6971 - (حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ) الضَّحَّاك بن مخلد (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز (عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) هو عبدُ الله بن عبد الرحمن بن أبي مُليكة _ بضم الميم _ واسمه زُهير (عَنْ ذَكْوَانَ) بفتح الذّال المعجمة وبالواو، مولى عائشة رضي الله عنها (عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا) أنَّها (قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ) قالت عائشة رضي الله عنها
(قُلْتُ)
ج 29 ص 151
يا رسول الله (إِنَّ الْبِكْرَ تَسْتَحْيِي) أي أن تُفضح بذلك (قَالَ) صلى الله عليه وسلم (إِذْنُهَا صُمَاتُهَا) بضمّ الصّاد المهملة؛ أي سكوتها.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ، وقد مضى الحديث في (( النكاح ) ) [خ¦5137] .
(وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ) أراد به التَّشنيع على الإمام أبي حنيفة رحمه الله (إِنْ هَوِيَ) بفتح الهاء وكسر الواو؛ أي أحبّ (رَجُلٌ) وفي رواية أبي ذرٍّ عن الحموي والمستملي (جَارِيَةً) أي فتيّةً من بين النِّساء (يَتِيمَةً) وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهنيّ ووقع عند ابن بطّال كذلك بدل يتيمة. ويؤيِّد الأوّل قوله في بقيَّة الكلام، فأدركتِ اليتيمةُ، فظاهره أنَّها كانت غير بالغةٍ.
(أَوْ بِكْرًا فَأَبَتْ) أن تتزوَّجه (فَاحْتَالَ فَجَاءَ بِشَاهِدَيْ زُورٍ عَلَى أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا، فَأَدْرَكَتْ) أي بلغتِ الحلم (فَرَضِيَتِ الْيَتِيمَةُ) بذلك (فَقَبِلَ الْقَاضِي بشَهَادَةِ الزُّورِ) وفي رواية أبي ذرٍّ عن الحموي والمستملي بحذف الموحّدة في أوله
(وَالزَّوْجُ يَعْلَمُ بِبُطْلاَنِ ذَلِكَ) وفي رواية أبي ذرٍّ بدون الباء الموحّدة (حَلَّ لَهُ الْوَطْءُ) أي مع علمه بكذب الشّهادة المذكورة، ويحتمل أنَّه يريد أنَّه جاء بشاهدين على أنَّها أدركت ورضيت فتزوَّجها فيكون داخلًا تحت الشَّهادة.
وقال ابن بطَّال لا يَحلُّ هذا النِّكاح عند أحدٍ من العلماء، وحُكم القاضي بما ظهر له من عدالة الشَّاهدين في الظَّاهر لا يُحلُّ للزَّوج ما حرَّم الله عليه، وقد اتَّفقوا على أنَّه لا يحلُّ له أكل مال غيره بمثل هذه الشَّهادة، ولا فرق بين أكل مال الحرام ووطئ الفرج الحرام.
وقال المهلَّب قاس أبو حنيفة هذه المسألة والتي قبلها على مسألة اتفاقيَّة، وهي ما لو حكم القاضي بشهادة من ظنَّ عدالتهما أنَّ الزَّوج طلق امرأته وكانا شهدا في ذلك بالزُّور أنَّه يحلُّ تزويجها لمن لا يعلم باطن تلك الشَّهادة قال وكذلك لو علم.
وتُعُقِّب بأنَّ الَّذي يُقْدِم على الشَّيء جاهلًا ببطلانه لا يقاس بمن يُقْدِم عليه مع علمه ببطلانه، ولا خلاف بين الأئمَّة أنَّ رجلًا لو أقام شاهدي زور على ابنته
ج 29 ص 152
أنَّها أمته، وحكم الحاكم بذلك ظانًّا عدالتهما أنَّه لا يَحلُّ له وطئها، وكذا لو شهد في ابنة غيره من حرَّةٍ أنَّها أمة المشهود له وهو يعلم بطلان شهادتهما أنَّه لا يحلُّ له وطئها. انتهى ملخَّصًا.
قال الحافظ العسقلانيّ وليس الَّذي نسبه إلى أبي حنيفة من هذا القياس مستقيمًا، وإنَّما حجّتهم أنَّ الاستئذان ليس بشرطٍ في صحَّة النِّكاح، ولو كان واجبًا، فإذا كان كذلك فالقاضي أنشأ بهذا الزَّوج عقدًا مستأنفًا فيصحُّ، وهذا قول أبي حنيفة وحدَه.
واحتجَّ بأثرٍ عن عليٍّ رضي الله عنه في نحو هذا قال فيه شاهداك زوّجاك، وخالفَه صاحباه.
وقال ابن العربيِّ اعتمد الحنفيَّة أمرين
أحدهما قوله صلى الله عليه وسلم للمتلاعنين (( أحدكما كاذبٌ ) )، فرَّق بينهما على قول يحقق أنَّه باطلٌ، وكذلك البناء على شهادة الزُّور.
والثَّاني أنَّ الفرْج يقبل إنشاء الحلِّ فيه.
قال وحاصل الجواب عن ذلك أنَّ المجتهد إنَّما يحمل الحكم الَّذي لا أثر فيه على النَّظر لا على الضِّدِّ، فلا يصحُّ حمل شهادة الزُّور على اللِّعان، والفرْج إنَّما ينشأ الحلَّ فيه بوجهٍ يستوي فيه باطنه وظاهره، وأمَّا بأثرٍ يظهر باطنه فلا. انتهى ملخَّصًا.
وقال ابن التِّين قال أبو حنيفة إذا شهدا الزُّور على الطَّلاق فحكم القاضي بها تصير المرأة مطلقةً بحكم الحاكم ويجوز لها أن تتزوَّج، وقال فيما لو أقام شاهدي زورٍ على محرمٍ أنَّها زوجته إنَّ الحكم لا ينفذ في الباطن ولا يحلُّ له وطئها وهو يعلمُ، وكذا لو شهدا له بمال.
قال وفرق بين الموضعين، فإنَّ كلَّ شيءٍ جاز أن يكون للحاكم فيه ولاية ابتداء أنَّه ينفذ حكمه فيه ظاهرًا وباطنًا، وما لا، فإنَّه ينفذُ في الظَّاهر دون الباطن، فلمَّا أن كان للحاكم ولاية في عقد النِّكاح وولاية في أنَّه يطلّقُ على غيره نفذ حكمه ظاهرًا وباطنًا، ولمّا لم يكن له ولاية في تزويجِ ذوي المحارم، ولا في نقل الأموال، نفذ ظاهرًا لا باطنًا.
قال
ج 29 ص 153
والحجَّة للجمهور قوله صلى الله عليه وسلم (( فمن قضيتُ له من حقِّ أخيهِ شيئًا فلا يأخذه ) )وهذا عامٌّ في الأموال والأبضاع، فلو كان حكم الحاكم يحيلُ الأمور عمَّا هي عليه لكان حكم النَّبي صلى الله عليه وسلم أولى.
وبهذا احتجَّ الشَّافعي كما سيأتي بيانه عند شرحه في كتاب «الأحكام» [خ¦7169] إن شاء الله تعالى، وقد احتجَّ لأبي حنيفة أيضًا بأنَّ الفرقة في اللِّعان بقضاء القاضي ولو كان الملاعن في الباطن كاذبًا، وبأنَّ البيّعين إذا اختلفا تحالفا وترادَّا ويرد السِّلعة، ولا يحرمُ انتفاعَ بائع السِّلعة بها بعد ذلك ولو كان في نفس الأمر كاذبًا.
وأجيب بأنَّ الأثر المتقدِّم عن عليٍّ رضي الله عنه لا يثبتُ وبأنَّه موقوفٌ، وإذا اختلف الصَّحابة لم يكن قول بعضهم حجَّةً بغير مرجِّحٍ، وبأنَّ الفرقة في اللِّعان ثبتت بالنَّصِّ والَّذي حكم بالملاعنة لا يعلم أنَّ الملاعن حلف كاذبًا، وأمَّا مسألة البيّعين فإنَّما كان الحكم فيها كذلك للتَّعارض.
تنبيه ذكر البخاريّ في هذا الباب ثلاثة فروعٍ مبنيَّةً على اشتراط الاستئذان وينظمها صحة النِّكاح بشهادة الزُّور، وحجَّة الحنفيَّة فيها ما تقدَّم، وعبَّر في الأولى بقوله فلا بأس أن يطأهَا، وهو تزويجٌ صحيحٌ. وفي الثَّانية بقوله فإنَّه يسعَه هذا النِّكاح ولا بأسَ بالمقام معها.
وفي الثَّالثة بقوله يحلُّ له الوطء، وهو تفنن في العبارة والمفاد واحدٌ، ثمَّ يحتمل أن يكون ذلك وقع في كلام من نقل عنه، ويحتمل أن يكون من تصرُّفه، والله تعالى أعلم.
وقال الكرمانيّ صور الأولى في البكر، والثاني في الثَّيب، والثالث في الصَّغيرة إذ لا يُتْمَ بعد احتلام، وفي الأوّلين ثبت الرِّضا بالشَّهادة إذ كان ذلك قبل العقدِ، وفي الثالث ثبتَ بالاعتراف أو أنَّه بعد العقدِ، ومع ذلك فحاصل الفروع الثَّلاثة واحدٌ، وهو أنَّ حكمَ الحاكم ينفذُ ظاهرًا وباطنًا ويحلّل ويحرّم، وفائدةُ إيرادها المبالغة في التَّشنيع لما فيه من حمل الزَّوج في الثَّلاثة على الإقدامِ على الإثمِ العظيم مع العلم بالتَّحريم. انتهى.
وقد عرفت
ج 29 ص 154
حقيقة الحال في ذلك المقال.