فهرس الكتاب

الصفحة 1045 من 11127

651 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ) بن كُرَيب الهَمْداني الكوفيُّ (قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة (عَنْ بُرَيْدٍ) بضم الموحدة، على صيغة التصغير (ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ) عامرٍ أو الحارثِ (عَنْ) أبيه (أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيس الأشعري رضي الله عنه، ورجال هذا الإسناد قد ذكروا بهذا التَّرتيب في باب «فضل من علم» [خ¦79] ، لكن ذكر أبو أسامة فيه باسمه حمَّاد، وهنا بكنيته، والحديث أخرجه مسلم أيضًا في «الصَّلاة» .

(قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْظَمُ النَّاسِ أَجْرًا) نصب على التمييز (أَبْعَدُهُمْ) بالرفع خبرُ المبتدأ، وقوله (فَأَبْعَدُهُمْ) عطف عليه، قال الكرمانيُّ والفاء فيه للاستمرار، كما في قولهم الأمثل فالأمثل، وتعقَّبه محمود العيني بأنَّه لم يذكر أحد من النُّحاة أنَّ «الفاء» تجيء بمعنى الاستمرار، ولكن يمكن أن تكون «الفاء» هنا للتَّرتيب مع تفاوتٍ في بعض الوجوه.

وقال الزَّمخشري للفاء مع الصِّفات ثلاثة أحوال

أحدها أن تدلَّ على ترتيب معانيها في الوجود، كقوله

~يَا لَهْفَ زَيَّابَةَ لِلْحَارِثِ الصَّـ ـابِح فالغَانِمِ فَالآيِبِ

أي الذي صبح فغنم فآب.

والثَّاني أن تدلَّ على ترتيبها في التَّفاوت من بعض الوجوه كقولك خذِ الأكمل فالأفضل فالأحسن فالأجمل.

والثَّالث أن تدلَّ على ترتيب موصوفاتها في ذلك نحو رحم الله المحلِّقين فالمقصِّرين.

وقيل تقع «الفاء» تارة بمعنى ثمَّ، كما في قوله تعالى {ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا} [المؤمنون 14] فالفاءات فيها بمعنى «ثمَّ» لتراخي معطوفاتها، فعلى هذا يجوز أن تكون «الفاء» هنا بمعنى «ثمَّ» ؛ أي أبعدهم ثمَّ أبعدهم.

(مَمْشًى) بفتح الميم الأولى وسكون الثانية، اسم مكان من المشي وهو منصوبٌ على التمييز؛ أي أبعدهم مسافة إلى المسجد، وذلك لأجل كثرة الخُطَى إليه، وسيأتي بيان ذلك في باب «احتساب الآثار» بعد باب إن شاء الله تعالى [خ¦655] .

(وَالَّذِي يَنْتَظِرُ الصَّلاَةَ حَتَّى يُصَلِّيَهَا مَعَ الإِمَامِ) ولو في آخر الوقت (أَعْظَمُ أَجْرًا مِنَ الَّذِي يُصَلِّي) في وقت الاختيار وحده، أو مع الإمام بدون الانتظار؛ أي كما أنَّ بُعْدَ المكان مؤثِّر في زيادة الأجر كذلك طول الزَّمان؛ لأنهما يتضمَّنان زيادة المشقَّة الواقعة مقدمة للجماعة، وقد عُلِم من هذا أن السَّبب في تحصيل الأجر العظيم انتظار الصَّلاة وإقامتها مع الإمام، فإن وجد أحدهما دون

ج 4 ص 129

الآخر فلا يحصل له ذلك، ويعلم من هذا أيضًا أنَّ تأخير الصَّلاة عن وقت الاختيار لا يخلو عن أجر، كما في تأخير الظهر إلى أن يبردَ الوقت عند اشتداد الحرِّ، وتأخير العشاء إلى ما قبل ثلث اللَّيل، وتأخير الصُّبح إلى وقت الإسفار.

(ثُمَّ يَنَامُ) للاستراحة المقابلة للمشقَّة التي في الانتظار.

اعلم أنَّه ذكر في هذا الباب ثلاثة أحاديث

أمَّا الحديث الأوَّل فمطابقتُه للتَّرجمة ظاهرة.

وأمَّا الحديث الثَّاني فوجه مطابقته لها كما نبَّه عليه الزَّين ابن المُنيِّر هو أنَّ صلاة الفجر تدخل في قوله «يصلُّون جميعًا» ، وهذا القدر يكفي في المطابقة.

وأمَّا الحديث الثَّالث فوجه مطابقته لها على ما وجَّهه ابن المُنيِّر وغيره أنَّه دلَّ على أن السَّبب في زيادة الأجر وجود المشقَّة بالمشي إلى الصَّلاة، وإذا كان كذلك فالمشي إلى صلاة الفجر في جماعة أشقُّ من غيرها؛ لأنَّها وإن شاركتها العشاء في المشي في الظُّلمة إلَّا أنَّها تزيد عليها بمفارقة النَّوم المشتهَى طبعًا.

وقال الحافظ العسقلانيُّ تفنَّن المؤلِّف رحمه الله بإيراد الأحاديث الثَّلاثة في الباب، إذ يؤخذ المناسبة من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بطريق الخصوص، ومن حديث أبي الدَّرداء رضي الله عنه بطريق العموم، ومن حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه بطريق [1] الاستنباط، ويمكن أن يقال لفظ التَّرجمة يحتمل أن يرادَ به فضل الفجر على غيرها من الصَّلوات، وأن يرادَ به ثبوت الفضل لها في الجملة، فحديث أبي هريرة رضي الله عنه شاهد للأوَّل، وحديث أبي الدَّرداء رضي الله عنه شاهد [2] للثَّاني، وحديث أبي موسى رضي الله عنه شاهد لهما، والله أعلم.

[1] قوله (( ومن حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه بطريق ) )ليس في (خ) .

[2] قوله (( للأول وحديث أبي الدرداء رضي الله عنه شاهد ) )ليس في (خ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت