7022 - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) هو المعروف بابن راهويه، أو هو إسحاقُ بن إبراهيم بن نصر المروزيّ؛ لأنَّ كلًّا منهما يروي عن عبد الرَّزاق، قال (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ) هو ابنُ راشدٍ (عَنْ هَمَّامٍ) هو ابنُ منبّه (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَا) بغير ميم (أَنَا نَائِمٌ، رَأَيْتُ أَنِّي عَلَى حَوْضٍ) كذا هو في رواية
ج 29 ص 293
الأكثرين، وفي رواية المستملي والكُشميهني بياء المتكلم، والأُولى أَولى.
والفرق بينهما أنَّ معنى الأُولى على حوضٍ من الأحواض، ومعنى الثَّانية حوضه الَّذي أعطاه الله عزَّ وجلَّ وذكره في القرآن، وقيل يحتمل أن يكون له حوضٌ في الدُّنيا لا حوضه الَّذي في الآخرة.
(أَسْقِي النَّاسَ) في الرِّواية السَّابقة على بئرٍ، وهنا قال على حوضٍ، فقيل في الجمع بينهما أنَّ الحوض هو الَّذي يجعل بجانب البئر يشربُ منه الإبل فلا منافاة، وكأنَّه كان يملأ من البئر، فيسكب في الحوض، والنَّاس يتناولون الماء لأنفسهم ولبهائمهم.
(فَأَتَانِي أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق رضي الله عنه (فَأَخَذَ الدَّلْوَ مِنْ يَدِي لِيُرِيحَنِي) من كدِّ الدُّنيا وتعبها (فَنَزَعَ ذَنُوبَيْنِ) بالتَّثنية من غير شكٍّ (وَفِي نَزْعِهِ ضَعْفٌ، وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ، فَأَتَى ابْنُ الْخَطَّابِ فَأَخَذَ مِنْهُ) الدَّلو (فَلَمْ يَزَلْ يَنْزِعُ) أي يستخرج الماء من البئر بالدَّلو (حَتَّى تَوَلَّى النَّاسُ) أي حتَّى أعرض النَّاس (وَالْحَوْضُ) أي والحال أنَّ الحوض، (يَتَفَجَّرُ) أي يتدفَّق منه الماء ويسيلُ، وقد أوَّلوا الذَّنوبين بالسنتين اللَّتين وليهما الصِّدِّيق وأَشْهُرٍ بعدهما، وانقضت أيَّامه في قتال أهلِ الرِّدَّة، ولم يفرغ لافتتاح الأمصار وجباية الأموال، فذلك ضعف نزعه.
وفي قوله (( ليريحني ) )، إشارةٌ إلى أنَّ الدُّنيا للصَّالحين دار نصبٍ وتعبٍ، وأنَّ في الموت على الصَّلاح والدِّين راحة منها. وأوَّل بعضهم الحوض بأنَّه معدن العلم، وهو القرآن الَّذي يغترف النَّاس كلُّهم منه، حتَّى يرووا دون أن ينتقص.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة تؤخذ من قوله (( ليريحني ) )، والحديث من أفراده.
تتمَّة وأخرج أبو ذرٍّ الهرويّ في (( كتاب الرُّؤيا ) )من حديث ابن مسعودٍ رضي الله عنه نحو حديث الباب لكن قال في آخره (( فعبّرها يا أبا بكرٍ قال ألي الأمر بعدك، ويليه بعدي عمر؟ قال كذلك عبّرها الملك ) )، وفي سنده أيُّوب بن جابرٍ، وهو ضعيفٌ، وهذه الزِّيادة منكرةٌ.
وقد ورد هذا الحديث من وجهٍ آخر بزيادة فيه، فأخرج أحمد وأبو داود واختاره الضِّياء من طريق أشعث بن عبد الرَّحمن الجرمي عن أبيه عن سمرة بن جندبٍ رضي الله عنه
ج 29 ص 294
أنَّ رجلًا قال (( يا رسول الله، رأيت كأنَّ دلوًا دلّي من السَّماء، فجاء أبو بكرٍ فأخذَ بعراقها فشرب شربًا ضعيفًا، ثمَّ جاء عمرُ فأخذ بعراقها فشربَ حتَّى تضلَّع، ثمَّ جاء عثمانُ فأخذ بعراقها فشربَ حتَّى تضلعَ، ثمَّ جاء عليٌّ فأخذ بعراقها فانتشطتْ وانتضحَ عليه منها شيءٌ ) ).
وهذا يبيِّن أنَّ المرادَ بالنَّزع الضَّعيف، والنزع القوي الفتوح والغنائم.
وقوله دُلِّي _ بضمّ المهملة وتشديد اللّام _ أي أرسل إلى أسفل، وقوله بعَراقها، جمع عَرقوة _ بفتح العين _ عرقوة الدَّلو، والعرقوتان الخشبتان اللَّتان تعرضان على الدَّلو كالصَّليب لربطِ الحبل.
وقوله تضلّع _ بالضّاد المعجمة _ أي ملأ أضلاعه كنايةً عن الشِّبع، وقوله انتُشِطت _ بضمّ المثناة وكسر المعجمة بعدها طاء مهملة _ أي نزعت منه فاضطربت وسقطَ بعض ما فيها أو كلّه.
قال ابنُ العربيِّ حديث سمرة يُعارض حديث ابن عمر، أو هما خبران، قال الحافظ العَسقلاني الثَّاني هو المعتمد، فحديث ابن عمر رضي الله عنهما مصرِّح بأنَّ النَّبيّ صلي الله عليه وسلم هو الرَّائي، وحديث سمرة رضي الله عنه فيه أنَّ رجلًا أخبر النَّبيّ صلى الله عليه وسلم أنَّه رأى. وقد أخرج أحمدُ من حديث أبي الطُّفيل شاهدًا لحديث ابن عمر وزاد فيه (( فوردت عليّ غنمٍ سود وغنم عفر ) )، وقال فيه (( فأوَّلت السُّود العرب، والعفر العجم ) )وفي قصَّة عمر (( فملأ الحوض وأروى الواردة ) ).
ومن المغايرة بينهما أيضًا أنَّ في حديث ابن عمر نزع الماء من البئر، وحديث سمرة فيه نزول الماء من السَّماء، فهما قصَّتان تشدُّ إحداهما الأخرى، وكأنَّ قصَّة سمرة سابقةٌ فنزل الماء من السَّماء وهي خزائنه فأسكن في الأرض، كما يقتضيه حديث سمرة، ثمَّ أخرج منها بالدَّلو، كما دلَّ عليه حديث ابن عمر.
وفي حديث سَمُرة إشارةٌ إلى نزول النَّصر من السَّماء على الخلفاء، وفي حديث ابن عمر إشارةٌ إلى استيلائهم على كنوزِ الأرض بأيديهم، وكلاهما ظاهرٌ من الفتوح الَّتي فتحوها، وفي حديث سمُرة زيادةُ إشارةٍ إلى ما وقع لعليٍّ من الفتن والاختلاف عليه،
ج 29 ص 295
فإنَّ النَّاس أجمعوا على خلافته، ثمَّ لم يلبث أهل الجمل أن خرجوا عليه وامتنعَ معاوية في أهل الشَّام، ثمَّ جاء بصفين ثمَّ غلبَ بعد بقليلٍ على مصر وخرجت الحروريَّة على عليٍّ رضي الله عنه فلم يحصل له في أيَّام خلافته راحةٌ، فضربَ المنام المذكور مثلًا لأحوالهم رضوان الله عليهم أجمعين.