فهرس الكتاب

الصفحة 10453 من 11127

7042 - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) هو ابن المديني، قال (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو ابن عيينة (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختياني، وفي رواية الحميدي (( عن سفيان حدَّثنا أيُّوب ) )وقد وقع في الأصل ما يدلُّ على ذلك وهو قوله في آخره (( قال سفيان وصله لنا أيُّوب ) ) (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاس (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما، ذكر المصنِّف الاختلاف فيه على عكرمة هل هو من ابن عبَّاس مرفوعًا أو موقوفًا أو هو عن أبي هريرة موقوفًا كما سيأتي.

(عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أنَّه (قَالَ مَنْ تَحَلَّمَ) بتشديد اللّام من باب التَّفعل؛ أي من تكلّف الحلم؛ لأنَّ باب التَّفعل للتَّكلف (بِحُلُمٍ) بضمّ اللام وسكونها (لَمْ يَرَهُ) جملة وقعت صفة لقوله بحلم وجزاء الشَّرط قوله (كُلِّفَ) بضمّ الكاف وتشديد اللّام المكسورة، وزاد التِّرمذيّ من حديث عليٍّ رضي الله عنه يوم القيامة (أَنْ يَعْقِدَ بَيْنَ شَعِيرَتَيْنِ) بكسر العين، تثنية شعيرة (وَلَنْ يَفْعَلَ) أي ولن يقدر أن يفعلَ ذلك؛ لأنَّ اتِّصال إحداهما بالأخرى غير ممكنٍ عادةً، وهو كناية عن استمرار التَّعذيب، ولا دَلالة فيه على جواز التَّكليف بما لا يطاق؛ لأنَّه ليس في دار التَّكليف.

وعند أحمد من رواية عبَّاد بن عباد عن أيُّوب (( عذّب حتَّى يعقد بين شعيرتين وليس عاقدًا ) )، وعنده من رواية همَّام عن قتادة (( من تحلَّم كاذبًا رفع إليه شعيرةً وعذّب حتَّى يعقد بين طرفيها وليس بعاقدٍ ) )، وفي اختصاص الشَّعير بذلك لما في المنام من الشُّعور بما دلَّ عليه، فحصلت المناسبة بينهما من جهة الاشتقاق.

قال الطَّبريّ وإنَّما اشتدَّ الوعيد في ذلك مع أنَّ الكذبَ في اليقظة قد يكون أشدَّ مفسدةً منه، إذ قد يكون شهادةً في قتلٍ أو حدٍّ أو أخذ مالٍ؛ لأنَّ الكذبَ في المنام كذبٌ على الله أنَّه أراه ما لم يره، والكذب على الله أشدُّ من الكذب على المخلوقين؛ لقوله تعالى {وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ} [هود 18] الآية، وإنَّما كان الكذب في المنام كذبًا على الله تعالى لحديث (( الرُّؤيا جزءٌ من النُّبوّة ) )وما كان من أجزاء النُّبوة فهو من قبل الله تعالى. انتهى ملخّصًا.

(وَمَنِ اسْتَمَعَ إِلَى حَدِيثِ قَوْمٍ، وَهُمْ لَهُ) أي لمن استمع

ج 29 ص 325

(كَارِهُونَ) لا يريدون استماعه (أَوْ يَفِرُّونَ مِنْهُ) شكٌّ من الرَّاوي، وعند أحمد من رواية عباد بن عباد (( وهم يفرّون ) )ولم يشكّ (صُبَّ) بضمّ المهملة وتشديد الموحّدة (فِي أُذُنِهِ) بالإفراد، وفي رواية ابن عساكر (الآنُكُ) بفتح الهمزة الممدودة وضمّ النّون بعدها كاف، الرَّصاص المذاب، وقيل هو خالص الرَّصاص، وفي رواية همّام (( ومن استمع إلى حديث قومٍ ولا يعجبهم أن يستمعَ حديثهم أُذيبَ في أذنه الآنك ) ).

(يَوْمَ الْقِيَامَةِ) جزاء من جنسِ عمله (وَمَنْ صَوَّرَ صُورَةً) حيوانيَّة (عُذِّبِ، وَكُلِّفَ) يحتمل أن يكون عطفًا تفسيريًّا لقوله عذّب، وأن يكون نوعًا آخر (أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا) أي الرُّوح (وَلَيْسَ بِنَافِخٍ) أي ليس بقادرٍ على النَّفخ فتعذيبه مستمرٌّ؛ لأنَّه نازع الخالق في قدرته (قَالَ سُفْيَانُ) هو ابنُ عيينة (وَصَلَهُ) أي الحديث المذكور (لَنَا أَيُّوبُ) السَّختيانيّ المذكور (وَقَالَ قُتَيْبَةُ) هو ابن سعيد (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) بفتح العين المهملة، الوضَّاح اليشكريّ (عَنْ قَتَادَةَ) أي ابن دِعامة (عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه.

(قَوْلَهُ) أي قول أبي هريرة (مَنْ كَذَبَ فِي رُؤْيَاهُ) وهذا وصله في نسخة قتيبة عن أبي عَوَانة النَّسائيّ عنه من طريق عليِّ بن محمَّد الفارسي عن محمَّد بن عبد الله بن زكريّا بن حبويه عن النَّسائيّ ولفظه عن أبي هريرة قال (( من كذبَ في رؤياه كلِّف أن يعقدَ بين طرفي شعيرةٍ، ومن استمعَ الحديث ومن صوّر ) )، الحديث.

ووصله أيضًا أبو نعيم في «المستخرج» من طريق خلف بن هشام عن أبي عَوَانة بهذا السَّند كذلك موقوفًا، وقد أخرج أحمد والنَّسائيّ من طريق همَّام عن قتادة الحديث بتمامه مرفوعًا، ولكن اقتصر منه النَّسائيّ على قوله (( من صوّر ) ).

(وَقَالَ شُعْبَةُ) هو ابن الحجَّاج (عَنْ أَبِي هَاشِمٍ الرُّمَّانِيِّ) بألف بعد الهاء، يحيى بن دينار، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الحموي والمستملي بألف بعد الشين. قال الحافظ العَسقلانيّ وهو غلطٌ، والرُّمَّانيّ بضمّ الرّاء وتشديد الميم وبعد الألف نون، كان ينزلُ قصر الرُّمان بواسطٍ فنُسب إليه.

ج 29 ص 326

(سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ) يقول (قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (قَوْلَهُ مَنْ صَوَّرَ) زاد أبو ذرٍّ (وَمَنْ تَحَلَّمَ) كاذبًا كلّف أن يعقدَ شعيرةً (وَمَنِ اسْتَمَعَ) كذا وقع في الأصل مختصرًا اقتصر على أطراف الأحاديث الثَّلاثة، وجزاء هذه الشُّروط المذكورة وهو كُلِّف وصبّ وعذّب كما تقدَّم، وكذا وصله الإسماعيلي في «مستخرجه» من طريق عُبيد الله بن معاذٍ العنبريّ عن أبيه عن شعبة عن أبي هاشم بهذا السَّند، فاقتصر على قوله عن أبي هريرة (( من تحلم ) ). ومن طريق محمَّد بن جعفر غُندر عن شعبة فذكره كذلك، ولفظه (( من تحلَّم كاذبًا كلِّف أن يعقدَ شعيرةً ) ).

ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله (( من تحلَّم بحلمٍ ) )، وقد أخرجه أبو داود في (( الأدب ) )، والتِّرمذيّ في (( اللِّباس ) )وفي (( الرُّؤيا ) )، والنَّسائيّ في (( الزِّينة ) )، وابن ماجه في (( الرُّؤيا ) ).

(حَدَّثَنِا إِسْحَاقُ) هو ابنُ شاهين بن الحارث أبو بشر الواسطيّ، قال (حَدَّثَنَا خَالِدٌ) هو ابن عبد الله الطَّحان (عَنْ خَالِدٍ) الحذّاء (عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما، أنَّه (قَالَ مَنِ اسْتَمَعَ، وَمَنْ تَحَلَّمَ، وَمَنْ صَوَّرَ نَحْوَهُ) أي نحو الحديث السَّابق. وقد أخرجه الإسماعيلي من طريق وهب بن بقيَّة عن خالد بن عبد الله فذكره بهذا السَّند إلى ابن عبَّاس رضي الله عنهما عن النَّبيّ صلى الله عليه وسلم فرفعه ولفظه (( من استمعَ إلى حديث قومٍ وهم له كارهون صُبَّ في أذنه الآنك، ومن تحلَّم كلِّف أن يعقدَ شعيرةً يعذّب بها وليس بفاعلٍ، ومن صوَّر صورةً عذّب حتَّى ينفخَ فيها وليس بفاعلٍ ) ). ثمَّ أخرجه الإسماعيليّ من طريق وهب بن خالد، ومن طريق عبد الوهاب الثَّقفيّ كلاهما عن خالد الحذَّاء بهذا السَّند مرفوعًا.

(تَابَعَهُ) أي تابع خالد الحذّاء (هِشَامٌ) هو ابن حسَّان القُرْدوسيّ _ بضمّ القاف والدّال المهملة بينهما راء ساكنة وبعد الواو سين مهملة _ (عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ) يعني قول ابن عبَّاس رضي الله عنهما يعني موقوفًا، وهذا الحديث قد اشتملَ على ثلاثة

ج 29 ص 327

أحكام

أوَّلها الكذبُ على المنام.

ثانيهما الاستماع لحديث من لا يريد استماعه.

ثالثها التَّصوير.

أمَّا الكذب على المنام فقد مضى الكلام فيه. وقال المهلَّب في قوله (( كلِّف أن يعقد بين شعيرتين ) )حجَّة للأشعريَّة في تجويزهم تكليف ما لا يُطاق، ومثله قوله تعالى {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ} [القلم 42] ، وأجاب من منع ذلك بقوله تعالى {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة 286] وحملوه على أمور الدُّنيا، وحملوا الآية والحديث المذكورين على أمور الآخرة. انتهى ملخّصًا.

والمسألة مشهورة فلا نطيل بها، والحقُّ أنَّ التَّكليف المذكور في قوله (( كلف أن يعقد ) )ليس هو التَّكليف المصطلح، وإنَّما هو كناية عن التَّعذيب كما تقدَّم، وأمَّا التَّكليف المستفاد من الأمر بالسُّجود، فالأمر فيه على سبيل التَّعجيز والتَّوبيخ؛ لكونهم أمروا بالسُّجود في الدُّنيا وهم قادرون على ذلك، فامتنعوا فأمروا به حيث لا قدرة لهم عليه تعجيزًا وتوبيخًا وتعذيبًا.

وأمَّا الاستماع فتقدَّم التَّنبيه عليه في (( الاستئذان ) ) [خ¦6288] في الكلام على حديث (( لا يتناجى اثنان دون ثالثٍ ) )، وقد قيل ذلك في حديث الباب لمن يكون كارهًا لاستماعه فأخرج من يكون راضيًا. وأمَّا الوعيد على ذلك بصبِّ الآنك في أُذنه، فمن الجزاء من حسن العمل.

وأمَّا التَّصوير فقد تقدَّم في أواخر (( اللِّباس ) ) [خ¦5963] من طريق النَّضر بن أنس عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما حديث (( من صوَّر صورةً ) )، وتقدَّم شرحه هناك.

وقال ابن أبي جمرة إنَّما سمَّاه حلمًا ولم يسمِّه رؤيا؛ لأنَّه ادَّعى أنَّه يرى، ولم ير شيئًا فكان كاذبًا، والكذب إنَّما هو من الشَّيطان، وقد قال (( إنَّ الحلم من الشَّيطان ) )، كما مضى في حديث أبي قتادة، وما كان من الشَّيطان فهو غير حقٍّ، فصدّق بعض الحديث بعضًا.

قال ومناسبة الوعيد المذكور للكاذب في منامه وللمصوّر أنَّ الرُّؤيا خلق من خلق الله تعالى، وهي صورةٌ معنوية فأدخل بكذبه صورةً

ج 29 ص 328

لم تقع، كما أدخل المصوِّر في الوجود صورةً ليست بحقيقة؛ لأنَّ الصُّورة الحقيقيَّة هي الَّتي فيها الرُّوح.

فكلَّف صاحب الصُّورة اللَّطيفة أمرًا لطيفًا، وهو الاتِّصال المعبَّر عنه بالعقدِ بين الشَّعيرتين، وكلِّف صاحب الصُّورة الكثيفة أمرًا شديدًا، وهو أن يتمَّ ما خلقه بزعمه بنفخِ الرُّوح، ووقع وعيد كلٍّ منهما بأنَّه يعذَّب حتَّى يفعلَ ما كلِّف به، وهو ليس بفاعلٍ فهو كناية عن تعذيب كلٍّ منهما على الدَّوام. قال والحكمة في هذا الوعيد الشَّديد

أنَّ الأوَّل كذب على جنس النُّبوّة، وأنَّ الثَّاني نازعَ الخالق في قدرتهِ. وقال في مستمع حديث من يكره استماعه يدخل فيه من دخل منزله وأغلق بابه وتحدَّث مع غيره، فإنَّ قرينة حاله تدلُّ على أنَّه لا يريد للأجنبيِّ أن يسمعَ حديثه، فمن يستمع أنَّه يدخل تحت هذا الوعيد، وهو كمن ينظر إليه من خَلَل الباب فقد ورد الوعيد فيه، وأنَّهم لو فقئوا عينه لكانت هدرًا.

قال ويستثنى من عموم من يكره استماع حديثه من تحدَّث مع غيره جهرًا، وهناك من يكره أن يسمعه، فلا يدخل المستمع في هذا الوعيد؛ لأنَّ قرينة الحال وهي الجهرُ تقتضي عدم الكراهة فيسوغ الاستماع.

قال وفي الحديث أنَّ من خرج عن وصف العبوديَّة استحقَّ العقوبة بقدر جرمه. وفيه تنبيهٌ على أنَّ الجاهل بذلك لا يعذر بجهله، وكذا من تأوَّل فيه تأويلًا باطلًا، إذ لم يفرق في الخبر من يعلم تحريم ذلك وبين من لا يعلمه، كذا قال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت