7055 - 7056 - (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) هو ابن أبي أويسٍ، قال (حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله المصريْ (عَنْ عَمْرٍو) بفتح العين، هو ابن الحارث، وعند مسلمٍ حدَّثنا عمرو بن الحارث (عَنْ بُكَيْرٍ) بضمِّ الموحَّدة مصغَّر بكر، ابن عبد الله بن الأشجِّ (عَنْ بُسْرِ) بضمِّ الموحَّدة وسكون المهملة، ووقع في بعض النُّسخ بكسر أوَّله وسكون المعجمة، وهو تصحيفٌ (ابْنِ سَعِيدٍ)
ج 29 ص 368
بكسر العين، مولى الحضرميّ (عَنْ جُنَادَةَ) بضمّ الجيم وتخفيف النّون (ابْنِ أَبِي أُمَيَّةَ) السَّدوسيّ، وقيل الدَّوسيّ، والأوَّل هو الصَّواب، واسم أبي أميَّة كثير، مات جنادة سنة سبعٍ وستين، ووقع عند الإسماعيليّ من طريق عثمان بن صالح حدثنا ابن وهب أخبرني عمر أنَّ بكيرًا حدَّثه أنَّ بسر بن سعيدٍ حدَّثه أنَّ جُنادة حدَّثه.
(قَالَ) أي أنَّه قال (دَخَلْنَا عَلَى عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ) رضي الله عنه (وَهْوَ مَرِيضٌ) أي والحال أنَّه مريضٌ (قُلْنَا) له، وفي نسخة (أَصْلَحَكَ اللَّهُ) يحتمل أنَّه أراد الدُّعاء له بالصَّلاح في جسمه ليعافى من مرضه، أو أعمَّ من ذلك، وهي كلمةٌ اعتادوها عند افتتاحِ الطَّلب (حَدِّثْ) أي حدِّثنا (بِحَدِيثٍ يَنْفَعُكَ اللَّهُ بِهِ، سَمِعْتَهُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ دَعَانَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَايَعْنَاهُ) يعني ليلة العقبة، كما تقدَّم إيضاحه في أوائل (( كتاب الإيمان ) )أوَّل الصَّحيح [خ¦18] ، وقوله (( فبايعنا ) )بفتح العين؛ أي النَّبيّ صلى الله عليه وسلم، وروي بإسكان العين؛ أي فبايعنا نحن النَّبيّ صلى الله عليه وسلم، وفي رواية أبي ذرٍّ والأصيليّ بإثبات ضمير المفعول.
(فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا) أي فيما اشترطَ علينا (أَنْ بَايَعَنَا) بفتح العين، وكلمة أن مفسّرة (عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ) له (فِي مَنْشَطِنَا) بفتح الميم والمعجمة وسكون النّون الَّتي بينهما؛ أي في حالة نشاطنا. وقال ابنُ الأثير المَنْشطُ مفعلٌ من النَّشاط، وهو الأمر الَّذي يُنْشَطُ له ويُخفُّ له ويؤثَّر فعله، وهو مصدرٌ بمعنى النَّشاط (وَمَكْرَهِنَا) بفتح الميم والرَّاء؛ أي وفي الحالة الَّتي نكون فيها عاجزين عن العمل بما نؤمر به. ونقل ابن التِّين عن الدَّاوديّ أنَّ المرادَ الأشياء الَّتي يكرهونها، قال ابن التِّين والظَّاهر أنَّه أرادَ في وقت الكسل والمشقَّة ليطابق قوله (( منشطنا ) ). ويؤيِّده ما وقع في رواية إسماعيل بن عُبيد بن رفاعة عن عبادة عند أحمد (( في النَّشاط والكَسل ) )، وقيل المَكْره أيضًا، مصدرٌ وهو ما يكره الإنسان ويشقُّ عليه.
(وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا) في رواية إسماعيل بن عبيد (( وعلى النَّفقة في العسر واليسر ) )وزاد (( وعلى الأمر
ج 29 ص 369
بالمعروف والنَّهي عن المنكر )) (وَأَثَرَةٍ عَلَيْنَا) بفتح الهمزة والمثلّثة أو بضمّ الهمزة وسكون المثلَّثة؛ أي على استئثار الأمراء بحظوظهم واختصاصهم إيَّاها بأنفسهم. وحاصل الكلام أنَّ طواعيتهم لمن يتولَّى عليهم لا تتوقَّف على إيصالهم حقوقَهُم بل عليهم الطَّاعة ولو منعهم حقَّهم (وَأَنْ لاَ نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ) عطف على قوله (( إن بايعنا ) )والمراد بالأمر المُلك والإمارة.
قال الطِّيبيّ هو كالبيان لسابقه لأنَّ معنى عدم المنازعة هو الصَّبر على الأثر، وزاد أحمد من طريق عُمَير بن هانئ عن جنادة (( وإن رأيت أنَّ لك ) )أي وإن اعتقدت أنَّ لك في الأمر حقًّا (( فلا تعمل بذلك الظَّن بل اسمعْ وأطعْ إلى أن يصلَ إليك بغير خروجٍ عن الطَّاعة ) ). وعند ابن حبَّان وأحمد من طريق أبي النَّضر عن جنادة (( وإن أكلوا مالك وضربوا ظهرك ) )، وزاد في رواية الوليد بن عبادة عن أبيه (( وأن نقومَ بالحقِّ حيث ما كنَّا لا نخافُ في الله لومةَ لائمٍ ) ).
(إِلاَّ أَنْ تَرَوْا) فإن قيل كان المناسب أن يقال إلَّا أن نرى _ بنون المتكلِّم _ أجيب بأنَّ التَّقدير بايعنا قائلًا إلَّا أن تروا (كُفْرًا بَوَاحًا) بفتح الموحَّدة والواو والحاء المهملة. قال الخطَّابي معنى قوله (( بواحًا ) )يريد ظاهرًا باديًا من قولهم باح بالشَّيء يبوح به بوحًا وبواحًا إذا أذاعه وأظهره، وأنكر ثابتٌ في «الدَّلائل» بواحًا قال وإنَّما يجوز بوْحًا _ بسكون الواو _ وبؤوحًا _ بضمِّ أوله ثم همزة ممدودة _.
وقال الخطَّابيّ من رواه بالرَّاء فهو قريبٌ من هذا المعنى، وأصل البراح الأرضُ القفر الَّتي لا أنيس فيها ولا بناءَ، وقيل البراحُ البيان، يقال برح الخفاء إذا ظهر، وقال النَّوويّ هو في معظم النُّسخ من مسلمٍ بالواو، وفي بعضها بالرّاء. انتهى.
ووقع عند الطَّبرانيّ من رواية أحمد بن صالح عن ابن وهب في هذا الحديث (( كفرًا صراحًا ) )بصاد مهملة مضمومة ثم راء، ووقع في رواية حبَّان أبي النَّضر (( إلَّا أن يكون معصيةً لله بواحًا ) )، وعند أحمد من طريق عُمَير بن هانئ عن جنادة (( ما لم يأمروك بإثم بواح ) ). وفي رواية إسماعيل بن عبيد عند أحمد والطَّبرانيّ والحاكم من روايته عن أبيه عن عبادة رضي الله عنه (( سيلي أموركُم من بعدي رجالٌ يعرفونكم ما تنكرون، وينكرون عليكم ما تعرفون،
ج 29 ص 370
ولا طاعة لمن عصى الله )) .
وعند أبي بكر بن أبي شيبة من طريق أزهر بن عبد الله بن عبادة رفعه (( سيكون عليكم أمراء يأمرونكم بما لا تعرفون، ويفعلون ما تنكرون، فليس لأولئك عليكم طاعةٌ ) ).
(عِنْدَكُمْ مِنَ اللَّهِ فِيهِ بُرْهَانٌ) أي نصُّ آيةٍ من قرآن أو خبر صحيحٌ لا يحتمل التَّأويل، ومقتضاه أن لا يجوز الخروجُ عليهم ما دام فعلهم يحتمل التَّأويل. قال النَّووي المراد بالكفر هنا المعصية، ومعنى الحديث لا تنازعوا ولاةَ الأمور في ولايتهم، ولا تعترضُوا عليهم إلَّا أن تروا منهم منكرًا محقَّقًا تعلمونه من قواعدِ الإسلام، فإذا رأيتُم ذلك فأنكروا عليهم، وقولوا بالحقِّ حيث ما كنتُم، انتهى.
وقال غيرُه المراد بالإثم هنا والمعصية الكفر فلا يعترضُ على السُّلطان إلَّا إذا وقعَ في الكفر الظَّاهر، قال الحافظ العسقلانيّ والَّذي يظهرُ حمل رواية الكفر على ما إذا كانت المنازعة في الولاية فلا ينازعه بما يقدحُ في الولاية إلَّا إذا ارتكبَ الكفر، وحمل رواية المعصية على ما إذا كانت المنازعة فيما عدا الولاية، فإذا لم يقدح في الولايةِ نازعَه في المعصية بأن ينكرَ عليه برفقٍ، ويتوصَّل إلى تثبيت الحقِّ له بغير عنفٍ، ومحلُّ ذلك إذا كان قادرًا.
ونقل ابن التِّين عن الدَّاوديّ قال الَّذي عليه العلماء في أمراء الجور أنَّه إن قدر على خلعهِ بغير فتنةٍ ولا ظلمٍ وجبَ، وإلَّا فالواجبُ الصَّبر، وعن بعضهم لا يجوز عقدُ الولاية لفاسقٍ ابتداء، فإن أحدثَ جورًا بعد أن كان عدلًا اختلفوا في جوازِ الخروجِ عليه، والصَّحيح المنع إلَّا أن يكفرَ فيجب الخروجُ عليه.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة تُؤخذ من معنى الحديث، وقد أخرجه مسلم في (( المغازي ) ).