7036 - 7037 - (حَدَّثَنِي) بالإفراد، وفي رواية أبي ذرٍّ (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ) هو المعروف بابنِ راهويه، قال (حَدَّثَنَا) وفي رواية أبي ذرٍّ (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) هو ابنُ همام بن نافع الحميديّ مولاهم، أبو بكر الصَّنعانيّ، قال (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابنُ راشد (عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ) بتشديد الميم وبالموحّدة المكسورة، اسم فاعل من التَّنبيه، أنَّه (هَذَا مَا حَدَّثَنَا بِهِ أَبُو هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أنَّه (قَالَ نَحْنُ الآخِرُونَ) زمانًا في الدُّنيا (السَّابِقُونَ) أهل الكتاب وغيرهم منزلة وكرامة يوم القيامة.
وأشار بهذا إلى أنَّ همَّامًا ما روى هذا عن أبي هريرة على ما هو المعهود في الرِّوايات، وقد تقدَّم في أوائل كتاب (( الأيمان
ج 29 ص 316
والنُّذور )) [خ¦6624] ، التَّنبيه على هذا الصَّنيع، وأنَّ نسخة همَّام عن أبي هريرة رضي الله عنه كانت عند إسحاق بهذا السَّند، وأوَّل حديثٍ فيها حديث (( نحن الآخرون السَّابقون ) )، وقد مضى في (( الجمعة ) ) [خ¦876] وبقيَّة أحاديث النُّسخة معطوفةٌ عليه بلفظ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان إسحاق إذا أراد التَّحديث بشيءٍ منها بدأ بطرفٍ من الحديث الأوَّل، وعطف عليه ما يريد، ولم يطّرد هذا الصَّنيع للبخاريِّ في هذه النُّسخة، وأمَّا مسلمٌ فاطَّرد صنيعه في ذلك.
وقد تقدَّم هذا الحديث في باب وفد بني حنيفة في أواخر (( المغازي ) ) [خ¦4375] عن إسحاق بن نصر عن عبد الرَّزاق بهذا الإسناد لكن قال في روايته عن همَّام أنَّه سمع أبا هريرة، ولم يبدأ إسحاق بن نصر فيه بقوله (( نحن الآخرون السَّابقون ) ).
(وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَا) بغير ميم (أَنَا نَائِمٌ إِذْ أُوتِيتُ خَزَائِنَ الأَرْضِ) بضمّ الهمزة، من الإتيان، بمعنى المجيء في رواية أبي ذرٍّ، وعند غيره (( أوتيت ) )بزيادة الواو من الإيتاء بمعنى الإعطاء، ولا أشكالَ في حذف الباء على هذه الرِّواية، وفي رواية أحمد وإسحاق بن نصر عن عبد الرَّزاق (( أتيتُ بخزائنِ الأرض ) )بإثبات الباء.
قال الخطَّابيّ المراد بخزائنِ الأرض ما فتح على الأمَّة من الغنائم من ذخائر كسرى وقيصر وغيرهما، ويحتمل معادن الأرض الَّتي فيها الذَّهب والفضَّة، وقال غيره بل يحمل على أعمّ من ذلك.
(فَوُضِعَ) بضمّ الواو على البناء للمفعول (فِي يَدَيَّ) بالتثنية، وفي رواية إسحاق بن نصر (( في كفي ) ) (سِوَارَانِ) رفع بالألف مفعولٌ ناب عن الفاعل، وفي رواية أبي ذرٍّ بفتح الواو على البناء للفاعل؛ أي وضع الآتي بخزائن الأرضِ في يدي سوارين، بالنّصب بالياء على المفعولية (مِنْ ذَهَبٍ) صفة للسّوارين (فَكَبُرَا عَلَيَّ) بضمّ الموحّدة وتشديد التّحتيّة في علي؛ أي عظم أمرهما وشقَّ عليَّ، وقال القرطبيُّ إنَّما عظما عليه؛ لكون الذَّهب من حلية النِّساء وممَّا حرم على الرِّجال (وَأَهَمَّانِي)
ج 29 ص 317
أي أحزناني وأقلقاني (فَأُوحِيَ إِلَيَّ) كذا في رواية الأكثر على البناء للمفعول، وفي رواية الكُشميهني في رواية إسحاق بن نصر (( فأوحى الله إليَّ ) )، وهذا الوحي يحتمل أن يكون من وحي الإلهام أو على لسان الملك، قاله القرطبيُّ.
(أَنِ انْفُخْهُمَا) بهمزة وصل (فَنَفَخْتُهُمَا فَطَارَا) وسقط في رواية أبي ذرٍّ لفظ ، زاد إسحاق بن نصر فذهبا، وفي رواية ابن عبَّاس الماضية قريبًا (( فطارا ) ) [خ¦7034] كذا في رواية المقبُريّ، وزاد (( فوقع واحدٌ باليمامة والآخر باليمن ) ). قيل وفي ذلك إشارةٌ إلى حقارة أمرهما وأنَّهما يمحقان بأدنى ما يصيبهما من بأس الله حتَّى يصيرا كالشَّيء الَّذي ينفخ فيه فيطير في الهواء؛ لأنَّ شأن الَّذي ينفخ فيذهب بالنَّفخ أن يكون في غاية الحقارة.
وردَّه ابنُ العربيّ بأنَّ أمرهما كان في غاية الشِّدَّة لم ينزل بالمسلمين قبله مثله، وقال الحافظ العَسقلانيّ وهو كذلك، لكن الإشارة إنَّما هي للحقارةِ المعنويَّة لا الحسيَّة، وفي طيرانهما إشارةٌ إلى اضمحلال أمرهما كما تقدَّم.
(فَأَوَّلْتُهُمَا الْكَذَّابَيْنِ اللَّذَيْنِ أَنَا بَيْنَهُمَا صَاحِبَ صَنْعَاءَ) عبهلة بن كعب العنسيّ (وَصَاحِبَ الْيَمَامَةِ) مسيلمة الكذَّاب، واسمه ثمامة ومسيلمة لقبٌ له. قال القاضي عياض لما كان رؤيا السِّوارين في اليدين جميعًا من الجهتين، وكان النَّبيّ صلى الله عليه وسلم حينئذٍ بينهما فتأوَّل السِّوارين عليهما لوضعهما في غير موضعهما؛ لأنَّ الذَّهب ليس من حلية الرِّجال، وكذلك الكذّاب يضع الخبر في غير موضعه، وفي كونهما من ذهبٍ إشعارٌ بذهاب أمرهما.
وقال ابن العربيّ السّوار من حليِّ الملوك الكفّار، كما قال الله تعالى {فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ} [الزخرف 53] ، واليد لها معانٍ منها القوَّة والسُّلطان والقهر. قال ويحتمل أن يكون ضرب المثل بالسّوار كناية عن الأسوار، وهو من أسماء ملوك الفرس، قال وكثيرًا ما يضرب المثل بحذف بعض الحروف.
وقال القرطبيُّ في «المفهم» ما ملخَّصه ومناسبة هذا التَّأويل لهذه الرُّؤيا أنَّ أهلَ صنعاء وأهل اليمامة كانوا أسلموا فكانوا كالسَّاعدين للإسلام، فلمَّا ظهرَ فيهما الكذّابان وبهرجا على أهلهما بزخرف أقوالهما ودعواهما الباطلة انخدعَ أكثرهم
ج 29 ص 318
بذلك، فكان اليدان بمنزلة البلدين، والسِّواران بمنزلةِ الكذابين، وكونهما من ذهبٍ إشارة إلى ما زخرفاه، والزُّخرف من أسماء الذَّهب، ثمَّ إنَّ ظاهر قوله (( اللَّذين أنا بينهما ) )أنَّهما كانا حين قصَّ الرُّؤيا موجودين.
قال الحافظ العَسقلانيّ وهو كذلك، لكن وقع في رواية ابن عبَّاس رضي الله عنهما (( يخرجان بعدي ) )، والجمع بينهما أنَّ المراد بخروجهما بعده ظهور شوكتهما ومحاربتهما ودعواهما النُّبوّة، نقله النَّووي عن العلماء. وفيه نظرٌ؛ لأنَّ ذلك كله ظهر للأسود بصنعاء في حياته صلى الله عليه وسلم فادَّعى النُّبوّة وعظمت شوكته وحارب المسلمين وفتك فيهم وغلب على البلد وآل أمره إلى أن قُتلَ في حياة النَّبي صلى الله عليه وسلم.
وأمَّا مسيلمة فكان ادَّعى النُّبوة في حياة النَّبيّ صلى الله عليه وسلم لكن لم تعظم شوكته ولم تقع محاربته إلَّا في عهد أبي بكرٍ رضي الله عنه، فإمَّا أن يحمل ذلك على التَّغليب، وإمَّا أن يكون المراد بقوله بعدي؛ أي بعد نبوَّتي.
وتعقَّبه العينيُّ فقال في نظره نظرٌ؛ لأنَّ كلام ابن عبَّاس رضي الله عنهما يصدق على خروج مسيلمة بعد النَّبيّ صلى الله عليه وسلم، وأمَّا كلامه في حقِّ الأسود فمن حيث إنَّ اتباعه ومن لاذ به تبعوا مسيلمة وقوّوا شوكته فأطلق عليهم الخروج من بعد النَّبيّ صلى الله عليه وسلم بهذا الاعتبار. انتهى فليتأمَّل.
تتمَّة قال ابن العربيّ يحتمل أن يكون ما تأوَّله النَّبيّ صلى الله عليه وسلم في السّوارين بوحي، ويحتمل أن يكون تفاءل بذلك عليهما دفعًا لحالهما، فأخرج المنام المذكور عليهما؛ لأنَّ الرُّؤيا إذا عبّرت وقعت، والله أعلم.
تنبيه أخرج ابن أبي شيبة من مرسل الحسن رفعه (( رأيت كأن في يدي سوارين من ذهبٍ فكرهتهما فذهبا كسرى وقيصر ) )وهذا إن كان الحسن أخذه عن ثبت فظاهره يعارض التَّفسير بمسيلمة والأسود، فيحتمل أن يكون تعدّد، أو التَّفسير
ج 29 ص 319
من قبله بحسب ما ظنَّه وأدرج في الخبر، والمعتمد ما ثبت مرفوعًا أنَّهما مسيلمة والأسود.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ، وقد مضى الحديث في (( باب وفد بني حنيفة ) )في أواخر (( المغازي ) ) [خ¦4374] ، وقد سبق قريبًا أيضًا [خ¦7034] .