فأضرب عنقه؟ ) ).
وقد تقدَّم في (( المغازي ) ) [خ¦3344] من رواية عبد الرَّحمن بن أبي نُعْم عن أبي سعيدٍ رضي الله عنه في هذا الحديث (( فسأله رجلٌ _ أظنُّه خالد بن الوليد _ قتلَه ) )، وفي روايةٍ لمسلم (( فقال ابن الوليد ) )بالجزم.
وأجاب الكرمانيُّ بقوله لا محذورَ في صدور هذا القول منهما، وعند مسلمٍ من طريق جرير عن عُمارة بن القعقاع بسنده فيه (( فقام عُمر بن الخطَّاب رضي الله عنه فقال يا رسول الله، ألا أضرب عنقه؟ قال لا، ثمَّ أدبرَ فقام إليه خالد بن الوليد سيف الله، فقال يا رسول الله، ألا أضربُ عنقه؟ قال لا ) )، فهذا نصٌّ في أنَّ كلًّا منهما سأل.
وقد يُستشكل سؤال خالدٍ في ذلك؛ لأنَّ بعث عليٍّ إلى اليمن كان عقب بعث خالد بن الوليد إليها، والذَّهب المقسوم أرسله عليٌّ من اليمن، كما في صدر حديث ابن أبي نُعْم عن أبي سعيدٍ، ويجاب عنه بأنَّ عليًّا رضي الله عنه لمَّا وصل إلى اليمن رجع خالدٌ منها إلى المدينة، فأرسل عليٌّ بالذَّهب فحضر خالدٌ قسمته.
وأمَّا حديث عبد الله بن عَمرو فإنَّه في قصَّة قسم وقع بالجعرانة من غنائم حنين، والسَّائل في قتله عمر بن الخطَّاب جزمًا، قال الحافظ العَسقلاني وقد ظهرَ لي أنَّ المعترض في الموطنين واحدٌ.
(قَالَ) صلى الله عليه وسلم لعمر رضي الله عنه (دَعْهُ) أي اتركه، وفي رواية شعيب (( فقال له دعه ) ) [خ¦3610] كذا لأبي ذرٍّ، وفي رواية الأوزاعي (( فقال ) )، وزاد أفلح بن عبد الله في روايته (( قال ما أنا الَّذي أقتل أصحابي ) ).
(فَإِنَّ لَهُ أَصْحَابًا،
ج 29 ص 51
يَحْقِرُ) بكسر القاف؛ أي يستقلُّ (أَحَدُكُمْ صَلاَتَهُ مَعَ صَلاَته، وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِ) كذا في هذه الرِّواية بالإفراد فيهما، وفي رواية شعيب وغيره (( مع صلاتهم ) )بصيغة الجمع فيه وفي قوله (( مع صيامهم ) ). وزاد في رواية شُعيب ويونس (( يقرؤون القرآن لا يجاوزُ تراقيهم ) )بمثناة وقاف جمع تَرْقُوَة _ بفتح أوله وسكون الراء وضم القاف وفتح الواو _ وهي العظمُ الَّذي بين ثغرة النَّحر والعاتق، والمعنى أنَّ قراءتهم لا يَرفعها الله ولا يقبلها، وقيل لا يَعملون بالقرآن، فلا يُثابون على قراءتهم، فلا يحصل لهم إلَّا سرده.
وقال النَّووي المراد أنَّهم ليس لهم فيه حظٌّ إلَّا مروره على لسانهم لا يصل إلى حلوقهم فضلًا عن أن يصلَ إلى قلوبهم؛ لأنَّ المطلوب تعقُّله وتدبُّره بوقوعه في قلوبهم.
قال الحافظ العَسقلاني وهو مِثْلُ قوله فيهم أيضًا (( لا يجاوز إيمانهم حناجرهم ) )؛ أي ينطقون بالشَّهادتين ولا يقرُّ بها قلبهم، ووقع في رواية لمسلم (( يقرؤون القرآن رطبًا ) )، قيل المراد الحذق في التِّلاوة؛ أي يأتون به على أحسن أحواله. وقيل المراد أنَّهم يواظبون على تلاوته، فلا تزال ألسنتهم رطبةً به، وقيل هو كنايةٌ عن حسن الصَّوت به حكاها القرطبيٌّ، ويرجح الأوَّل ما وقع في رواية أبي الودَّاك عن أبي سعيدٍ عند مسدَّد (( يقرؤون القرآن كأحسن ما يقرؤه النَّاس ) ). ويؤيِّد الآخر قوله في رواية مسلم بن أبي بكرة عن أبيه (( قومٌ أشدَّاء أحدّاء ذلقة ألسنتهم بالقرآن ) )، أخرجه الطَّبرانيّ.
وزاد هنا في رواية عبد الرَّحمن بن أبي نُعْم عن أبي سعيدٍ (( يقتلون أهل الإسلام، ويَدَعون أهل الأوثان ) )وأرجحها الثَّالث، ثمَّ إنَّ ظاهر قوله (( فإنَّ له أصحابًا ... ) )إلى آخره أنَّ ترك الأمر بقتلهِ بسبب أنَّ له أصحابًا بالصِّفة المذكورة، وهذا لا يقتضِي تركَ قتله مع ما ظهرَ منه من مواجهة النَّبي صلى الله عليه وسلم بما واجهه به، فيحتمل أن يكون لمصلحة التَّأليف كما فهمَه البخاريُّ؛ لأنَّه وصفهم بالمبالغة في العبادةِ مع إظهار الإسلام،
ج 29 ص 52
فلو أذن في قتلهم لكان في ذلك تنفيرٌ عن دخولِ غيرهم في الإسلام.
وفي «التَّوضيح» وفي قول عمر رضي الله عنه دليلٌ على أنَّ قتلَه كان مباحًا؛ لأنَّ الشَّارع لم ينكر عليه، وإنَّما أبقاهُ لمصلحة.
(يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ) أي الصَّيد المرميّ كالغزالة المرميَّة، والمروق سرعة نفوذ السَّهم من الرَّميَّة حتَّى يخرج من الطَّرف الآخر، ولشدَّة سرعة خروجه لقوَّة ساعد الرَّامي لا يعلق بالسَّهم من جسد الصَّيد شيءٌ (يُنْظَرُ) على البناء للمفعول (فِي قُذَذِهِ) بضم القاف وفتح الذال المعجمة الأولى، جمع قذة، وهي ريشُ السَّهم ليعرف هل أصابَ أو أخطأ (فَلاَ يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ) من أثر الصَّيد المرميِّ (ثُمَّ يُنْظَرُ فِي) وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهني (نَصْلِهِ) حديدة السَّهم (فَلاَ يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ) وسقط لفظ في رواية أبي ذرٍّ (ثُمَّ يُنْظَرُ فِي رِصَافِهِ) قد مرَّ ضبطه وتفسيره قريبًا (ثُمَّ يُنْظَرُ فِي نَضِيِّهِ) بفتح النّون وكسر الضّاد المعجمة وتشديد التّحتيّة بعدها هاء. وفي «التَّوضيح» وحكي فيه كسر النون، وهو عود السَّهم من غيرِ ملاحظة أن يكون له نصلٌ وريش.
(فَلاَ يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ) من دم الصَّيد أو غيره فيظنُّ أنَّه لم يصبه والفرض أنَّه أصابه (قَدْ سَبَقَ الْفَرْثَ) بفتح الفاء وسكون الراء بعدها مثلثة، السَّرجين ما دام في الكرش (وَالدَّمَ) أي جاوزهما ولم يعلق فيه شيءٌ منهما بل خرجا بعده، شبَّه خروجهم من الدِّين وكونهم لم يتعلَّقوا منه بشيءٍ بخروج ذلك السَّهم. وفي «مسند» الحميدي وابن أبي عُمر من طريق أبي بكر مولى الأنصار عن عليٍّ رضي الله عنه (( أنَّ ناسًا يخرجون من الدِّين، كما يخرج السَّهم من الرَّميّة، ثمَّ لا يعودون فيه أبدًا ) ).
(آيَتُهُمْ) أي علامتهم، وعند الطَّبراني من رواية أبي مريم عن عليٍّ رضي الله عنه علامتهم (رَجُلٌ إِحْدَى يَدَيْهِ) بفتح الياء والدال بالتثنية (أَوْ قَالَ ثَدْيَيْهِ) شكٌّ من الرَّاوي _ بفتح الثاء المثلثة وسكون الدال _ تثنية ثدي، والشَّكّ هل هي تثنية يد بالتحتية، أو تثنية ثدي بالمثلثة، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهني من غير شكٍّ.
قال الحافظ العَسقلاني
ج 29 ص 53
بالمثلثة فيهما، فالشَّك عنده هل هو بالإفراد أو بالتَّثنية، قال ووقع في رواية الأوزاعي (( إحدى يديه ) )تثنية يد، ولم يشكّ، وهذا هو المعتمدُ، فقد وقع في رواية شعيب ويونس (( إحدى عضديهِ ) ).
(مِثْلُ ثَدْيِ الْمَرْأَةِ) بالمثلثة والإفراد (أَوْ قَالَ مِثْلُ الْبَضْعَةِ) بفتح الموحدة وسكون الضّاد المعجمة؛ أي القطعة من اللَّحم (تَدَرْدَرُ) بفتح الفوقية والدالين المهملتين بينهما راء ساكنة آخره راء أخرى، وهو على حذف إحدى التاءين، وأصله تتدردرُ؛ أي تتحرَّك وتضطربُ تجيء وتذهبُ، وأصله حكاية صوت الماء في بطنِ الوادي إذا تدافع. وفي رواية عبيدة بن عَمرو عن عليٍّ رضي الله عنه عند مسلمٍ (( فيهم رجلٌ مُخْدَج اليد، أو مُودنُ اليد، أو مَثْدُونُ اليد ) )، والمخدج بخاء معجمة وجيم، والمودن بوزنه، والمَثْدون _ بفتح الميم وسكون المثلثة _ وكلها بمعنىً، وهو النَّاقص.
ولمسلمٍ من رواية زيد بن وهب عن عليٍّ رضي الله عنه (( وآية ذلك أنَّ فيهم رجلًا له عضد ليس له ذراعٌ على رأس عضده مثل حَلَمة الثَّدي عليه شعراتٌ بيض ) )، وعند الطَّبري من طريق طارق بن زيد عن عليٍّ (( في يده شعرات سود ) ).
وعند الطَّبري من وجهٍ آخر (( فيهم رجلٌ مخدج اليد، كأنَّها ثدي حبشة ) )، وقد ذَكَر صلى الله عليه وسلم للخوارج علامةً أخرى، ففي رواية معبد بن سيرين عن أبي سعيدٍ (( قيل ما سيماهُم؟ قال سيماهُم التَّحليق ) )، وفي رواية عاصم بن شمخ عن أبي سعيدٍ (( فقام رجلٌ، فقال يا نبيّ الله، هل في هؤلاء القوم علامةٌ، قال يحلِّقون رؤوسهم ) )، وفي حديث أنسٍ عن أبي سعيدٍ (( هم من جلدتنا ويتكلَّمون بألسنتنا، قيل يا رسول الله، ما سيماهُم؟ قال التَّحليق ) )، هكذا أخرجه الطَّبريّ.
(يَخْرُجُونَ عَلَى حِينِ فُرْقَةٍ مِنَ النَّاسِ) بكسر الحاء المهملة وبعد التحتيّة السّاكنة نون، وفُرقة بضم الفاء؛ أي على زمان افتراق النَّاس، ووقع في رواية عبد الرَّزاق عند أحمد وغيره (( حين فَتْرة من النَّاس ) )بفتح الفاء وسكون المثناة، ووقع في رواية
ج 29 ص 54
الكُشميهني بفتح الخاء المعجمة آخره راء، وفِرقة بكسر الفاء؛ أي أفضل طائفة في عصرهِ.
وقال القاضي عياض وهم عليٌّ وأصحابه، أو خير القرون، وهم الصَّدر الأوَّل، قال الحافظُ العسقلاني والأوَّل المعتمدُ، وهو الَّذي عند مسلمٍ وغيره، وإن كان الآخر صحيحًا، ويؤيِّد الأوَّل أنَّ عند مسلمٍ من طريق أبي نضرةَ، عن أبي سعيدٍ (( تمرقُ مارقةً عند فرقةٍ من المسلمين يقتلهم أولى الطَّائفتين بالحقِّ ) ). وفي لفظ له (( في أمَّتي فرقتان فيخرجُ من بينهما طائفةٌ مارقة يلي قتلهم أولاهم بالحقِّ ) )، وفي لفظ له (( يكون يخرجون في فرقةٍ من النَّاس يقتلهُم أدنى الطَّائفتين إلى الحقِّ ) )، وفيه فقال أبو سعيدٍ (( وأنتم قتلتموهُم يا أهل العراق ) ). وفي رواية الضَّحاك المشرقيّ عن أبي سعيدٍ (( يخرجون على فرقةٍ مختلفةٍ يقتلهم أقربُ الطَّائفتين إلى الحقِّ ) ).
والضَّحَّاك هو ابنُ شُرحبيل أو شَراحيل والمِشْرَقيّ _ بكسر الميم وسكون المعجمة وفتح الرّاء بعدها قاف _ منسوبٌ إلى مشرق بطن من هَمْدان، وأنَّ البزَّار حكى أنَّه الضَّحَّاك بن مزاحم وأنَّ ذلك غلطٌ، قاله الحافظ العَسقلانيّ نقلًا عن الطَّبريّ.
(قَالَ أَبُو سَعِيدٍ) الخدريُّ، وهو متَّصل بالسَّند المذكور إليه (أَشْهَدُ سَمِعْتُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) كذا هنا باختصارٍ، وفي رواية شعيب ويونس (( قال أبو سعيدٍ فأشهد أنِّي سمعتُ هذا الحديث من النَّبي صلى الله عليه وسلم ) )، وفي رواية أفلح بن عبد الله (( حضرتُ هذا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ) (وَأَشْهَدُ أَنَّ عَلِيًّا) رضي الله عنه (قَتَلَهُمْ) بالنَّهروان (وَأَنَا مَعَهُ) وفي رواية شعيب (( إنَّ علي بن أبي طالبٍ قاتلهم ) )، ووقع في رواية أفلح بن عبد الله (( وحضرت مع عليٍّ رضي الله عنه يوم قتلهم بالنَّهروان ) )ونسبة قتلهم لعليٍّ لكونه كان القائم في ذلك، وقد مضى في الباب قبله من رواية سويد بن غَفَلة عن عليٍّ رضي الله عنه أمر النَّبي صلى الله عليه وسلم بقتلهِم ولفظه (( فأينما لقيتموهم فاقتلوهُم ) ). وله شواهد
منها حديث نصر بن عاصم عن أبي بكرة رفعه (( إنَّ من أمَّتي أقوامًا يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهِمْ فأقيموهُمْ ) )أي اقتلوهُم، أخرجه الطَّبريّ، وتقدَّم في (( أحاديث الأنبياء ) ) [خ¦3344]
ج 29 ص 55
(( لئن أدركتهُم لأقتلنَّهم ) )، وأخرج الطَّبري من رواية مسروقٍ قال (( قالت لي عائشة رضي الله عنها من قتل المخدج؟ قلت عليّ، قالت فأين قتله؟ قلت على نهرٍ يقال لأسفلهِ النَّهروان، قالت أبغي على هذا بيِّنة، فأتيتها بخمسين نفسًا فشهدوا أنَّ عليًّا قتله بالنَّهروان ) ). أخرجه أبو يَعلى والطَّبريّ.
وأخرج الطَّبرانيّ في «الأوسط» من طريق عامر بن سعدٍ قال قال عمَّار لسعد أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (( يخرج قومٌ من أمَّتي يمرقونَ من الدِّين مروق السَّهم من الرَّمية يقتلهم عليُّ بن أبي طالبٍ ) )قال إي والله.
وأمَّا صفة قتالهم وقتلهم فوقعت عند مسلمٍ في رواية زيد بن وهب الجهنيّ (( أنَّه كان في الجيش الَّذين كانوا مع عليٍّ حين ساروا إلى الخوارج، فقال علي بعد أن حدَّث بصفتهم عن النَّبي صلى الله عليه وسلم والله إنِّي لأرجو أن يكونوا هؤلاء القوم، فإنَّهم قد سفكوا الدَّم الحرامَ وأغاروا في سرج النَّاس، قال فلمَّا التقينا وعلى الخوارج يومئذٍ عبد الله بن وهب الرَّاسبي، فقال لهم ألقوا الرِّماح وسلّوا سيوفكم من جفونها، فإنِّي أخاف أن يناشدوكم كما ناشدوكُم يوم حروراء، قال فشجرهم النَّاس برماحهم قال فقتل بعضُهم على بعضٍ وما أصيبَ من النَّاس يومئذٍ إلَّا رجلان ) ).
وأخرج يعقوبُ بن سفيان من طريق عمران بن حدير عن أبي مجلز، قال (( كان أهل النَّهر أربعةَ آلافٍ فقتلهم المسلمون، ولم يقتل من المسلمين سوى تسعةٍ، فإن شئت فاذهبْ إلى أبي بردة فسله، فإنَّه شهد بذلك ) ).
وأخرج إسحاق بن راهويه في «مسنده» من طريق حبيب بن أبي ثابتٍ قال (( أتيت أبا وائل فقلت أخبرني عن هؤلاء القوم الَّذين قتلهم عليٌّ فيم فارقوه، وفيم استحلَّ قتالهم، قال لمَّا كان بصفّين اشتجر [1] القتل في أهل الشَّام فرفعوا المصاحف، فذكر قصَّة التَّحكيم، فقال الخوارج ما قالوا، ونزلوا
ج 29 ص 56
حروراء، فأرسل إليهم عليٌّ فرجعوا، ثمَّ قالوا نكون في ناحيةٍ، فإن قبل القضيَّة قاتلناه، وإن نقضها قاتلنا معه، ثمَّ افترقت منهم فرقةٌ يقتلون النَّاس، فحدث عليٌّ عن النَّبي صلى الله عليه وسلم بأمرهم )) .
وعند أحمد والطَّبراني والحاكم من طريق عبد الله بن شدَّاد أنَّه دخل على عائشة رضي الله عنها مَرجِعَه من العراق ليالي [2] قتل عليٍّ فقالت له عائشة رضي الله عنها تحدِّثني عن أمر هؤلاء القوم الَّذين قتلهم عليٌّ قال إنَّ عليًّا لمَّا كاتب معاوية وحكّما الحكمين خرج عليه ثمانيةُ آلافٍ من قرَّاء النَّاس، فنزلوا بأرضٍ يقال لها حروراء من جانب الكوفة وعصوا عليه، فقالوا انسلخت من قميصٍ ألبسكه الله، ومن اسم سماك الله به، ثمَّ حكّمت الرِّجال في دين الله ولا حُكْمَ إلَّا لله، فبلغ ذلك عليًّا فجمع النَّاس فدعا بمصحفٍ عظيمٍ فجعل يضربه بيده ويقول أيُّها المصحف حدّث النَّاس، فقالوا ماذا إنسانٌ إنَّما هو مدادٌ وورقٌ ونحن نتكلَّم بما روينا منه، فقال كتاب الله بيني وبين هؤلاء، يقول الله في رجلٍ وامرأة {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا} [النساء 35] الآية، وأمَّة محمَّد صلى الله عليه وسلم أفضل من امرأةٍ ورجلٍ، ونقموا عليَّ أن كاتبت معاوية، وقد كاتب رسول الله صلى الله عليه وسلم سهيل بن عَمرو {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب 21] .
ثمَّ بعث إليهم ابن عبَّاس رضي الله عنهما فناظرهم فرجع منهم أربعة آلافٍ فيهم عبد الله بن الكوّاء فبعث عليٌّ إلى الآخرين أن يرجعوا فأبوا فأرسل إليهم كونوا حيث شئتُم وبيننا وبينكم أن لا تسفكوا دمًا حرامًا ولا تقطعوا سبيلًا ولا تظلموا أحدًا، فإن فعلتُم نبذت لكم الحرب، قال عبد الله بن شداد فوالله ما قتلهم حتَّى قطعوا السَّبيل وسفكوا الدَّم الحرام )) وأخرج النَّسائي في «الخصائص» صفة مناظرة ابن عبَّاس رضي الله عنهما بطولها، وفي «الأوسط» للطَّبرانيّ من طريق أبي النَّابغة [3] عن جندب بن عبد الله البَجليّ قال (( لمَّا فارقت الخوارج عليًّا رضي الله عنه خرج في طلبهم فانتهينا إلى عسكرهم، وإذا لهم كدويّ النَّحل من قراءة القرآن، وإذا فيهم أصحاب البرانس؛
ج 29 ص 57
يعني الَّذين كانوا معروفين بالزُّهد والعبادة، قال فدخلني من ذلك شدَّة، فنزلت أصلِّي فقلت اللهمَّ إن كان في قتال هؤلاء لك طاعة فائذن لي فيه، فمرَّ بي عليٌّ رضي الله عنه، فقال لمَّا حاذاني أن تعوَّذْ بالله من الشَّكِّ يا جندبُ، فلمَّا جئته أقبل رجلٌ على برذون، وقال إن كان لك بالقومِ حاجة، فإنَّهم قد قطعوا النَّهر، قال ما قطعوه ثمَّ جاء آخر كذلك قال لا ما قطعوهُ، ولا يقطعونه وليقتلنَّ من دونه عهد من الله ورسوله )) .
قلت الله أكبر، ثمَّ ركبنا فسايرته، فقال لي سأبعث إليهم رجلًا يقرأُ المصحف ويدعوهم إلى كتاب الله وسنَّة نبيِّهم، فلا يقبل علينا بوجهه حتَّى يرشقوه بالنَّبل، ولا يقتل منَّا عشرة ولا ينجو منهم عشرة، قال فانتهينا إلى القوم، فأرسل إليهم رجلًا فرماه إنسانٌ فأقبل علينا بوجهه فقعدوا، وقال علي دونكم القوم فما قتل منَّا عشرة، ولا نجا منهم عشرة.
وعند الطَّبراني من حديث أبي مريم قال (( أخبرني أخي أبو عبد الله أنَّ عليًّا سار إليهم حتَّى إذا كان حذاءهم على شطّ النَّهروان أرسل إليهم يناشدهم فلم تزل رسله تختلفُ إليهم حتَّى قتلوا رسوله، فلمَّا رأى ذلك نهضَ إليهم فقاتلهم حتَّى فرغَ منهم كلِّهم ) ).
(جِيءَ بِالرَّجُلِ) أي بالرَّجل الَّذي قال صلى الله عليه وسلم فيه (( إحدى ثدييه مثل ثدي المرأة ) ) (عَلَى النَّعْتِ الَّذِي نَعَتَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أي على الوصف الَّذي وصفه وهو قوله (( وآتيهم رجلٌ _إلى قوله_ تدردر ) )، وفي رواية أفلح (( فالتمسه عليٌّ فلم يجده ثمَّ وجده بعد ذلك تحت جدار ) )على هذا النَّعت، وفي رواية زيد بن وهب (( فقال عليٌّ التمسوا فيهم المخدج، فالتمسوه فلم يجدوه، فقام عليٌّ بنفسه حتَّى أتى ناسًا قد قتلَ بعضهم على بعضٍ، قال أخروهم فوجدوه ممَّا يلي الأرض فكبر، ثمَّ قال صدقَ الله وبلّغ رسوله ) ).
وفي رواية عبيد الله بن أبي رافعٍ (( فلمَّا قتلهم عليٌّ، قال انظروا، فنظروا فلم يجدوا شيئًا، فقال ارجعوا فوالله ما كَذَبْتُ
ج 29 ص 58
ولا كُذِبْتُ مرَّتين أو ثلاثًا، ثمَّ وجدوهُ في خربةٍ فأتوا به حتَّى وضعوه بين يديه )) أخرجه مسلمٌ. وفي رواية للطَّبراني من طريق زيد بن وهب فقال عليٌّ (( اطلبوا ذا الثُّدَيَّة فطلبُوه فلم يجدوهُ فقال ما كَذَبْتُ وما كُذِبْتُ، فطلبوه فوجدوه في وهدةٍ من الأرض عليه ناسٌ من القتلى، فإذا رجلٌ على ثدييه مثل سبلات السّنور، فكبَّر عليٌّ رضي الله عنه والنَّاس ) ).
ووقع في رواية أبي بكرٍ مولى الأنصار عن عليٍّ (( حولها سبع هُلبَات ) )، وهو بضم الهاء وبموحدة، جمع هُلْبة، وفيه (( أنَّ النَّاس وجدوا في أنفسهم بعد قتلِ أهل النَّهر، فقال عليٌّ إنِّي لا أراه إلَّا منهم، فوجدوه على شفير النَّهر تحت القتلى، فقال صدقَ الله ورسوله، وفرح النَّاس حين رأوهُ واستبشروا، وذهبَ عنهم ما كانوا يجدونه ) ). وفي رواية أفلح (( بعد ما حدثَ عن عليٍّ رضي الله عنه ما حدثَ عن النَّبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال عليٌّ أيُّكم يعرفُ هذا؟ فقال رجلٌ من القوم نحنُ نعرفه، هذا حُرقوص وأمُّه هاهنا، فأرسل عليٌّ إلى أمِّه، فقالت كنتُ أرعى غنمًا في الجاهليَّة، فغشيتني كهيئةِ الظُّلمة، فحملت منه فولدت هذا ) ).
(قَالَ) أي أبو سعيدٍ رضي الله عنه (فَنَزَلَتْ فِيهِ) أي في الرَّجل المذكور، وفي رواية السَّرخسي ؛ أي في الحرورية؛ أي نزلت آية ( {وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ} [التوبة 58] ) اللَّمز العيب؛ أي يعيبك في قسم الصَّدقات حين قال (( هذه قسمة ما أُريد بها وجه الله تعالى ) )، وقيل الوقوعُ في النَّاس، وقيل بقيدِ أن يكون مواجهه، والهمز في الغَيبة.
غريبة جاءَ عن أبي سعيدٍ الخدريِّ رضي الله عنه قصَّة أخرى تتعلَّق بالخوارجِ تخالفُ هذه الرِّواية حيث قال فيها دعهُ، وذلك فيما أخرجه أحمد بسندٍ جيِّدٍ عن أبي سعيدٍ قال (( جاءَ أبو بكرٍ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله، إنِّي مررتُ بوادي كذا، وإذا رجلٌ حسنُ الهيئة متخشِّع يصلِّي فيه ) )، فقال اذهبْ إليه فاقتله، قال فذهبَ إليه أبو بكرٍ رضي الله عنه، فلمَّا رآه يصلِّي كرهَ أن يقتله فرجعَ، فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم لعمر (( اذهبْ فاقتله ) )فذهب فرآه في تلك الحالة فرجعَ فقال يا عليُّ اذهبْ إليه فاقتله،
ج 29 ص 59
فذهبَ عليٌّ فلم يره، فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم (( إنَّ هذا وأصحابه يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقونَ من الدِّين، كما يمرقُ السَّهم من الرَّميَّة لا يعودونَ فيه أبدًا، فاقتلوهم هم شرُّ البريَّة ) ).
وله شاهدٌ من حديث جابرٍ رضي الله عنه أخرجَه أبو يعلى ورجاله ثقاتٌ، ويمكن الجمعُ بأن يكون هذا الرَّجل هو الأوَّل وكانت قصَّته هذه الثَّانية مُتراخية عن الأولى، وأذن صلى الله عليه وسلم في قتله بعد أن منعَ لزوال علَّة المنع، وهي التَّأليف فكأنَّه استغنى عنه بعد انتشارِ الإسلام، كما نهى عن الصَّلاة على من يُنسب إلى النِّفاق بعد أن كان يجري عليهم أحكام الإسلام قبلَ ذلك، وكأنَّ أبا بكرٍ وعمر رضي الله عنهما تمسَّكا بالنَّهي الأوَّل عن قتل المصلِّين، وحملا الأمر هنا على قيدِ أن لا يكون يصلِّي، فلذلك علّلا عدم القتلِ بوجود الصَّلاة أو غلّبا جانب النَّهي.
وفي (( مغازي الأمويّ ) )من مرسل الشَّعبيّ في نحو أصل القصَّة (( ثمَّ دعا رجالًا فأعطاهُم، فقام رجلٌ فقال إنَّك لتقسم وما نرى عدلًا، قال إذن لا يعدلُ أحدٌ بعدي، ثمَّ دعا أبا بكرٍ رضي الله عنه فقال اذهبْ فاقتلْه فذهبَ فلم يره، فقال لو قتلتَه لرجوت أن يكون أوَّلهم وآخرهم ) )، فهذا يؤيِّد الجمع المذكور لما تدلُّ عليه، (( ثمَّ ) )من التَّراخي، والله أعلم.
وفي الحديث فوائد
منها أنَّ فيه منقبةً لعليٍّ رضي الله عنه، وأنَّه كان الإمامَ الحقَّ، وأنَّه كان على الصَّواب في قتال من قاتله في حروبهِ في الجَمل وصفّين وغيرهما.
ومنها الكفُّ عن قتلِ مَن يعتقدُ الخروج على الإمام ما لم ينصب حربًا لذلك أو يستعد لذلك.
ومنها أنَّه لا يجوز قتال الخوارج وقتلهم إلَّا بعد إقامة الحجَّة عليهم بدعائهم إلى الرُّجوع إلى الحقِّ والاعتذار إليهم.
ومنها أنَّ فيه عَلَمًا من أعلام النُّبوة حيث أخبر بما وقعَ قبل أن يقعَ، وذلك ظاهرٌ.
ومنها التَّحذير من الغلو في الدِّيانة والتَّنطع في العبادة بالحمل على النَّفس فيما لم يأذن فيه الشَّرع، وقد وصف الشَّارع الشَّريعة بأنَّها سمحة، وإنَّما ندب إلى الشِّدَّة
ج 29 ص 60
على الكفَّار وإلى الرَّأفة على المؤمنين.
ومنها جواز قتال من خرجَ عن طاعة الإمام العادلِ، ومن نصب الحرب وقاتلَ على اعتقاد فاسدٍ، ومن خرجَ يقطع الطَّريق ويخيف السَّبيل ويسعَى في الأرض بالفساد، وأمَّا من خرجَ عن طاعة إمام جائرٍ أرادَ الغلبة على مالهِ أو أهله أو نفسهِ فهو معذورٌ لا يحلُّ قتاله، وله أن يدفعَ عن نفسه وأهله وماله بقدر طاقته.
وقد أخرج الطَّبريّ بسندٍ صحيحٍ عن عبد الله بن الحارث عن رجلٍ من بني نضر عن عليٍّ رضي الله عنه وذكر الخوارج فقال (( إن خالفوا إمامًا عادلًا فقاتلوهم، وإن خالفوا إمامًا جائرًا فلا تقاتلوهم ) )، وعلى ذلك يحمل ما وقع للحسين بن عليٍّ رضي الله عنهما ثمَّ لأهل المدينة في الحرَّة، ثمَّ لعبد الله بن الزُّبير رضي الله عنهما، ثمَّ للقرَّاء الَّذين خرجوا على الحَجّاج في قصَّة عبد الرَّحمن بن محمَّد بن الأشعث.
ومنها ذمُّ استئصال شعر الرَّأس كذا قيل، وفيه نظرٌ؛ لاحتمال أن يكون المراد بيان صفتهم الواقعة لا لإرادة ذمِّها.
ومنها أنَّ من المسلمين من يخرج من الدِّين من غير أن يقصدَ أن يخرجَ منه ومن غير أن يختارَ دينًا على دين الإسلام، وأنَّ الخوارج شرُّ الفرقِ المبتدعة من الأمَّة المحمّديَّة، ومن اليهود والنَّصارى كذا قيل، والأخير مبنيٌّ على القول بتكفيرهم مطلقًا.
ومنها منقبةٌ لعمر رضي الله عنه لشدَّته في الدِّين، وأنَّه لا يكتفي بالتَّعديل بظاهرِ الحال ولو بلغ المشهود بتعديله الغاية في العبادة والتَّقشف والورع حتَّى يختبرَ باطن حاله.
وقد ذكر ابن بطَّال عن المهلَّب قال التَّأليف إنَّما كان في أوَّل الإسلام، فلا يجبُ التَّأليف إلَّا أن ينزل بالنَّاس حاجةً لذلك، فلإمام الوقت ذلك، والله تعالى أعلم.
وقيل لا مطابقة بين الحديث والتَّرجمة؛ لأنَّ الحديث في ترك قتلِ المفرد، والتَّرجمة في ترك قتال الخوارج، إلَّا أنَّه أشار المؤلِّف إلى أنَّه لو اتَّفقت حالة مثل حالة المذكور، واعتقدَت فرقة مذهب الخوارج مثلًا ولم ينصبوا حربًا أنَّه يجوز للإمام الإعراض [عنهم] إذا رأى المصلحة في ذلك كأن يخشى أنَّه لو تعرّض لهم لأظهر من يُخفي [مثل اعتقادهم] حالَه، فيكون سببًا لخروجهِم ونصبهم القتال للمسلمين.
[1] في هامش الأصل في نسخة استجر. الصواب استحرّ أي اشتدّ.
[2] في هامش الأصل في نسخة لما.
[3] في هامش الأصل في نسخة السابغة.