فهرس الكتاب

الصفحة 1041 من 11127

647 - (حَدَّثَنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكي (قَالَ حَدَّثَنا عَبْدُ الوَاحِدِ) هو ابن زياد العبديُّ (قَالَ حَدَّثَنا) وفي رواية (الأَعْمشُ) سليمان بن مهران (قَالَ سَمِعتُ أَبَا صَالِحٍ) ذكوان (يَقُولُ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (يَقُولُ) ورجال هذا الإسناد ما بين كوفيٍّ وبصريٍّ ومدنيٍّ، وفيه رواية تابعي عن تابعي، وقد ذُكِروا غير مرَّة، ومتنُ هذا الحديث قد مضى في باب «الصَّلاة في مسجد السُّوق» عن أبي هريرة أيضًا [خ¦477] إلَّا أنَّ هناك أخرجه عن مسدَّد، عن أبي معاوية، عن الأعمش، وهنا عن موسى بن إسماعيل، عن عبد الواحد، عن الأعمش، مع تغاير ما في لفظ الحديث.

(قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ صَلاةُ الرَّجُلِ فِي الْجَمَاعَةِ) وفي رواية بدون الألف واللَّام (تُضَعَّفُ) بضم الفوقية وتشديد العين المفتوحة، والتَّضعيف أن يزاد على أصل الشَّيء فيجعل بمثلين أو أكثر، والضِّعف _ بالكسر_ المثلُ؛ أي تزاد (عَلَى صَلاَتِهِ فِي بَيْتِهِ وَفِي سُوقِهِ) أي منفردًا (خَمْسًا وَعِشْرِينَ ضِعْفًا) كذا في أكثر الرِّوايات، ويروى وَوُجِّه بتأويل الضِّعف بالدَّرجة أو بالصَّلاة.

فإن قيل مقتضى قوله (( في بيته وفي سوقه ) )أنَّ الصَّلاة في المسجد جماعة تزيد على الصَّلاة في البيت وفي السوق جماعة وفرادى، وليس كذلك.

فالجواب أنَّ الذي يظهر أنَّ المراد بمقابل الجماعة في المسجد الصلاة في غيره منفردًا؛ لأنَّ الغالب أنَّ من لم يحضر الجماعة في المسجد يصلِّي منفردًا في بيته أو في سوقه، فخرج مخرج الغالب، وأمَّا الذي يصلِّي في بيته جماعة فله الفضل فيها على صلاته منفردًا بلا نزاع، قاله ابن دقيقٍ العيد.

ثمَّ قال وبهذا يرتفعُ إشكالُ من استشكل تسوية الصَّلاة في البيت والسُّوق.

وقال الحافظ العسقلانيُّ ولا يلزم مِن حمل الحديث على ظاهره التَّسوية المذكورة، إذ لا يلزم من استوائهما في المفضوليَّة عن المسجد أن لا يكون أحدهما أفضلُ من الآخر، وكذا لا يلزم منه أن تكون الصَّلاة جماعةً في البيت أو السُّوق لا فضل [1] فيها على الصَّلاة منفردًا، بل الظَّاهر أنَّ التَّضعيف المذكور مختصٌّ بالجماعة في المسجد، والصَّلاة في البيت مطلقًا أولى منها في السُّوق لما ورد من كون الأسواق موضع الشَّياطين، والصَّلاة جماعة في البيت وفي السُّوق أولى

ج 4 ص 123

من الانفراد.

وقد جاء عن بعض الصَّحابة قصر التَّضعيف إلى خمس وعشرين على التَّجميع في المسجد العام مع تقرير الفضل في غيره. وروى سعيد بن منصور بإسناد حسنٍ عن أوس المعافريِّ أنَّه قال لعبد الله بن عمرو بن العاص أرأيت من توضَّأ فأحسن الوضوء ثمَّ صلَّى في بيته؟ قال حسنٌ جميل، قال فإن صلَّى في مسجد عشيرته؟ قال خمس عشرة صلاة، قال فإن مشى إلى مسجد جماعة فصلَّى فيه؟ قال خمس وعشرون انتهى.

وأخرج حميد بن زنجويه في كتاب «الترغيب» نحوه من حديث واثلة، وخُصَّ الخمسُ والعشرون بمسجد القبائل، قال وصلاته في المسجد الذي يُجمَع فيه _ أي الجمعة _ بخمسمائة. وسنده ضعيف.

وقال الشَّافعي إنَّ من صلَّى في عشرةٍ له سبع وعشرون، ومن صلَّى مع اثنين فكذلك، لكن صلاة الأوَّل أكمل وهو مذهب المالكيَّة، لكن قال ابنُ حبيب منهم تفضلُ الجماعة بالكثرة وفضيلة الإمام. وروى الإمام أحمد وأصحاب السُّنن، وصحَّحه ابن خزيمة من حديث أبيِّ بن كعب مرفوعًا (( صلاة الرَّجل مع الرَّجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرَّجلين أزكى من صلاته مع الرَّجل وما كَثُر فهو أحبُّ إلى الله تعالى ) ).

(وَذَلِكَ) أي التَّضعيف الذي يدلُّ عليه قوله (( تُضعَّف ) )؛ أي سببه (أَنَّهُ إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَ خَرَجَ) من منزله (إِلَى الْمَسْجِدِ) حال كونه (لاَ يُخْرِجُهُ) من الإخراج، سببٌ من الأسباب (إِلَّا الصَّلاَةُ) أي إلا قصد الصَّلاة في المسجد في جماعة (لَمْ يَخْطُ) بفتح أوله وسكون الخاء المعجمة وضم الطاء المهملة (خَطْوَةً) يجوز فيه ضم الخاء وفتحها. قال الحافظ العسقلانيُّ ضبطناه بالضم، وجزم اليعمريُّ أنها هاهنا بالفتح. وقال القرطبي إنها في روايات مسلم بالضم. قال الجوهري الخُطوة _ بالضم _ ما بين القدمين، وبالفتح المرَّة الواحدة.

(إِلاَّ رُفِعَتْ لَهُ بِهَا) أي بسبب الخطوة (دَرَجَةٌ، وَحُطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ) والفعلان على البناء للمفعول، و «درجةٌ» و «خَطِيئةٌ» نائبان عن الفاعل (فَإِذَا صَلَّى) قال ابن أبي جمرة المراد إن صلَّى صلاة تامَّة؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم قال للمسيء في صلاته (( ارجع فصلِّ فإنَّك لم تصلِّ ) )فالمستحقُّ لهذه الفضائل هو من يصلِّي الصَّلاة التامَّة الكاملة.

(لَمْ تَزَلِ الْمَلاَئِكَةُ تُصَلِّي عَلَيْهِ) أي تستغفر له (مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ) أي المكان الذي أوقع فيه الصَّلاة من المسجد، وكأنَّه خرجَ مخرج الغالب، وإلَّا فلو قام

ج 4 ص 124

إلى بقعة أخرى من المسجد مستمرًَّا على نيَّة انتظار الصَّلاة كان كذلك.

(اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ) أي قائلين اللَّهم اغفر له، اللَّهم تفضَّل عليه، وزاد ابن ماجه (( اللَّهمَّ تبْ عليه ) )، وفي الطَّريق الماضية في باب «مسجد السُّوق» [خ¦477] (( اللَّهم اغفر له ) (وَلاَ يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِي) ثواب (صَلاَةٍ مَا انْتَظَرَ الصَّلاَةَ) أي مدَّة انتظاره لها.

ومن فوائد الحديث أفضليَّة الصَّلاة على غيرها من الأعمال الدِّينيَّة لما ذكر من صلاة الملائكة على فاعلها، ودعائهم له بالرَّحمة والمغفرة والتَّوبة.

ومنها الدَّلالة على تفضيل صالحي النَّاس على الملائكة؛ لأنَّهم يكونون في تحصيل الدَّرجات بعبادتهم، والملائكة مشغولون بالاستغفار والدُّعاء لهم، كذا قيل، لكن هذا ليس على إطلاقه بل خواصُّ بني آدم وهم الأنبياء عليهم السَّلام أفضلُ من خواصِّ الملائكة، وعوامِّهم أفضل من عوامِّ الملائكة، وخواصِّ الملائكة أفضل من عوامِّ بني آدم.

ومنها الدَّلالة على أنَّ الجماعة ليست شرطًا لصحَّة الصَّلاة؛ لأنَّ قوله «على صلاته وحده» يقتضي صحَّة صلاته منفردًا لاقتضاء صيغة «أفعل» الاشتراك في أصل الفضيلة، وذلك يقتضي وجود فضيلة في صلاة المنفرد، وما لا يصحُّ لا فضيلةَ فيه، ففيه ردٌّ على داود ومن تبعه في اشتراطهم الجماعة في صحَّة الصَّلاة.

وقال القرطبيُّ وغيره لا يقال أنَّ لفظة «أفعل» قد تَرِدُ لإثبات صفة الفضل في إحدى الجهتين، كقوله تعالى {وَأَحْسَنُ مَقِيلًا} [الفرقان 24] ؛ لأنَّا نقول إنَّما يقعُ ذلك على قلَّته حيث ترد صيغة «أفعل» مطلقة غير مقيَّدة بعدد معيَّن، فإذا قلنا هذا العدد أزيد من هذا بكذا فلابدَّ من وجود أصل العدد، ولا يقال يحمل المنفرد على المعذور؛ لأنَّ قوله «صلاة الفذِّ» صيغة عموم فتشملُ من صلَّى منفردًا بعذرٍ وبغير عذرٍ، فحمله على المعذور يحتاج إلى دليل أيضًا، ففضل الجماعة حاصل للمعذور لما سيأتي في هذا الكتاب من حديث أبي موسى مرفوعًا (( إذا مرضَ العبدُ أو سافرَ كتب له ما كان يعملُ صحيحًا مقيمًا ) ) [خ¦2996] .

وأشار ابن عبد البرِّ إلى أنَّ بعضَهم حمله على صلاة النَّافلة، ثمَّ ردَّه بحديث (( أفضلُ صلاةِ المرء في بيتهِ إلَّا المكتوبة ) ).

ومنها الدَّلالة على تساوي الجماعات في الفضل سواء كثرت الجماعة أو لا؛ لأنَّ الحديث دلَّ على فضيلة الجماعة على المنفرد بغير واسطة فيدخل فيه كلُّ جماعة كما قاله بعض المالكيَّة، وقوَّاه بما روى ابن أبي شيبة بإسناد صحيحٍ عن إبراهيم النَّخعي قال (( إذا صلَّى الرَّجل مع الرَّجل فهما جماعة لهم التَّضعيف خمسًا وعشرين ) )انتهى.

وهو مسلَّمٌ في أصل

ج 4 ص 125

الحصول، لكنَّه لا ينفي مزيدًا من الفضل لِمَا كان أكثر، لاسيَّما مع وجود النَّص المصرَّح به، وهو ما رواه أحمد وأصحاب السُّنن من حديث أبيِّ بن كعب، وقد تقدَّم آنفًا [خ¦477] ، وله شاهد قويٌّ عند الطَّبراني من حديث قَبَاثِ بنِ أَشْيَمَ، ويترتَّب على الخلاف المذكور أنَّ من قال بالتَّفاوت استحبَّ إعادة الجماعة مطلقًا؛ لتحصيل الأكثريَّة، ولم يستحبَّ ذلك الآخرون، ومنهم من فصَّل فقال تعاد مع الأعلم والأورع أو في البقعة الفاضلة، ووافق مالك على الأخير، لكن قصره على المساجد الثَّلاثة، والمشهور عنه أنَّه بالمسجدين المكيِّ والمدنيِّ.

وكما أنَّ الجماعة تتفاوت في الفضل بالقلَّة والكثرة وغير ذلك ممَّا ذكر كذلك يفوق بعضها بعضًا، ولذلك عقَّب المصنِّف التَّرجمة المطلقة في فضل الجماعة بالتَّرجمة المقيَّدة بصلاة الفجر، والله أعلم.

تتمة قوله (( وذلك أنَّه إذا توضَّأ فأحسن الوضوء. .. إلى آخره ) )ظاهر في أنَّ الأمور المذكورة علَّة للتَّضعيف المذكور، وإذا كان كذلك فما رُتِّب على أشياء متعدِّدة لا يوجدُ بوجود بعضها إلَّا إذا دلَّ الدَّليل على إلغاء ما ليس معتبرًا، أو ليس مقصودًا لذاته، وهذه الزِّيادة التي في حديث أبي هريرة رضي الله عنه معقولة المعنى، فالأخذ بها متوجَّه، والرِّوايات المطلقة لا تنافيها، بل تحمل المطلقة على المقيَّدة، ثمَّ الذين قالوا بوجوب الجماعة على الكفاية ذهبَ كثيرٌ منهم إلى أنَّ الحرج لا يسقط بإقامة الجماعة في البيوت، وكذا روي عن أحمد في فرض العين، ووجَّهوه بأنَّ أصل المشروعيَّة إنَّما كان في جماعة المساجد، وهو وصفٌ معتبر لا ينبغي إلغاؤه فيختصُّ به المسجد، ويلتحق به ما في معناه ممَّا يحصل به إظهار الشَّعائر، والله أعلم.

[1] من قوله (( من الآخر. .. إلى قوله لا فضل ) )ليس في (خ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت