7023 - (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ عُفَيْرٍ) هو سعيد بن كثير بن عُفَير _ بضمّ العين المهملة وفتح الفاء _ الأنصاريّ مولاهم البصريّ، قال (حَدَّثَنِي) بالإفراد (اللَّيْثُ) هو ابن سعدٍ الإمام، قال (حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (عُقَيْلٌ) بضمّ العين وفتح القاف، هو ابن خالدٍ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريّ، أنَّه (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (قَالَ بَيْنَا) بغير ميم (نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ بَيْنَا) بغير ميم (أَنَا نَائِمٌ، رَأَيْتُنِي) أي رأيت نفسي.
(فِي الْجَنَّةِ، فَإِذَا امْرَأَةٌ تَتَوَضَّأُ إِلَى جَانِبِ قَصْرٍ) نقل عن ابن قتيبة والخطَّابيّ أنَّ قوله تتوضأ تصحيفٌ؛ لأنَّه لا عمل في الجنَّة فإنَّ الجنَّة ليست دار تكليفٍ، والأصل (( فإذا امرأةٌ شوهاء ) )لكن الكاتب أسقط بعض حروفها فصار تتوضَّأ.
وقال البدر الدَّماميني وهذا تَحكّمٌ في الرِّواية بالرَّأي، ونسبة الصَّحيح منها إلى الغلطِ والوهم بمجرَّد خيالٍ مبنيٍّ على أمرٍ غير لازم، وذلك لأنَّه بناه على الوضوء الشَّرعي المكلف به في دار الدُّنيا وأين له ذلك ولم لا يجوز أن يكون من الوضوء اللُّغوي المراد به الوضاءة والنَّظافة والحسن ولا مانعَ منه. وقد اعترض على ابنِ قتيبة والخطَّابي بأنَّه ليس في الجنَّة شوهاء؛ أي قبيحة ولا يرد ذلك؛ لأنَّ ابن قتيبة ادَّعى أنَّ المراد بالشَّوهاء الحسناء، كما تقدَّم في (( مناقب عمر رضي الله عنه ) ) [خ¦3680] .
وقال القرطبيُّ إنَّما توضَّأت لتزداد حسنًا ونورًا، لا أنَّها تزيل وسخًا ولا قذرًا؛ إذ الجنَّة منزهة عن ذلك، ويحتمل أن يكون من الوضوء الشَّرعي، ولا يمنع من ذلك كون الجنَّة ليست دار تكليفٍ؛ لجواز أن يكون على غير وجه التَّكليف.
وقال الحافظ العَسقلاني ويحتمل أن لا يرادَ وقوع الوضوء منها حقيقةً لكونه منامًا، فيكون مثالًا لحالة المرأة المذكورة.
قال صلى الله عليه وسلم (قُلْتُ) أي للملائكة (لِمَنْ هَذَا الْقَصْرُ؟ قَالُوا لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ) رضي الله عنه، وسقط
ج 29 ص 296
في رواية أبي ذرٍّ ، وزاد في النِّكاح (( فأردت أن أدخلها ) ) [خ¦5226] (فَذَكَرْتُ غَيْرَتَهُ) بفتح المعجمة (فَوَلَّيْتُ مُدْبِرًا) وفي رواية أبي ذرٍّ عن الحموي .
قال المهلَّب فيه الحكم لكلِّ رجلٍ بما يُعلم من خُلُقه، ألا ترى أنَّه صلى الله عليه وسلم لم يدخل القصر مع علمه بأنَّ عمر رضي الله عنه لا يغار عليه؛ لأنَّه أبو المؤمنين، وكلُّ ما ناله بنوه من الخير فبسببهِ.
وتعقَّبه مغلطاي في قوله أبو المؤمنين بأنَّ الله تعالى يقول {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ} [الأحزاب 40] ، وقال صلى الله عليه وسلم (( إنَّما أنا لكم بمنزلةِ الوالد ) )، ولم يقل أنا لكم أبٌ، ولم يأتِ في ذلك حديثٌ صحيحٌ، ولا غيره ممَّا يصلح للدَّلالة. انتهى.
وأُجيب بأنَّ معنى الآية أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن أبا رجلٍ منكم حقيقةً حتَّى يثبت بينه وبينه ما يثبت بين الأب وولده من حرمة المصاهرة وغيرها، ولكن كان رسول الله، وكلُّ رسول أبو أمَّته فيما يرجعُ إلى وجوب التَّوقير والتَّعظيم له عليهم ووجوب الشَّفقة والنَّصيحة لهم عليه، في سائر الأحكام الثَّابتة بين الآباء والأبناء، انتهى من «الكشّاف» فأثبت له الأبوّة المجازيَّة.
وقال في «الرَّوضة» قال بعضُ أصحابنا _ أي الشَّافعيّة _ لا يجوز أن يقال هو أبو المؤمنين لهذه الآية، قال ونصَّ الشَّافعي على أنَّه يجوز أن يقال أبو المؤمنين؛ أي في الحرمة. انتهى.
وقال البغويّ من أصحاب الشَّافعيّة كان النَّبيّ صلى الله عليه وسلم أبا الرِّجال والنِّساء جميعًا.
(قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه بالسَّند السَّابق (فَبَكَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) رضي الله عنه لمّا سمع ذلك سرورًا به وشوقًا إليه (ثُمَّ قَالَ أَعَلَيْكَ) بهمزة الاستفهام، وسقطت في رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهني (بِأَبِي وَأُمِّي) أي أفديك بأبي وأمِّي (يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَغَارُ؟) قيل إنَّه مقلوبٌ، والقياس أن يقال أعليها أغار منك؟
وقال الكرمانيُّ لفظ عليك، ليس متعلقًا بأغار بل التَّقدير مستعليًا عليك أغار عليها، قال ودعوى القياس المذكورة ممنوعةٌ؛ إذ لا يحوج إلى ارتكاب القلب مع وضوح المعنى بدونه، ويحتمل أن يكون
ج 29 ص 297
أطلق (( على ) )وأراد (( من ) )، كما قيل إنَّ حروف الجر تتناوب، انتهى.
وقد جاء (( على ) )بمعنى (( من ) )كما في قوله تعالى {إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ} [المطففين 2] .
هذا وقد تقدَّم في (( المناقب ) ) [خ¦3680] أنَّ المرأة المذكورة أمُّ سُليم، وكانت في قيد الحياة حينئذٍ، فرآها النَّبيّ صلى الله عليه وسلم في الجنَّة إلى جانب قصر عمر رضي الله عنه، فيكون تعبيره أنَّها من أهل الجنَّة؛ لقول الجمهور من أهل التَّعبير إنَّ من رأى أنَّه دخل الجنَّة فإنَّه يدخلها، فكيف إذا كان الرَّائي لذلك أصدقَ الخلق، وأمَّا وضوءها فيعبر بنظافتها حسًّا ومعنًى، وطهارتها جسمًا وحكمًا، وأمَّا كونها إلى جانب قصر عمر، ففيه إشارةٌ إلى أنَّها تدرك خلافته، وكان كذلك.
ولا يعارض هذا ما تقدَّم في صفة الجنَّة من بدء الخلق من أنَّ رؤيا الأنبياء حقٌّ، والاستدلال على ذلك بغيرة عمر؛ لأنَّه لا يلزم من كون المنام على ظاهره أن لا يكون بعضه يفتقر إلى التَّعبير؛ فإنَّ رؤيا الأنبياء حقٌّ بمعنى أنَّها ليست من الأضغاث، سواءٌ كانت على حقيقتها أو أمثالًا، والله تعالى أعلم.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ، وقد مضى الحديث في (( صفة الجنَّة ) ) [خ¦3242] ، وفي (( فضل عمر رضي الله عنه ) ) [خ¦3680] .