645 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) إمام دار الهجرة (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) رضي الله عنهما، وفي رواية سقط لفظ «عبد الله» ورجالُ هذا الإسناد قد ذكروا غير مرَّة، وقد أخرج متنه مسلم والنَّسائي في «الصَّلاة» .
(أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ صَلاَةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ) بفتح المثناة الفوقية وسكون الفاء وضم الضاد المعجمة
ج 4 ص 116
(صَلاَةَ الْفَذِّ) بفتح الفاء وتشديد الذال المعجمة؛ أي الفرد، يقال فذَّ الرَّجلُ من أصحابه، إذا بقيَ وحده، وقد رواه مسلم من رواية عبيد الله بن عمر، عن نافع. وسياقه أوضح ولفظه (( صلاة الرَّجل في الجماعة تزيدُ على صلاته وحدَه ) ).
(بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً) قال التِّرمذيُّ عامَّة من رواه قالوا «خمسًا وعشرين» إلَّا ابن عمر، فإنَّه قال «سبعًا وعشرين» .
وقال الحافظ العسقلانيُّ لم يختلفْ عليه في ذلك إلَّا ما وقع عند عبد الرَّزَّاق عن عبد الله العمريِّ، عن نافع فإنَّه قال فيه (( بخمس وعشرين ) )لكن العُمري ضعيف، ووقع عند أبي عَوَانة في «مستخرجه» من طريق أبي أسامة، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع فإنَّه قال فيه (( بخمس وعشرين ) )، وهي شاذَّةٌ مخالفةٌ لرواية الحفَّاظ من أصحاب عبيد الله، وأصحاب نافع وإن كان راويها ثقة.
وأمَّا ما وقع عند مسلم من رواية الضَّحاك بن عثمان، عن نافع بلفظ (( بضع وعشرين ) )فليست مغايرة لرواية الحفَّاظ لصدق البضع على السَّبع.
وأمَّا غير ابن عمر رضي الله عنهما فصحَّ عن أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما كما في هذا الباب، وعن ابن مسعود رضي الله عنه عند أحمد وابن خُزيمة. وعن أُبيِّ بن كعب رضي الله عنه عند ابن ماجه والحاكم، وعن عائشة وأنس رضي الله عنهما عند السَّرَّاج، وورد أيضًا من طرق ضعيفة عن معاذ وصهيب وعبد الله بن زيد وزيد بن ثابت، وكلُّها عند الطَّبراني (( بخمس وعشرين ) )سوى رواية أُبيِّ فإنَّه قال (( أربع أو خمس ) )على الشَّكِّ، وسوى رواية لأبي هريرة عند أحمد قال فيها (( سبع وعشرون ) )وفي إسنادها شَرِيك القاضي، وفي حفظه ضعفٌ، وفي رواية لأبي عَوانة (( بضعًا وعشرين ) )وليست مغايرة أيضًا لصدق البضع على الخمس، فرجعت الرِّوايات كلَّها إلى الخمس والسبع إذ لا أثر للشَّكِّ.
واختلف في أيِّهما أرجحُ فقيل رواية الخمس لكثرة رواتها، وقيل رواية السَّبع؛ لأنَّ فيها زيادةٌ من عدل حافظ، ووقع الاختلاف في موضعٍ آخر من الحديث وهو مميَّز العدد المذكور، ففي الرِّوايات كلِّها التَّعبير بقوله «درجة» أو حذف المميَّز إلَّا طرقُ حديثِ أبي هريرة ففي بعضها «ضعفًا» ، وفي بعضها «جزءًا» ، وفي بعضها «درجة» ، وفي بعضها «صلاة» ، ووقع هذا الأخير في بعضِ طرق حديث أنس، والظَّاهر أنَّ ذلك من تصرُّف الرُّواة، ويحتمل أن يكون ذلك من التفنُّن
ج 4 ص 117
في العبارة.
وأمَّا قول ابن الأثير إنَّما قال «درجة» ، ولم يقل جزءًا ولا نصيبًا ولا حظًّا ولا نحو ذلك؛ لأنَّه أراد الثَّواب من جهة العلوِّ والارتفاع، فإنَّ تلك فوق هذه بكذا وكذا درجة؛ لأنَّ الدَّرجات إلى جهة فوق، فكأنَّه بناه على أنَّ الأصل لفظ «درجة» وما عدا ذلك من تصرُّف الرُّواة، لكنَّ نفيه ورود «الجزء» مردودٌ، فإنَّه ثابت وكذلك «الضِّعف» .
وقد جُمِع بين روايتي «الخمس» و «السَّبع» بوجوه
منها أنَّ ذكر القليل لا ينفي الكثير، وهذا قول مَن لا يعتبر مفهوم العدد، لكن قد قال به جماعة من الشَّافعيَّة، وحُكِي عن نصِّ الشَّافعي، وعلى هذا فقيل وهو الوجه الثَّاني لعلَّه صلى الله عليه وسلم أخبر بالخمس، ثمَّ أعلمه الله تعالى بزيادة الفضل فأخبر بالسَّبع.
وتعقِّب بأنه يحتاج إلى التَّاريخ، وبأنَّ دخول النَّسخ في الفضائلِ مختلف فيه، لكن إذا سلَّمنا دخول النَّسخ فيها تعيَّن تقدُّم الخمس على السَّبع من جهة أنَّ الفضل من الله يَقْبَلُ الزِّيادة لا النُّقصان.
ومنها أنَّ اختلاف العددين باختلاف مميِّزهما، وعلى هذا فقيل «الدَّرجة» أصغر من «الجزء» ، وتعقِّب بأنَّ الذي روى عنه «الجزء» روى عنه «الدَّرجة» .
وقال بعضهم «الجزء» في الدُّنيا، و «الدَّرجة» في الآخرة، وهو مبنيٌّ على التَّغاير.
ومنها الفرق بقرب المسجد وبعده.
ومنها الفرق بحال المصلِّي كأن يكون أعلم أو أخشع.
ومنها الفرق بإيقاعها في المسجد أو في غيره.
ومنها الفرق بالمنتظر للصَّلاة وغيره.
ومنها الفرق بإدراكها كلها أو بعضها. ومنها الفرق بكثرة الجماعة وقلَّتهم.
ومنها أنَّ «السَّبع» مختصَّة بالفجر والعشاء، وقيل بالفجر والعصر، و «الخمس» بما عدا ذلك.
ومنها أنَّ «السَّبع» مختصَّة بالجهريَّة و «الخمس» بالسِّريَّة.
قال الحافظ العسقلانيُّ وهذا الوجه أوجه عندي لما في الجهريَّة من الإنصات عند قراءة الإمام والاستماع لها، ومن التَّأمين عند تأمينه ليُوافق تأمين الملائكة، هذا ثمَّ إنَّ الحكمةَ في هذا العدد غير محقَّقة المعنى، ونقل الطِّيبيُّ عن التُّورِبشتي ما حاصله أنَّ ذلك لا يُدرَك بالرَّأي، بل مرجعه إلى علم النُّبوَّة التي قصرت علوم الألبَّاء عن إدراك حقيقتها كلها، ثمَّ قال ولعلَّ الفائدة هي اجتماع المسلمين مصطفين كصفوف الملائكة، والاقتداء بالإمام وإظهار شعائر الإسلام وغير ذلك.
ج 4 ص 118
وأشار الكرمانيُّ إلى احتمال أن يكون أصله كون المكتوبات خمسًا فأريد المبالغة في تكثيرها فضربتْ في مثلها فصارت خمسًا وعشرين، ثمَّ ذكر للسَّبع مناسبة أيضًا من جهة عدد ركعات الفرائض ورواتبها.
وقال غيره الحسنة بعشرة للمصلِّي منفردًا، فإذا انضمَّ إليه آخرُ بلغت عشرين، ثم زيد بقدر عدد الصَّلوات الخمس أو زيد عدد أيَّام الأسبوع، وقيل الأعداد عشرات ومئات وألوف، وخيرُ الأمور الوسط فاعتبرت المئة والعدد المذكور ربعها، وأنت خبيرٌ بأنَّ كلَّ واحدٍ من هذه الأوجه غير وجيه.
قال الحافظ العسقلانيُّ وقرأت بخطِّ شيخنا البُلْقيني فيما كتب على «العمدة» ظهر لي في هذين العددين شيء لم أُسْبَق إليه؛ لأنَّ لفظ ابن عمر «صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذِّ» ، ومعناه الصَّلاة في الجماعة، كما وقع في حديث أبي هريرة رضي الله عنه (( صلاة الرَّجل في الجماعة ) ).
وعلى هذا فكلُّ واحد من المحكوم له بذلك صلَّى في جماعة، وأدنى الأعداد التي يتحقَّق فيها ذلك ثلاثة حتَّى يكون كلُّ واحد صلَّى في جماعة، وكلُّ واحد منهم أتى بحسنة، وهي بعشرة فيحصل من مجموعه ثلاثون، فاقتصرَ في الحديث على الفضل الزَّائد وهو سبعة وعشرون دون الثَّلاثة التي هي أصل ذلك، انتهى.
قال الحافظ العسقلانيُّ وظهر لي في الجمع بين العددين أنَّ أقلَّ الجماعة إمام ومأموم، فلولا الإمامُ ما سمِّيَ المأمومُ مأمومًا وكذا عكسه، فإذا تفضَّل الله تعالى على من صلَّى بجماعة بزيادة خمس وعشرين درجة حُمِلَ الخبر الوارد بلفظها على الفضل الزَّائد، والخبر الوارد بلفظ (( سبعة وعشرين ) )على الأصل والفضل، وقد خاضَ قومٌ في تعيين الأسباب المقتضية للدَّرجات المذكورة.
قال ابن الجوزيِّ وما جاؤوا بطائلٍ.
وقال المحبُّ الطَّبري ذكر بعضهم أنَّ في حديث أبي هريرة رضي الله عنه _ يعني ثالث أحاديث الباب _ [خ¦647] إشارة إلى بعض ذلك، ويُضاف إليه أمور أُخرى وردت في ذلك، وقد فصَّلها ابن بطَّال وتبعه جماعة من الشَّارحين.
وتعقَّب الزين ابن المُنيِّر بعض ما ذكره، واختار تفصيلًا آخر أورده، وقد نقَّحت ما وقفت عليه من ذلك، وحذفت ما لا يختصُّ بصلاة الجماعة
فأوَّلها إجابةُ المؤذِّن بنيَّة الصَّلاة في الجماعة.
2 -التبكير إليها في أوَّل الوقت.
ج 4 ص 119
3 -المشي إلى المسجد بالسَّكينة والوقار.
4 -دخولُ المسجد داعيًا.
5 -صلاة التَّحية عند دخوله كلُّ ذلك بنيَّة الصَّلاة في الجماعة.
6 -انتظار الجماعة.
7 -صلاة الملائكة عليه واستغفارهم له.
8 -شهادتهم له.
9 -إجابة الإقامة.
10 -السَّلامة من الشَّيطان حين يفرُّ عند الإقامة.
11 -الوقوف منتظرًا لإحرام الإمام أو الدُّخول معه في أيِّ هيئة وجده عليها.
12 -إدراك تكبيرة الإحرام كذلك.
13 -تسوية الصُّفوف وسدُّ فُرَجها.
14 -جواب الإمام عند قوله سمعَ الله لمن حمده.
15 -الأمن من السَّهو غالبًا، وتنبيه الإمام إذا سهى بالتَّسبيح أو الفتح عليه.
16 -حصولُ الخشوع والسَّلامة عمَّا يُلهي غالبًا.
17 -تحسينُ الهيئة غالبًا.
18 -احتفاف الملائكة به.
19 -التدرُّب على تجويد القراءة وتعلُّم الأركان والأبعاض.
20 -إظهار شعائر الإسلام.
21 -إرغام الشَّيطان بالاجتماع على العبادة، والتَّعاون على الطَّاعة ونشاط المتكاسل.
22 -السَّلامة من صفة النِّفاق، ومن إساءة غيره الظَّن بأنَّه ترك الصَّلاة رأسًا.
23 -نيَّة ردِّ السَّلام على الإمام.
24 -الانتفاع باجتماعهم على الدُّعاء والذِّكر وعود بركة الكامل على النَّاقص.
25 -قيام نظام الألفة بين الجيران، وحصول تعاهدهم في أوقات الصَّلاة.
فهذه خمس وعشرون خصلة ورد في كلٍّ منها أمرٌ وترغيب يخصُّه، وبقي أمران يختصَّان الجهريَّة وهما الإنصات عند قراءة الإمام والاستماع لها، والتَّأمين عند تأمينه كما سبق، ثمَّ إنَّ مقتضى الخصال التي ذكرت اختصاص التَّضعيف المذكور بالتَّجميع في المسجد. قيل وهو الرَّاجح، وعلى تقدير أنَّ لا يختصَّ بالمسجد فإنَّما يسقط ممَّا ذكر ثلاث خصال وهي المشي والدُّخول والتحيَّة، فيمكن أن يعوَّض من بعض ما ذكر ممَّا يشتمل على خصلتين متقاربتين أقيمتا مقام خصلة واحدةٍ كالأخيرتين؛ لأنَّ منفعة الاجتماع على الدُّعاء والذِّكر غير منفعةِ عود بركة الكامل على النَّاقص، وكذا فائدة قيام نظام الألفة غير فائدة حصول التَّعاهد، وكذا فائدة أمن المأمومين من السَّهو غالبًا غير تنبيه الإمام إذا سهى، فهذه ثلاثة يمكن أن يعوَّض بها الثَّلاثة المذكورة فيحصلُ المطلوب.
ثمَّ إنَّه لا يَرِدُ على الخصال التي ذكرت كون بعضها يختصُّ ببعض مَن صلَّى جماعة دون بعض؛ كالتَّبكير في أوَّل الوقت، وانتظار الجماعة، وانتظار إحرام الإمام ونحو ذلك؛ لأنَّ أجر ذلك يحصل
ج 4 ص 120
للقاصد بمجرَّد النيَّة ولو لم يقع كما سبق، ثمَّ إنَّ معنى «الدَّرجة» أو «الجزء» حصول مقدار صلاة المنفرد بالعدد المذكور للمجمِّع، وقد أشار ابنُ دقيق العيد إلى أنَّ بعضهم زعم خلاف ذلك قال والأوَّل أظهر؛ لأنَّه قد ورد مبيَّنًا في بعض الرِّوايات، انتهى.
وكأنَّه يشير إلى ما عند مسلم في بعض طرقه بلفظ (( صلاة الجماعة تعدلُ خمسًا وعشرين من صلاة الفذِّ ) )، وفي أُخرى (( صلاةٌ مع الإمام أفضلُ من خمس وعشرين صلاة يصلِّيها وحدَه ) ).
ولأحمد من حديث ابنِ مسعود رضي الله عنه بإسنادٍ رجاله ثقاتٌ نحوه. وقال في آخره (( كلها مثل صلاته ) )، وهو يقتضي لفظ رواية أبي هريرة الآتية حيث قال (( تضعَّف ) )لأنَّ الضِّعف، كما قال الأزهريُّ المثل إلى ما زاد، ليس بمقصورٍ على المثلين، تقول هذا ضعف الشيء؛ أي مثله أو مثلاه فصاعدًا، لكن لا يزاد على العشرة، وظاهر قوله (( تضعَّف ) )، وكذا قوله في روايتي ابن عمر وأبي سعيد (( تَفْضُل ) )أي تزيد.
وقوله في رواية أبي هريرة السَّابقة في باب «مساجد السُّوق» [خ¦477] ، يريد أنَّ صلاة الجماعة تساوي صلاة المنفرد وتزيد عليها العدد المذكور فيكون لمصلِّي الجماعة ثواب ستٍّ أو ثمانٍ وعشرين صلاة من صلاة المنفرد.
تنبيه وفي الحديث أنَّ أقلَّ الجمع اثنان؛ لأنَّه جعل هذا الفضل لغير الفذِّ، وما زاد على الفذِّ فهو جماعة، لكن قد يقال إنَّما رتَّب هذا الفضل لصلاة الجماعة، وليس فيه تعرُّض لنفي درجة متوسِّطة بين الفذِّ والجماعة كصلاة الاثنين مثلًا، لكن قد وردَ في غير حديثٍ التَّصريح بكون الاثنين جماعة.
وعند ابن ماجه من حديث أبي موسى الأشعريِّ رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( اثنان فما فوقهما جماعة ) )لكن فيه ضعف، والله أعلم.
646 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ أَخْبَرَنَا) وفي رواية (اللَّيْثُ) هو ابن سعد إمام المصريِّين (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ الْهَادِ) هو يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد، نُسب إلى جدِّه لشهرته به.
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبَّابٍ) بفتح الخاء المعجمة وتشديد الباء الموحدة وبعد الألف باء أخرى، الأنصاريِّ المدنيِّ التَّابعي، وليس هو بابن خبَّاب بن الأرتِّ صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ لا روايةَ له في «الصَّحيحين» ، كذا قال الحافظ العسقلانيُّ.
(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) رضي الله عنه، ورجال هذا الإسناد ما بين مصريٍّ ومدنيٍّ، وهذا الحديث ساقط في رواية كريمة، وثابتٌ في رواية الباقين، وهو من أفراد البخاري.
(أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ صَلاَةُ
ج 4 ص 121
الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلاَةَ الْفَذِّ) كذا هو في عامَّة نسخ البخاري، وعزاه ابنُ الأثير إليه بلفظ (( على صلاة الفذِّ ) )ثمَّ أوَّلها بأن «تفضل» بمعنى تزيد، وهو يتعدَّى بـ «على» ، وإلَّا فـ «تفضل» يتعدَّى بنفسها قال وأمَّا الذي في «صحيح مسلم» فهو (( أفضل من صلاة الفذِّ ) )بلفظ أفعل الذي هو للتَّفضيل والتَّكثير في المعنى المشترك، وهو أبلغُ من «تفضل» ، كما لا يخفى.
(بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ) وفي رواية (دَرَجَةً) ، وزاد ابن حبَّان وأبو داود من وجه آخر عن أبي سعيد (( فإن صلَّاها في فلاةٍ فأتمَّ ركوعها وسجودها بلغت خمسين صلاة ) )أي بلغت صلاته تلك خمسين صلاة؛ أي يحصل له أجر خمسين صلاة، وكأنَّ السِّرَّ في ذلك أنَّ الجماعة لا تتأكَّد في حقِّ المسافر لوجود المشقَّة، فإذا صلَّاها منفردًا لا يحصل له هذا التَّضعيف، وإنَّما يحصل له إذا صلَّاها في الجماعة «خمسة وعشرون» ؛ لأجل أنَّه صلَّاها في الجماعة، و «خمسة وعشرون» أُخرى التي هي ضعف تلك؛ لأجل أنَّه أتمَّ ركوعها وسجودها وهو في السَّفر الذي هو مظنَّة التَّخفيف.
هذا وحكى النَّووي أنَّه لا يجري فيه الخلاف في وجوبها، لكن فيه نظر فإنَّه خلافُ نصِّ الشَّافعي، وحكى أبو داود عن عبد الواحد قال في هذا الحديث (( إنَّ صلاة الرَّجل في الفلاة تُضَاعف على صلاته في الجماعة ) )انتهى.
وكأنَّه أخذه من إطلاق قوله «فإن صلَّاها» لتناوله الجماعة والانفراد، لكن حملُه على الجماعة أولى وهو الذي يظهر من السِّياق.
ويلزم على ما قال النَّووي أنَّ ثوابَ المندوب يزيدُ على ثواب الواجب عند من يقول بوجوب الجماعة، وقد استشكله القَرَافي على أصل الحديث بناء على القول بأنَّها سنَّة، ثمَّ أورد عليه أنَّ الثواب المذكور مرتَّبٌ على صلاة الفرد وصفته من صلاة الجماعة، فلا يلزم منه زيادة ثواب المندوب على الواجب.
وأجاب بأنَّه تُفرض المسألة فيمن صلَّى وحده ثمَّ أعاد في جماعة، فإنَّ ثواب الفرض يحصل له بصلاته وحده، والتَّضعيف يحصل بصلاته في الجماعة، فبقي الإشكال على حاله، وفيه نظر؛ لأنَّ التَّضعيف لم يحصل بسبب الإعادة إذ لو أعاد منفردًا لم يحصلْ له إلَّا صلاة واحدة، فلا يلزم منه زيادة ثواب المندوب على الواجب.
وممَّا ورد من الزِّيادة على العدد المذكور ما أخرجه ابن أبي شيبة من طريق عكرمة، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما موقوفًا عليه، قال «فضل صلاة الجماعة على صلاة المنفرد خمس وعشرون درجة، قال فإن كانوا أكثر فعلى عدد من في المسجد، فقال رجل وإن كانوا عشرة آلاف؟ قال نعم» ،
ج 4 ص 122
وهذا له حكم الرَّفع؛ لأنَّه لا يقال بالرَّأي، لكنَّه غير ثابت.