652 -653 - 654 - (حَدَّثَنا) وفي رواية بالإفراد (قُتَيْبَةُ) وفي رواية ابن عساكر الثَّقفي مولاهم البَغْلاني البلخي (عَنْ مَالِكٍ) إمام دار الهجرة (عَنْ سُمَيٍّ) بضم السين المهملة وفتح الميم (مَوْلَى أَبِيْ بَكْرٍ) وفي رواية الأَصيلي وعبد الرَّحمن هو ابن الحارث بن هشام بن المغيرة القرشي المخزومي المدني.
(عَنْ أَبِيْ صَالِحٍ) ذكوان (السَّمَّانِ) كان يجلب السَّمن والزَّيت إلى الكوفة
ج 4 ص 130
(عَنْ أَبِيْ هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه، ورجال هذا الإسناد كلُّهم مدنيون إلَّا قتيبة فبلخيٌّ، وقد أخرج المؤلِّف حديث (( بينما رجل ) ) «في الصَّلاة» [خ¦720] ، وأخرجه مسلم في «الأدب» ، والتِّرمذي في «البرِّ» ، وقال حسن صحيح، وحديث الشُّهداء في «الجهاد» [خ¦2829] ، وحديث (( لو يعلم النَّاس ما في النِّداء ) )أخرجه المؤلف في «الصَّلاة» [1] [خ¦615] ، و «الشَّهادات» [خ¦2689] ، وكذا النَّسائي.
(أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَليهِ وَسَلّمَ قَالَ بَيْنَمَا) بالميم، أصله بين، فأشبعت الفتحة وزيدت فيه الميم فصار «بينما» ، ويقال «بينا» بدون الميم أيضًا، وهما ظرفا زمان يضافان إلى جملةٍ مِنْ فعلٍ وفاعل أو مبتدأ وخبر، ويحتاجان إلى جواب يتمُّ به المعنى، والمبتدأ هاهنا هو قوله (رَجُلٌ) وهو وإن كان نكرة إلَّا أنَّها خصِّصت بصفة هي قوله (يَمْشِيْ بِطَريقٍ) أي فيها، فصحَّ وقوعها مبتدأ، وخبره قوله (وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ، وَأَخَّرَهُ) عن الطَّريق، وفي رواية (فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ) أي تقبَّل الله منه وأثنى عليه ورضي عنه، يقال شكرتُه وشكرتُ له بمعنى واحد، (فَغَفَرَ لَهُ) ذنوبه.
(ثُمَّ قَالَ) صلى الله عليه وسلم (الشُّهَدَاءُ) جمع شهيد، سمِّي به لأن الملائكة يشهدون موته فيكون مشهودًا، أو لكونه مشهودًا له بالجنَّة، أو لأنَّه شُهِد له بخاتمة الخير بظاهر حاله، أو لأنَّ عليه شاهدًا بكونه شهيدًا وهو الدَّم، فعلى هذه المعاني يكون فعيلًا بمعنى مفعول.
وقيل لأنَّ روحه تشهد أي تحضر دار السَّلام لقوله تعالى {بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [آل عمران 169] وأرواح غيره تشهدها يوم القيامة، وقيل لأنَّه شهد ما أعدَّ الله له من الكرامة، وقيل لأنَّه يستشهد مع النَّبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة على سائر الأمم المكذِّبين، فعلى هذه المعاني يكون فعيلًا بمعنى فاعل.
(خَمْسَةً) بالتاء وهو الأصل في المذكَّر، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الحمويي بدون التاء، وهو جائز أيضًا إذا كان المميَّز غير مذكور. وفي رواية مالك في «الموطَّأ» (( الشُّهداء سبعة _ ونقص الشَّهيد في سبيل الله، وزاد _ صاحب ذات الجنب، والحريق، والمرأة تموت بجمعٍ ) )أي تموت وولدها في بطنها.
وفي رواية أبي داود والنَّسائي وابن حبَّان والحاكم من حديث جابر بن عَتِيك مرفوعًا (( الشَّهادة سبعة سوى القتل في سبيل الله المطعون، والغريق، وصاحب ذات الجنب، والمبطون، وصاحب الحريق، والذي يموت تحت الهدم، والمرأة تموت بجمع ) ).
ج 4 ص 131
وفي حديث ابن ماجه من حديث عكرمة عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما مرفوعًا (( موت الغريب شهادة ) )وإسناده ضعيف، وروى سويد بن سعيد الحدثاني عن عليِّ بن مسهر، عن أبي يحيى القَتَّات، عن مجاهد، عن ابن عبَّاس، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم (( من عَشِق فعفَّ وكتمه ثمَّ مات، مات شهيدًا ) )وقد أنكره على سويدٍ الأئمَّة، قاله ابن عدي في «كامله» ، وكذا أنكرهُ البيهقي وابن طاهر.
وقال ابن حبَّان من روى مثل هذا عن عليِّ بن مسهر تجب مجانبة روايته، وسويد بن سعيد هذا وإن كان مسلم أخرج له في «صحيحه» لكنَّه قد اعتذرَ عن ذلك وقال إنَّه لم يأخذ عنه إلَّا ما كان عاليًا وتُوبع عليه، ولأجل هذا أعرضَ عن مثل هذا الحديث.
هذا وذكرَ ابنُ عساكر عن ابن عبَّاس في تعداد الشُّهداء (( الشَّريق، وما أكله السَّبع ) )فعلى ما في الصَّحيح (( الشُّهداء خمسة ) )وعلى رواية مالك (( سبعة ) )ومع رواية ابن ماجه (( ثمانية ) )ومع رواية سويد (( تسعة ) )، ومع رواية ابنِ عساكر (( أحد عشر ) )ولا تناقضَ بينهما؛ لأنَّ التَّخصيص بالعدد لا ينفي الزَّائد، بل يكون ذلك الاختلاف بحسب اختلاف الوحي على النَّبي صلى الله عليه وسلم.
(الْمَطْعُونُ) هو الذي يموت في الطَّاعون، وهو مرضٌ عامٌّ يفسد الهواء فتفسد الأمزجة والأبدان، ولم يُرِد المطعون بالسِّنان؛ لأنَّه الشَّهيد في سبيل الله، (وَالْمَبْطُونُ) هو صاحبُ الإسهال، وقيل هو الذي به الاستسقاء، وقيل هو الذي يَشتكي بطنَه، وقيل هو من مات بداءِ بطنه مطلقًا.
(وَالْغَرِيقُ) بالغين المعجمة، وفي رواية الأَصيليِّ زيادةٌ في قوله [2] (وَصَاحِبُ الْهَدْمِ) هو الَّذي يموت تحتَ الهدم. قال ابن الجوزيِّ الهدَم _ بفتح الدال المهملة _ هو اسمُ ما يقع، وأمَّا بتسكين الدال المهملة فهو الفعل، والذي يقتل هو الذي يقع، ويجوز أن ينسبَ القتل إلى الفعل، (وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) وهو عندنا من قتله المشركون، أو وُجِدَ في المعركة وبه أثر الجراحة، أو قتله المسلمون ظلمًا ولم يجب بقتله ديَّة، وعند مالك والشَّافعي وأحمد الشَّهيد هو الذي قتله العدو غازيًا في المعركة، ثمَّ الشهيد يكفَّن بلا خلاف ولا يغسَّل.
وفي «المغني» إذا مات في المعترك فإنَّه لا يغسَّل رواية واحدة، وهو قول أكثر أهل العلم، قيل ولا يعلم فيه خلاف إلَّا عن الحسن وابن المسيب فإنَّهما قالا يغسَّل الشَّهيد، ولا يعمل به، ويصلَّى عليه عندنا، وهو قول ابن عبَّاس، وابن الزبير، وعقبة بن عامر، وعكرمة، وسعيد بن المسيب، والحسن البصري ومكحول، والثَّوري، والأوزاعي، والمزني، وأحمد في رواية،
ج 4 ص 132
واختارها الخلال.
وقال مالك والشَّافعي وإسحاق لا يصلَّى عليه، وهو قول أهل المدينة. وفي «شرح المهذَّب» الجزم بتحريم الصَّلاة عليه. وقال ابن حزم إن شاؤوا صلُّوا عليه وإن شاؤوا تركوها.
ثمَّ إنَّ الحكم المذكور غير ثابت في ما عدا الشَّهيد في سبيل الله بالاتِّفاق، فمعنى كونهم شهيدًا أنَّه يكون لهم في الآخرة مثل ثواب الشُّهداء بسبب شدَّة موتهم وكثرة أَلَمهم، قالوا الشُّهداء ثلاثة أقسام شهيد الدُّنيا والآخرة، وهو من مات في قتال الكفَّار بسببه، وشهيد الآخرة دون الدُّنيا وهم هؤلاء المذكورون، وشهيد الدُّنيا دون الآخرة وهو من قتل مدبرًا أو غلَّ في الغنيمة، أو قاتل لغرض دنيوي لا لإعلاء كلمة الله تعالى فقُتِل.
فإن قيل فعلى هذا يكون إطلاق الشَّهيد على الأربعة مجازًا، وعلى الخامس حقيقة، ولا يجوز إرادة الحقيقة والمجاز باستعمال واحد.
فالجواب أنَّه محمول على عموم المجاز؛ أي محمول على معنى مجازي أعمُّ من الحقيقة والمجاز على قول أصحابنا الحنفيَّة، وأمَّا على قول الشَّافعي فيجوز ذلك مطلقًا، ومنهم من جوَّزه في لفظ الجمع.
واستشكل الطِّيبي التَّعبير بـ «الشَّهيد في سبيل الله» مع قوله (( الشُّهداء خمسة ) )فإنَّه يلزم منه حمل الشَّيء على نفسه.
وأجاب بأنَّه من باب
أنا أبو النَّجم وشِعري شِعري.
وقال الكرمانيُّ الأولى أن يُقال المراد بالشَّهيد القتيل، فكأنَّه قال الشُّهداء كذا وكذا، والقتيل في سبيل الله.
(وَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ) أي التَّأذين للصَّلاة (وَالصَّفِّ الأَوَّلِ) من الفضيلة (ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا) سبيلًا إليه (إِلاَّ أَنْ يَسْتَهِمُوا) أي إلَّا أن يقترعوا، وفي رواية زيادة كما في قوله (لاَسْتَهَمُوا عَلَيْهِ) وقد تقدَّم الكلام فيه في باب «الاستهام في الأذان» [خ¦615] .
(وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لاَسْتَبَقُوا إِلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا) الحَبْو حبو الصَّغير على يديه ورجليه.
وقال ابن الأثير الحيوان يمشي على يديه وركبتيه أو استه، وحبا البعير إذا برك ثمَّ زحف من الإعياء، وحبا الصَّغير إذا زحف على استه.
وانتصاب «حبوًا» إمَّا على أنَّه صفة مصدر محذوف؛ أي ولو كان إتيانًا حبوًا، أو على أنَّه خبر «كان» المقدَّر؛ أي ولو كان إتيانكم حبوًا، أو على الحال؛ أي ولو حابين.
وهذا المتن كما ترى ثلاثة أحاديث، ومطابقته للتَّرجمة في قوله (( ولو يعلمون ما في التَّهجير لاستبقوا إليه ) )ولم يفرِّق البخاري بينها كعادته لأجل التَّراجم؛ لأنَّ
ج 4 ص 133
قتيبة حدَّث به عن مالك هكذا مجموعًا فلم يتصرَّف فيه المؤلِّف رحمه الله.
ثمَّ من فوائد الحديث فضيلة إماطة الأذى عن الطَّريق وهي أدنى شعب الإيمان، فإن كان الله عزَّ وجلَّ يشكر عبده ويغفر له على إزالة غصن شوك من الطَّريق، فلا يدري ما له من الفضل والثَّواب إذا فعل ما فوق ذلك.
ومنها فضيلة التَّهجير إلى الظُّهر، وعليه ترجم البخاري، ولا منافاة بينه وبين حديث الإبراد؛ لأنَّه عند اشتداد الحرِّ، والتَّهجيرُ هو الأصل، وهو عزيمة وذاك رخصة. ومنها فضيلة العشاء والصُّبح؛ لأنَّهما ثقيلان على المنافق.
[1] انظر العمدة 5/ 171.
[2] رواية الأصيلي «الغرق في الماء» بدون ياء. إرشاد الساري 2/ 29.