فهرس الكتاب

الصفحة 10291 من 11127

6939 - (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكي، قال (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح اليشكري (عَنْ حُصَيْنٍ) بضمّ الحاء وفتح الصّاد المهملتين مصغّر، ابن عبد الرَّحمن السَّلمي أبو الهذيل الكوفيّ (عَنْ فُلاَنٍ) كذا وقع هنا مبهمًا، وفي روايتي أبي ذرٍّ والأَصيلي ، وكذا وقع في رواية هشيم في (( الجهاد ) ) [خ¦3081] ، وعبد الله بن إدريس في (( الاستئذان ) ) [خ¦3983] ، وهو سُلَميٌّ كوفيٌّ، يكنى أبا حمزة _ بالحاء المهملة وبالزاي _ وكان زوجَ بنت أبي عبد الرَّحمن السُّلَميّ شيخه في هذا الحديث. وقد وقع في نسخة الصَّغانيّ هنا بعد قوله عن فلانٍ ما نصَّه (( هو أبو حمزة سعد بن عبيدة السُّلَميّ خَتَنُ أبي عبد الرَّحمن السُّلَميّ ) )انتهى.

ولعلَّ القائل (( هو ... ) )إلى آخره من دون البخاريّ، وسعدٌ تابعيٌّ روى عن جماعةٍ من الصَّحابة رضي الله عنهم كابن عمر والبراء.

(قَالَ) أي أنَّه قال (تَنَازَعَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ) عبد الرَّحمن بن ربَيِّعة _ بفتح الموحدة وتشديد التّحتيّة _ السَّلَميّ الكوفي المقري المشهور بكنيته ولأبيه صحبةٌ، وزاد في رواية عفّانَ قوله (( السَّلَميّ ) ) (وَحِبَّانُ بْنُ عَطِيَّةَ) السُّلَميّ وحِبَّان _ بكسر الحاء المهملة وتشديد الموحدة _ وحكى أبو علي الجيّانيّ أنَّ بعض رواة أبي ذرٍّ ضبطه بفتح أوّله وهو وهمٌ.

قال الحافظ العَسقلانيّ وحكى المزِّيّ أنَّ ابن ماكولا ذكره بالكسر، وأنَّ ابن الفرضيّ ضبطه بالفتح، وقال وتبعه أبو عليٍّ الجيّانيّ، كذا قال، والَّذي جزم به أبو عليٍّ الجيّانيّ توهيمَ من ضبطه بالفتح، وذلك في تقييدِ المهمل، وصوَّب أنَّه بالكسر حيث ذكره مع حِبَّان بن موسى، وهو بالكسر إجماعًا، وكان حبَّان بن عطية سلميًّا أيضًا ومؤاخيًا لأبي عبد الرَّحمن السُّلمي، وإن كانا مختلفين في تفضيل عثمان وعليٍّ رضي الله عنهما، وكان أبو عبد الرَّحمن عثمانيًّا؛ أي يفضل عثمان على عليٍّ، وحبَّان بن عطيَّة علويًّا يفضل عليًّا على عثمان رضي الله عنهما.

وقال في «التقريب» لا أعرف له؛ أي لحِبَّان رواية، وإنَّما له ذكرٌ في البخاريّ، وهو من الطَّبقة الثَّانية.

ج 29 ص 68

(فَقَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ لِحِبَّانَ لَقَدْ عَلِمْتُ الَّذِي) وفي رواية أبي ذرٍّ عن الحمويي والمستملي ، وفي روايته عن الكُشميهني ، وكذا في أكثر الطُّرق، ووقع في (( الجهاد ) )في (( باب إذا اضطر الرَّجل إلى النَّظر في شعورِ أهل الذِّمَّة ) ) [خ¦3081] بلفظ (( ما الَّذي ) ) (جَرَّأَ) بفتح الجيم وتشديد الرّاء وبالهمز، من الجراءة، وهو الإقدامُ على الشَّيء، (صَاحِبَكَ عَلَى الدِّمَاءِ) أي على إراقة دماء المسلمين؛ لأنَّ دماء المشركين مندوبٌ إلى إراقتها اتِّفاقًا (يَعْنِي عَلِيًّا) رضي الله عنه، قال الكرمانيّ فإن قلت كيف جاز نسبة الجراءة على القتلِ إلى عليٍّ رضي الله عنه؟ قلت غرضه أنَّه لمَّا كان جازمًا بأنَّه من أهل الجنَّة عرف أنَّه إن وقعَ خطأٌ فيما اجتهدَ فيه عُفيَ عنه يوم القيامة قطعًا (قَالَ) أي حِبَّان (مَا هُوَ؟) أي ما هو الَّذي جرأه (لاَ أَبَا لَكَ) بفتح الهمزة، وهي كلمةٌ تقال عند الحثِّ على الشَّيء.

قال الكرمانيُّ جوزوا هذا التَّركيب تشبيهًا له بالمضاف، وإلَّا فالقياس لا أب لك، وهو ممَّا يستعملُ دعامة للكلام ولا يرادُ به حقيقة الدُّعاء عليه، والأصل فيه أنَّ الإنسان إذا وقعَ في شدَّة عاونه أبوه، وإذا قيل لا أبا لك فمعناه ليس لك أبٌ جُدَّ في الأمر جِدَّ مَنْ ليس له معاونٌ، ثمَّ أُطلق في الاستعمال في موضع استبعاد ما يصدر من المخاطب من قولٍ أو فعل.

(قَالَ) أي أبو عبد الرَّحمن (شَيْءٌ) مرفوعٌ على أنَّه فاعل فعل محذوف؛ أي جرأه شيءٌ (سَمِعْتُهُ) صفة لشيء، والضَّمير المنصوب فيه يرجعُ إلى شيءٍ، وفي رواية المستملي والكُشميهني بحذف الضَّمير، والأوَّل أوجه لقوله قال وما هو (يَقُولُ) بحذف الضَّمير المنصوب.

(قَالَ) أي حبَّان (مَا هُوَ) أي ذلك الشَّيء؟ (قَالَ) أي أبو عبد الرَّحمن السُّلمي قال علي، وسقطت قال الثَّانية على عادتهم بإسقاطها في الخطِّ، كذا قيل، والظَّاهر أنَّ فاعل قال هو عليٌّ رضي الله عنه (بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالزُّبَيْرَ) أي ابن العوَّام (وَأَبَا مَرْثَدٍ) بفتح الميم والمثلثة بينهما راء ساكنة، واسمه كَنَّاز _ بفتح الكاف وتشديد النون وبالزاي _ الغَنَويّ _ بالغين المعجمة والنّون المفتوحتين _ وقوله والزُّبيرَ، نَصْبٌ عطفٌ على نون الوقاية؛ لأنَّ محلَّها النَّصب، وفي مثل هذا العطف خلافٌ بين البصريِّين والكوفيين. ومثله قراءة حمزة {والأرحامِ} بالخفضِ، عطفًا على الضَّمير المجرور في

ج 29 ص 69

بهِ من غير إعادة الجارّ، وهو مذهب كوفيٌّ لا يجيزه البصريُّون، وتقدَّم في (( غزوة الفتح ) ) [خ¦4274] من طريق عبيد الله بن أبي رافعٍ عن عليٍّ رضي الله عنه ذِكْرُ المقداد بَدَلَ أبي مَرْثَد، وجُمِعَ بأنَّ الثَّلاثة كانوا مع عليٍّ رضي الله عنه، وفي (( باب الجاسوس ) ) [خ¦3007] أنا والزُّبير والمقدام.

قال الكرمانيّ ذكر القليل لا ينفي الكثير، ووقع عند الطَّبريّ في «تهذيب الآثار» من طريق أعشى ثقيف عن أبي عبد الرَّحمن السُّلمي في هذا الحديث ومعي الزُّبير بن العوّام ورجلٌ من الأنصار، وليس المقداد ولا أبو مَرْثَد من الأنصار، إلَّا إن كان بالمعنى الأعمِّ.

ووقع في «الأسباب» للواحديّ أنَّ عمر وعمارًا وطلحة رضي الله عنهم كانوا معهم ولم يذكر له سندًا، وكأنَّه من تفسير ابنِ الكلبيّ، ووجد ذكر عمر من وجهٍ آخر أخرجه ابنُ مَرْدويه في «تفسيره» من طريق الحكم بن عبد الملك عن قتادة عن أنسٍ رضي الله عنه في قصَّة المرأة المذكورة، فأخبر جبريل النَّبيّ صلى الله عليه وسلم فبعثَ في أثرها عمر بن الخطَّاب وعليّ بن أبي طالب رضي الله عنهما.

(وَكُلُّنَا فَارِسٌ) أي راكب فرسٍ (قَالَ انْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَةَ حَاجٍ) بالحاء المهملة وبالجيم، موضعٌ قريبٌ من مكَّة، أو بقرب المدينة نحو اثني عشر ميلًا، وقال الواقديُّ هي بالقربِ من ذي الحُلَيفة على بَريدٍ من المدينة، وقال أبو ذرٍّ كذا الرِّواية هنا بالحاء والجيم، والصَّواب خاخ، بخاءين معجمتين.

(قَالَ أَبُو سَلَمَةَ) موسى بن إسماعيل شيخ المؤلِّف فيه (هَكَذَا قَالَ أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح (حَاجٍ) بالحاء المهملة والجيم، فيه إشارةٌ إلى أنَّ موسى كان يعرف أنَّ الصَّواب خاخ بمعجمتين، ولكن شيخه قالها بالمهملة والجيم، وقد أخرجه أبو عوانة في «صحيحه» من رواية محمَّد بن إسماعيل الصَّائغ عن عفَّان فذكرها بلفظ حاج، بمهملة ثمَّ جيم، قال عفَّان والنَّاس يقولون خاخ؛ أي بمعجمتين.

قال النَّووي قال العلماء هو غلطٌ من أبي عَوَانة، وكأنَّه اشتبه عليه بمكانٍ آخر، يقال له ذات حاج _ بالحاء المهملة وبالجيم _ وهو موضعٌ بين المدينة والشَّام يسلكُه الحاج، وأمَّا روضة خاخ فإنَّها بين مكَّة والمدينة بقربِ المدينة،

ج 29 ص 70

وأخرج سَمُّويه في «فوائده» من طريق عبد الرَّحمن بن حاطبٍ قال وكان حاطب من أهل اليمن حليفًا للزُّبير، فذكر القصَّة.

وفيها أنَّ المكان على قربٍ من اثني عشر ميلًا من المدينة، وزعم السُّهيلي أنَّ هشيمًا كان يقولها أيضًا حاج بمهملة وجيم وهو وهمٌ أيضًا، وقد سبقَ في آخر (( الجهاد ) ) [خ¦3081] من طريق هُشيم بلفظ (( حتَّى تأتوا روضة كذا ) )فلعلَّ البخاريَّ كنى عنها أو شيخَه إشارة إلى أنَّ هشيمًا كان يصحّفها، وعلى هذا فلم ينفرد أبو عَوَانة بتصحيفها، لكنَّ أكثر الرُّواة عن حصين قالوا على الصَّواب بمعجمتين.

(فَإِنَّ فِيهَا امْرَأَةً) اسمها سارة، كما عند ابن إسحاق (مَعَهَا صَحِيفَةٌ مِنْ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ) بالحاء والطّاء المهملتين بينهما ألف آخره موحّدة، وبَلْتَعَة بفتح الموحّدة وسكون اللام وفتح الفوقية والعين المهملة (إِلَى الْمُشْرِكِينَ) بمكَّة (فَأْتُونِي بِهَا) أي بالصَّحيفة، وفي رواية عبيد الله بن أبي رافعٍ (( فإنَّ بها ظعينة معها كتاب ) ).

والظَّعِينة بظاء معجمة، بوزن عَظِيمة، فَعِيلة بمعنى فاعلة، من الظَّعن وهو الرَّحيل، وقيل سمِّيت ظعينةً؛ لأنَّها تركب الظَّعائن الَّتي تظعن براكبها، وقال الخطَّابي سمِّيت ظعينةً؛ لأنَّها تظعن مع زوجها، وقيل لا تسمَّى ظعينةً إلَّا إذا كانت في الهودج، وقيل إنَّه اسم الهودجِ سمِّيت به المرأة لركوبها فيه، ثمَّ توسَّعوا فيه وأطلقوه على المرأة ولو لم تكن في الهودجِ، وفي اسمها اختلاف تقدَّم في (( غزوة الفتح ) ) [خ¦2474] .

وذكر الواقديّ أنَّها من مزينة، وأنَّها من أهل العرَج _ بفتح الراء بعدها جيم _ يعني قريةٌ بين مكَّة والمدينة، وذكر الثَّعلبيّ ومن تبعه أنَّها كانت مولاة أبي صيفي بن عَمرو بن هاشم بن عبد مناف، وقيل عمران بدل عَمرو، وقيل مولاة بني أسد بن عبد العزى، وقيل كانت مولاةً من موالي العبَّاس، وعند ابن مردويه أنَّها مولاة لقريش.

وفي «تفسير مقاتل بن حيَّان» أنَّ حاطبًا أعطاها عشرة دنانير وكساها بُردًا، وعند الواحديّ أنَّها قدمت المدينة

ج 29 ص 71

فقال لها النَّبيّ صلى الله عليه وسلم (( جئت مسلمة؟ قالت لا ولكن احتجت، قال فأين أنت عن شباب قريشٍ؟ وكانت مغنيةً، قالت ما طُلب منِّي بعد وقعة بدرٍ شيءٌ من ذلك، وكساها وحملها، فأتاها حاطِب وكتب معها كتابًا إلى أهل مكَّة أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد أن يغزو فخذوا حذركم ) ).

وفي حديث عبد الرَّحمن بن حاطب (( فكتب حاطِب إلى كفَّار قريشٍ كتابًا ينتصحُ لهم ) )، وعند أبي يعلى والطَّبريّ من طريق الحارث عن عليٍّ (( لمَّا أراد النَّبيّ صلى الله عليه وسلم أن يغزوَ مكَّة أسرَّ إلى ناسٍ من أصحابهِ ذلك، وأفشى في النَّاس أنَّه يريد غير مكَّة، فسمعَه حاطِبُ بن [أبي] بلتعة، فكتب حاطب إلى مكَّة بذلك ) ).

وذكر الواقديُّ أنَّه كان في كتابه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أذَّن في النَّاس بالغزو، ولا أراه إلَّا يريدكم، وقد أحببتُ أن يكون إنذاري لكم بكتابي إليكم.

(فَانْطَلَقْنَا عَلَى أَفْرَاسِنَا حَتَّى أَدْرَكْنَاهَا حَيْثُ قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ) وفي رواية أبي ذرٍّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، تَسِيرُ عَلَى بَعِيرٍ لَهَا) جملة وقعت حالًا من المرأة الَّتي معها الكتاب، وفي رواية محمَّد بن الفضيل عن حصين (( تشتدّ ) )بشين معجمة وفوقية؛ أي تعدو.

(وَكَانَ) وفي رواية أبي ذرٍّ أي حاطِب (كَتَبَ إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ) صفوان بن أميَّة وسهيل بن عمرو وعكرمة بن أبي جهلٍ (يُخْبِرُهُمْ بِمَسِيرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ، فَقُلْنَا) لها (أَيْنَ الْكِتَابُ الَّذِي مَعَكِ؟ قَالَتْ مَا مَعِي كِتَابٌ، فَأَنَخْنَا بِهَا بَعِيرَهَا، فَابْتَغَيْنَا) أي طلبناه (فِي رَحْلِهَا فَمَا وَجَدْنَا شَيْئًا) وفي رواية محمَّد بن فضيل (( فأنخنا بعيرها فابتغينا ) )، وفي رواية الحارث (( فوضعنا متاعها وفتَّشنا فلم نجد ) ).

(فَقَالَ صَاحِبِي) بالإفراد باعتبار أنَّ واحدًا منهما قال، وفي نسخة الزُّبير وأبو مرثد (مَا نَرَى مَعَهَا كِتَابًا، قَالَ) أي عليٌّ رضي الله عنه (فَقُلْتُ لَقَدْ عَلِمْنَا) وفي رواية الكُشميهني بالخطاب لصاحبيه (مَا كَذَبَ رَسُولُ اللَّهِ، ثُمَّ حَلَفَ عَلِيٌّ) رضي الله عنه (وَالَّذِي يُحْلَفُ بِهِ) أي قال والله، لأنَّ الَّذي يحلف به هو لفظة الله،

ج 29 ص 72

وصرَّح به في حديث أنسٍ رضي الله عنه، وفي حديث عبد الرَّحمن بن حاطب.

(لَتُخْرِجِنَّ الْكِتَابَ) بضم الفوقية وكسر الراء والجيم (أَوْ لأُجَرِّدَنَّكِ) أي أنزعَ ثيابك حتَّى تصيري عريانةً، وفي رواية ابن فضيل (( أو لأقتلنَّك ) )، وذكر الإسماعيلي أنَّ في رواية خالد بن عبد الله مثله، وعنده من رواية ابن فضيل (( لأجزرنَّك ) )بالجيم والزاي؛ أي أصيرك مثل الجزورِ إذا ذبحت.

قال الحافظ العَسقلاني رواية لأجرّدنَّك أشهر، ورواية لأجزرنَّك كأنَّها مغيرة عنها، ورواية لأقتلنَّك كأنَّها بالمعنى من لأجزرنَّك فلا ينافي التَّرجمة؛ لأنَّها إذا قُتلت سُلبت ثيابها في العادة، فيستلزم التَّجرد الَّذي ذكره، ويؤيِّد الرِّواية المشهورة ما وقع في رواية عُبيد الله بن أبي رافعٍ بلفظ (( لتُخرجنَّ الكتاب أو لنُلقين الثِّياب ) ).

وقال ابن التِّين كذا وقع بكسر القاف وفتح الياء التحتانية وتشديد النون قال والياء زائدة، قال الكرمانيّ هو بكسر الياء وفتحها، كذا جاء في الرِّواية بإثبات الياء والقواعد التَّصريفيّة تقتضي حذفَها، لكن إذا صحَّت الرِّواية فلتحمل على أنَّها وقعت على طريق المشاكلة لتخرجنَّ، وهذا توجيه الكسرة، وأمَّا الفتحة فتحمل على خطاب المؤنث الغائب على طريق الالتفات من الخطابِ إلى الغيبة، ويجوز فتح القاف على البناء للمفعول وعلى هذا فترفع الثِّياب.

قال الحافظ العَسقلاني ويظهر لي أنَّ صواب الرِّواية (( لنلقين ) )بلفظ الجمع، وهو ظاهرٌ جدًّا لا إشكال فيه البتَّة، ولا يفتقر إلى تكلُّف تخريج، ووقع في حديث أنسٍ رضي الله عنه فقالت (( ليس معي كتابٌ فقال كذبت حدَّثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّ معك كتابًا والله لتعطيني الَّذي معك أو لا أترك عليك ثوبًا إلَّا التمسنا فيه، فقالت أولستم بناسٍ مسلمين حتَّى إذا ظننت أنَّهما يلتمسان في كلِّ ثوبٍ معها حلَّت عقاصها ) ).

وفيه فرجعا إليها فسلّا سيفيهما، فقالا والله لنذيقنَّك الموت أو لتدفعنَّ إلينا الكتاب، فأنكرت، وُيجمع بينهما بأنَّهما هدَّداها بالقتل أولًا، فلمَّا أصرَّت على الإنكار ولم يكن معهما إذنٌ بقتلها هدَّداها بتجريد ثيابها، فلمَّا تحقَّقت ذلك خشيت

ج 29 ص 73

أن يَقتلا حقيقةً.

وزاد في حديث أنسٍ رضي الله عنه أيضًا فقالت (( أدفعه إليكما على أن لا ترداني إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم ) )، وفي رواية أعشى ثقيف عن أبي عبد الرَّحمن (( فلم يزل علي بها حتَّى خافته ) )، وقد اختلف فيها هل كانت مسلمةً أو على دين قومها، فالأكثر على الثَّاني فقد عُدّت فيمن أهدرَ النَّبي صلى الله عليه وسلم دمهم يوم الفتح؛ لأنَّها كانت تغنِّي بهجائه وهجاء أصحابه.

وقد وقع في أوَّل حديث أنسٍ رضي الله عنه أمر النَّبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح بقتل أربعةٍ، فذكرها فيهم.

(فَأَهْوَتْ) أي مالت بيدها (إِلَى حُجْزَتِهَا) بضمّ الحاء المهملة وسكون الجيم وبالزّاي، وهي مَعْقِد الإزار (وَهْيَ مُحْتَجِزَةٌ بِكِسَاءٍ) من احتجز بإزاره، شدَّه على وسطه، وقد مرَّ في (( باب الجاسوس ) ) [خ¦3007] أنَّها أخرجته من عقاصها؛ أي من شعورها، قال الكرمانيُّ لعلَّها أخرجته من الحجزة أولًا وأخفته في الشَّعر، ثمَّ اضطرَّت إلى الإخراج منها أو بالعكس.

(فَأَخْرَجَتِ الصَّحِيفَةَ، فَأَتَوْا بِهَا) أي بالصَّحيفة (رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فقرأت عليه، وفي رواية عبيد الله بن أبي رافعٍ (( فأتينا به ) )أي الكتابِ، ونحوُه في رواية ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما، وزاد (( فقرئ عليه، فإذا فيه مِن حاطِب إلى ناسٍ من المشركين من أهل مكَّة ) )سمَّاهم الواقديّ في روايته سهيل بن عَمرو العامريّ، وعكرمة بن أبي جهلٍ المخزوميّ، وصفوان بن أميَّة الجمحيّ.

(فَقَالَ عُمَرُ) رضي الله عنه (يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ، دَعْنِي فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ) بنصب أضرب، وفي (( غزوة الفتح ) ) [خ¦4274] (( دعني أضرب عنق هذا المنافق ) ) (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا حَاطِبُ، مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ) وفي رواية عبد الرَّحمن بن حاطبٍ (( فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم حاطبًا فقال أنت كتبت هذا الكتاب؟ قال نعم، قال فما حملك على ذلك؟ ) )وكأنَّ حاطبًا لم يكن حاضرًا لمَّا جاء الكتاب فاستدعى به لذلك.

(قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَالِي) وفي رواية أبي ذرٍّ عن المستملي بالموحدة بدل اللام وهي أوجَه (أَنْ لاَ أَكُونَ) بفتح الهمزة (مُؤْمِنًا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) وفي رواية أبي ذرٍّ ، وفي رواية ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما (( والله إنِّي لناصحٌ لله ورسوله ) )، وفي رواية عبد الرَّحمن بن حاطب (( أما والله ما أذنبت منذ أسلمت في الله ) ).

(وَلَكِنِّي أَرَدْتُ أَنْ يَكُونَ لِي عِنْدَ الْقَوْمِ) أي عند مشركي مكَّة (يَدٌ) أي منَّة (يُدْفَعُ بِهَا) بضم التّحتيّة، وفي نسخة (عَنْ أَهْلِي وَمَالِي) وفي رواية أعشى ثقيف (( والله ورسوله

ج 29 ص 74

أحبُّ إليَّ من أهلي ومالي )) وتقدَّم في (( سورة الممتحنة ) ) [خ¦3007] قوله (( كنت ملصقًا ) )، وتفسيره في رواية عبد الرَّحمن بن حاطبٍ (( ولكنِّي كنت امرءًا غريبًا فيهم، وكان لي بنون وأخوة بمكَّة فكتبت لعليِّ أدفع عنهم ) ).

(وَلَيْسَ مِنْ أَصْحَابِكَ أَحَدٌ إِلاَّ لَهُ هُنَالِكَ) أي بمكَّة، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهني بإسقاط اللام (مِنْ قَوْمِهِ مَنْ يَدْفَعُ اللَّهُ بِهِ عَنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ) وفي حديث أنسٍ رضي الله عنه (( وليس منكم رجلٌ إلَّا له بمكَّة من يحفظه في عياله غيري ) ).

(قَالَ) صلى الله عليه وسلم (صَدَقَ) أي حاطب، يحتمل أن يكون صلى الله عليه وسلم صدقه بما ذكر، ويحتمل أن يكون بوحي (لاَ) وفي رواية أبي ذرٍّ بالواو (تَقُولُوا لَهُ إِلاَّ خَيْرًا قَالَ) أي عليٌّ رضي الله عنه (فَعَادَ عُمَرُ) رضي الله عنه؛ أي إلى كلامه الأوَّل في حاطب (فَقَالَ يَا رَسُولُ اللَّهِ، قَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ، دَعْنِي) وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهني (فَلأَضْرِبْ عُنُقَهُ) بكسر اللام والجزم، فالفاء زائدةٌ على مذهب الأخفش واللام للأمر، ويجوز فتحها على لغة سليم، وتسكينها مع الفاء عند قريشٍ، وأمر المتكلِّم نفسه باللام فصيح قليل الاستعمال، ذكره ابن مالكٍ في (( قوموا فلأصلِّي لكم ) ). ويروى بالنصب، وهو في تأويل مصدر محذوف وهو خبر مبتدأ محذوف؛ أي اتركني لأضربَ عنقَه، فتركك لي من أجل الضَّرب، وبالرّفع؛ أي فوالله لأضربُ، واستشكل قول عمر رضي الله عنه ثانيًا (( دعني أضربُ عنقه ) )بعد قول النَّبي صلّى الله عليه وسلم (( صدق لا تقولوا له إلَّا خيرًا ) ).

وأُجيب عنه بأنَّه ظنَّ أنَّ صدقه في عذره لا يدفعُ عنه ما وجب عليه من القتل، وفي حديث ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال عمر (( فاخترطتُ سيفي، وقلت يا رسول الله أمكنّي منه، فإنَّه قد كفر ) )، وأنكر القاضي أبو بكر الباقلاني هذه الرِّواية، وقال ليست بمعروفةٍ، قاله في الرَّد على الجاحظ رأس المعتزلة تلميذ إبراهيم النَّظام؛ لأنَّه احتجَّ بها على تكفير العاصي، وليس لإنكار القاضي معنى لأنَّها وردت بسندٍ صحيح.

وذكر البرقاني في «مستخرجه» أنَّ مسلمًا أخرجها، ورده الحُميديُّ، والجمع بينهما أنَّ مسلمًا أخرج سندها ولم يسق لفظها

ج 29 ص 75

وإذا ثبت فلعلَّه أطلقَ الكفر وأرادَ به كفر النِّعمة، كما أطلق النِّفاق وأراد به نفاق المعصية، وفيه نظرٌ؛ لأنَّه استأذن في ضرب عنقه فأشعر بأنَّه ظنَّ أنَّه نافق نفاق كفرٍ، ولذلك أطلق أنَّه كفر، ولكن مع ذلك لا يلزم منه أن يكون عمر يرى تكفير من ارتكبَ معصيةً ولو كبرت كما تقوله المبتدعة، ولكنَّه غلبَ على ظنِّه ذلك في حقِّ حاطب، فلمَّا بيَّن له النَّبيّ صلى الله عليه وسلم عذر حاطب رجع.

(قَالَ) صلى الله عليه وسلم (أَوَلَيْسَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ) وفي رواية الحارث (( أليس قد شهد بدرًا ) )وهو استفهام تقريرٍ، وجزم في رواية عبيد الله بن أبي رافعٍ أنَّه قد شهد بدرًا، وزاد الحارث فقال عمر رضي الله عنه (( بلى ولكنَّه نكثَ، وظاهر أعداءك عليك ) )، فقال صلى الله عليه وسلم (وَمَا يُدْرِيكَ) يا عمر (لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَيْهِمْ) أي على أهل بدرٍ (فَقَالَ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ) في المستقبل (فَقَدْ أَوْجَبْتُ لَكُمُ الْجَنَّةَ) وفي رواية عبيد الله بن أبي رافعٍ (( فقد غفرت لكم ) )كذا في (( غزوة الفتح ) ) [خ¦4274] ؛ أي أنَّ ذنوبهم تقع مغفورةً حتَّى لو تركوا فرضًا مثلًا لم يؤاخذوا بذلك، ويؤيِّده ما وقع في حديث سهل بن الحنظليَّة في قصَّة الَّذي حرس ليلة حنين، فقال له النَّبي صلى الله عليه وسلم (( هل نزلت الليلة؟ قال لا، إلَّا لقضاء الحاجة، قال لا عليك أن لا تعملَ بعدها ) ). وهذا يوافقُ ما فهمه أبو عبد الرَّحمن السُّلميّ.

ويؤيِّده قول عليٍّ رضي الله عنه فيمن قتل الحروريَّة (( لو أخبرتكم بما قضى الله تعالى على لسان نبيِّه صلى الله عليه وسلم لمن قتلهم لاتكلتم عن العمل ) )، وهذا فيه إشعارٌ بأنَّ من باشر بعض الأعمال الصَّالحة يثاب من جزيل الثَّواب بما يقاوم الآثام الحاصلة من ترك الفرائض الكثيرة.

وقد تعقَّب ابن بطَّال على أبي عبد الرَّحمن السُّلمي فقال (( هذا الَّذي قاله ظن منه؛ لأنَّ عليًّا رضي الله عنه على مكانتهِ من العلم والفضلِ والدِّين لا يقتل إلَّا من وجب عليه القتل ) ).

ووجّه ابن الجوزي والقرطبيُّ في «المفهم» قول السُّلمي كما تقدَّم، وقال الكرمانيُّ يحتمل

ج 29 ص 76

أن يكون مراده أنَّ عليًّا استفادَ من هذا الحديث الجزم بأنَّه من أهل الجنَّة، فعرف أنَّه لو وقع منه خطأٌ في اجتهاده لم يؤاخذ به قطعًا، كذا قال، وفيه نظرٌ؛ لأنَّ المجتهدَ معفوٌ عنه فيما أخطأَ فيه إذا بذلَ فيه وسعه، وله مع ذلك أجرٌ، فإن أصابَ فله أجران، والحقُّ أنَّ عليًّا رضي الله عنه كان مصيبًا في حروبه، فله في كلِّ ما اجتهدَ فيه من ذلك أجران، فظهرَ أنَّ الَّذي قاله السُّلمي استند فيه إلى ظنِّه، كما قال ابن بطَّال، والله أعلم.

ولو كان الَّذي فهمه السُّلَميّ صحيحًا لكان عليٌّ رضي الله عنه يتجرَّأ على غير الدِّماء كالأموال، والواقع أنَّه كان في غاية الورع وهو القائل يا صفراء ويا بيضاء غرّي غيري، ولم ينقل عنه في أمر المال إلَّا التَّحري _ بالمهملة _ لا التجري _ بالجيم _.

(فَاغْرَوْرَقَتْ عَيْنَاهُ) بالغين المعجمة الساكنة والرائين بينهما واو ساكنة، ثمَّ قاف افعوعلت من الغرق؛ أي امتلأت عينا عمر من الدُّموع حتَّى كأنَّها غرقت، وفي رواية الحارث عن عليٍّ رضي الله عنه (( ففاضت عينا عمر ) )ويجمع على أنَّها امتلأت ثمَّ فاضت (فَقَالَ) أي عمر رضي الله عنه (اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ) .

وفي الحديث من الفوائد أنَّ المؤمن ولو بلغ في الصَّلاح أن يُقْطَعَ له بالجنَّة لا يعصم من الوقوع في الذَّنب؛ لأنَّ حاطبًا دخلَ فيمن أوجب الله لهم الجنَّة ووقع منه ما وقع، وفيه تعقُّبٌ على أنَّ من تأوَّل المراد بقوله (( اعملوا ما شئتم ) )أنَّهم حفظوا من الوقوع في شيءٍ من الذُّنوب.

وفيه الرَّدُّ على من كفّر المسلم بارتكاب الذَّنب، وعلى من جزم بتخليدهِ في النَّار، وعلى من قطع بأنَّه لا بدَّ أن يعذّب.

وفيه أنَّ من وقع منه الخطأ لا ينبغي له أن يجحده، بل يعترف ويعتذر؛ لئلَّا يجمع بين ذنبين.

وفيه جواز التَّشديد في استخلاص الحقِّ، والتَّهديد بما لا يفعله المهدد، تخويفًا لمن يستخرج منه الحقّ.

وفيه هتك ستر الجاسوس، وقد استدلَّ به من يرى قتله من المالكيَّة لاستئذان عمر رضي الله عنه في قتله، ولم يردّه النَّبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك إلَّا لكونه من أهل بدرٍ، ومنهم من قيَّده بأن يتكرَّر ذلك منه، والمعروف

ج 29 ص 77

عن مالكٍ يجتهد فيه الإمام، ونقل الطَّحاويّ الإجماع على أنَّ الجاسوس المسلم لا يباح دمه، وقال الشَّافعية والأكثر يعزر، وإن كان من أهل الهيئات يعفى عنه، وكذا قال الأوزاعيُّ وأبو حنيفة يوجع عقوبة ويطال حبسه.

وفيه العفو عن زلَّة ذي الهيئة، وأجاب الطَّبريّ من قصَّة حاطب واحتجاج من احتجَّ بأنَّه إنَّما صفح عنه لما أطلعَه الله عليه من صدقه في اعتذارهِ، فلا يكون غيره كذلك.

قال الطَّبريّ وهو ظنٌّ خطأٌ؛ لأنَّ أحكام الله في عباده إنَّما تجري على ما ظهر منهم، وقد أخبر الله نبيَّه عن المنافقين الَّذين كانوا بحضرته ولم يبح له قتلهم مع ذلك لإظهارهم الإسلام، وكذلك الحكم فيمن أظهر الإسلام تجري عليه أحكام الإسلام.

وفيه من أعلام النُّبوة إطْلاع الله تعالى نبيه على قصَّة حاطب مع المرأة كما تقدَّم بيانه من الرِّوايات في ذلك.

وفيه إشارة الكبير على الإمام بما يظهر له من الرَّأي العائد نفعه على المسلمين ويتخيَّر الإمام في ذلك.

وفيه أنَّ العاصي لا حرمة له، وقد أجمعوا على أنَّ الأجنبيَّة يحرم النَّظر إليها مؤمنةً كانت أو كافرة، ولولا أنَّها لعصيانها سقطت حرمتها ما هدَّدها عليٌّ رضي الله عنه بتجريدها، قاله ابن بطَّال.

وفيه جواز غفران جميع الذُّنوب الجائزة الوقوع عمَّن شاء الله تعالى خلافًا لمن أبى ذلك من أهل البدع.

وفيه جواز غفران ما تأخَّر من الذُّنوب، ويدلُّ على ذلك الدُّعاء به في عدَّة أخبارٍ، وقد جمع الحافظ العَسقلاني جزء في الأحاديث الواردة في بيان الأعمال الموعود لعاملها بغفران ما تقدَّم وما تأخَّر سمَّاه (( الخصال المكفرة للذُّنوب المتقدِّمة والمتأخِّرة ) )فيها عدَّة أحاديث بأسانيد جياد.

وفيه تأدَّب عمر رضي الله عنه، وأنَّه لا ينبغي إقامة الحدِّ والتَّأديب بحضرة الإمام إلَّا بعد استئذانه.

وفيه منقبةٌ لأهل بدر كلِّهم.

وفيه البكاء عند السُّرور، ويحتمل أن يكون عمر بكى حينئذٍ لما لحقه في الخشوع والنَّدم على ما قاله في حقِّ حاطبٍ رضي الله عنه.

ج 29 ص 78

وقال العينيُّ قال العلماء معناه الغفران لهم في الآخرة، وإلَّا فلو توجَّه على أحدٍ منهم حدٌّ أو غيره أقيم عليه في الدُّنيا، ونقل القاضي عِياض الإجماع على إقامة الحدِّ، قال ضرب النَّبي صلى الله عليه وسلم مسطحًا الحدَّ وكان بدريًّا.

وفي «التوضيح» وقد اعترض بعض أهل البدع بهذا الحديث على قضيَّة مسطح حين جُلد في قذف عائشة رضي الله عنها وكان بدريًّا قالوا وكان ينبغي أن لا يحدَّ كحاطب.

والجواب أنَّ المراد غفر لهم عقاب الآخرة دون الدُّنيا، وقد قام الإجماع على أنَّ كلَّ من ركب من أهل بدرٍ ذنبًا بينه وبين الله فيه حدٌّ أو بينه وبين الخلق من القذف أو الجرح أو القتل فإنَّ عليه فيه الحدُّ والقصاص، وليس يدلُّ عدم العفو في الدُّنيا وإقامة الحدود عليه على أنَّه يعاقب في الآخرة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في ماعز والغامديَّة (( لقد تابا توبةً لو قسمت على أهل الأرض لوسعتهم ) ).

(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) هو البخاري نفسه (خَاخٍ) بالمعجمتين (أَصَحُّ، وَلَكِنْ كَذَا قَالَ أَبُو عَوَانَةَ) وهو الوضَّاح اليَشكريُّ (حَاجٍ) بمهملة ثمَّ جيم (وَحَاجٍ) أي بالمهملة والجيم (تَصْحِيفٌ، وَهُوَ مَوْضِعٌ) بين مكَّة والمدينة (وَهَيْثَمٌ) بفتح الهاء وبعد التحتية الساكنة مثلثة كذا في الفَرْع، ولعلَّه سبق قلم والَّذي في اليونينيَّة وفي الأصول المعتمدة بضم الهاء وفتح الشين المعجمة مصغَّرًا، ابن بشيرٍ الواسطي في روايته عن أبي حصين.

(يَقُولُ خَاخٍ) بالمعجمتين، وقيل بل هو كقول أبي عَوَانة، وبه جزم السُّهيلي، ويؤيِّده أنَّ البخاريّ لمَّا أخرجه من طريقه في الجهاد [خ¦3081] عبَّر عنه بقوله (( روضة كذا ) )كما تقدَّم فلو كان بالمعجمتين لما كنى عنه، ووقع في «السّيرة» للقطب الحلبيّ (( روضة خاخ ) )بمعجمتين، وكان هشيم يروي الأخيرة منها بالجيم، وكذا ذكره البخاريُّ عن أبي عَوانة. انتهى.

وهو يوهم أنَّ المغايرة بينها وبين الرِّواية المشهورة إنَّما هو في الخاء الأخيرة فقط وليس كذلك، بل وقع ذلك في الأولى، فعند أبي عوانة أنَّها بالحاء المهملة جزمًا، وأمَّا هُشَيم فالرِّواية عنه محتملة، والله تعالى أعلم.

خاتمة اشتمل (( كتاب استتابة المرتدِّين ) )من الأحاديث المرفوعة على أحد وعشرين حديثًا، فيها واحدٌ معلَّق،

ج 29 ص 79

والبقيَّة موصولةٌ، المكرَّر منها فيه وفيما مضى سبعة عشر حديثًا، والأربعة خالصة، وافقه مسلمٌ على تخريجها جميعًا، وفيه من الآثار عن الصَّحابة فمن بعدهم سبعة آثارٍ بعضها موصولٌ، والله تعالى أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت