7058 - (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيّ، قال (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى) بفتح العين وزاد في (( علامات النُّبوّة ) ) [خ¦3605] عن أحمد بن محمَّد المكِّي حدثنا عمرو بن يحيى الأمويّ (ابْنِ سَعِيدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ) قال (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (جَدِّي) هو سعيد بن عَمرو بن سعيد بن العاص بن أميَّة، وقد نسب يحيى في رواية عبد الصَّمد بن عبد الوارث عن عَمرو بن يحيى إلى جدِّ جدِّه الأعلى، فوقع في روايته حدَّثنا عمرو بن يحيى بن العاص سمعت جدِّي سعيد بن العاص. فنسب سعيدًا أيضًا إلى والد جدِّ جدِّه وأبوه عَمرو بن سعيد هو المعروف بالأشدق قتله عبدُ الملك بن مروان لمَّا خرج عليه بدمشق بعد السَّبعين.
(قَالَ كُنْتُ جَالِسًا مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه وكان ذلك زمن معاوية رضي الله عنه (فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَنَا مَرْوَانُ) هو ابن الحكم بن أبي العاص بن أميَّة الَّذي ولي الخلافة بعد ذلك، وكان يلي لمعاوية إمرة المدينة تارةً، وسعيد بن العاص والد عمرو يليها لمعاوية تارةً.
(قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (سَمِعْتُ الصَّادِقَ) في نفسه (الْمَصْدُوقَ) من عند الله، أو بمعنى المصدَّق من عند النَّاس صلى الله عليه وسلم (يَقُولُ هَلَكَةُ أُمَّتِي) بفتحتين، بمعنى الهلاك، وفي رواية المكِّي [خ¦3605] (( هلاك أمَّتي ) ). قال الحافظ العَسقلانيّ وهو المطابق لما في التَّرجمة، وفي رواية عبد الصَّمد (( هلاك هذه الأمَّة ) )والمراد بالأمَّة هنا أهل ذلك العصر ومن قاربهم لا جميع الأمَّة إلى يوم القيامة (عَلَى يَدَيْ) بالتَّثنية في رواية الأكثر، وفي رواية السَّرخسيّ والكُشميهني بزيادة همزة بصيغة الجمع (غِلْمَةٍ) بكسر المعجمة وسكون اللَّام (مِنْ قُرَيْشٍ) قال ابن بطَّال
ج 29 ص 373
جاء المراد بالهلاك مبيّنًا في حديثٍ آخر لأبي هريرة رضي الله عنه أخرجه عليّ بن معبد وابن أبي شيبة من وجهٍ آخر عن أبي هريرة رضي الله عنه رفعه (( أعوذ بالله من إمارة الصِّبيان قالوا وما إمارة الصِّبيان؟ قال إن أطعتموهُم هلكتُم _ أي في دينكم _، وإن عصيتموهُم أهلكوكم ) )أي في دنياكم بإرهاق النَّفس أو بإذهاب المال أو بهما.
وفي رواية ابن أبي شيبة (( أنَّ أبا هريرة رضي الله عنه كان يمشي في السُّوق ويقول اللهمَّ لا تدركني سنَّة ستين ولا إمارة الصِّبيان، وقد استجاب الله دعاء أبي هريرة فمات قبلها بسنةٍ ) ).
قال الحافظ العَسقلانيّ وفي هذا إشارةٌ إلى أنَّ أوَّل الأغيلمة كان في سنة ستين، وهو كذلك، فإنَّ يزيد بن معاوية استخلفَ فيها وبقيَ إلى سنة أربع وستين فمات ثمَّ ولى ولده معاوية ومات بعد أشهرٍ. وهذه الرِّواية تخصِّص رواية أبي زرعة عن أبي هريرة الماضية في علامات النُّبوّة بلفظ (( يُهلك النَّاسَ هذا الحيُّ من قريشٍ ) )وهم الأحداثُ منهم لا كلُّهم، والمراد أنَّهم يُهلكون النَّاس بسببِ طلبهم الملك والقتال لأجله فيفسد أحوال النَّاس ويكثرُ الخبط بتوالي الفتن، وقد وقعَ الأمر كذلك. وزاد في رواية (( لو أنَّ النَّاس اعتزلوهُم ) )وهو محذوف الجواب تقديره لكان أولى بهم، والمراد باعتزالهم أن لا يداخلوهُم ولا يقاتلوا معهم ويفرُّوا بدينهم من الفتن، ويحتمل أن يكون لو للتَّمني فلا يحتاجُ إلى تقدير جواب.
ويؤخذ من هذا الحديث استحباب هجران البلدة الَّتي يقع فيها إظهار المعصية فإنَّها سبب وقوع الفتن الَّتي ينشأ عنها عموم الهلاك، قال ابن وهبٍ عن مالك تهجر الأرض الَّتي يصنع فيها المنكر جهارًا وقد صنع ذلك جماعةٌ من السَّلف.
(فَقَالَ مَرْوَانُ) أي ابن الحكم المذكور (لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ غِلْمَةً) بالنَّصب على الاختصاص، وفي رواية عبد الصَّمد (( لعنة الله عليهم من أغيلمة ) )وهذه الرِّواية تفسِّر المراد بقوله في رواية المكيّ
ج 29 ص 374
(( فقال مروان غلمة ) )كذا اقتصر على هذه الكلمة فدلَّت رواية الباب أنَّها مختصرةٌ من قوله لعنة الله عليهم غلمة، فكان التَّقدير غلمة عليهم لعنة الله، أو ملعونون، أو نحو ذلك، ولم يرد التَّعجب ولا الاستثبات.
قال العينيُّ والعجبُ من لعن مروان الغلمة المذكورين مع أنَّ الظَّاهر أنَّهم من ولده، فكأن الله تعالى أجرى ذلك على لسانه ليكون أشدَّ في الحجَّة عليهم لعلَّهم يتَّعظون، وقد وردتْ أحاديث في لعن الحكم والد مروان وما ولد، أخرجها الطَّبرانيّ وغيره، غالبها فيه مقالٌ وبعضها جيِّدٌ.
(فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (لَوْ شِئْتُ أَنْ أَقُولَ بَنِي فُلاَنٍ وَبَنِي فُلاَنٍ لَفَعَلْتُ) وفي رواية الإسماعيليّ (( من بني فلان وبني فلان لقلت ) )وكأن أبا هريرة رضي الله عنه كان يعرفُ أسماءهم وكان ذلك من الجراب الَّذي لم يُفْشِهِ، ولم يحدّث به، فلم يبيِّن أسامي أمراء الجورِ وأحوالهم، نعم كان يكني عن بعضِهِ ولا يصرِّح به خوفًا على نفسه، وتقدَّم في كتاب العلم [خ¦120] قوله (( لو حدَّثت به لقطعتُم هذا البلعوم ) ).
(فَكُنْتُ أَخْرُجُ مَعَ جَدِّي) قائل هذا عَمرو بن يحيى بن سعيد بن عَمرو، وجدُّه سعيد بن عَمرو وكان مع أبيه لمَّا غلب على الشَّام ولمَّا قُتل تحوَّل سعيد بن عَمرو إلى الكوفة فسكنها إلى أن مات (إِلَى بَنِي مَرْوَانَ حِينَ مَلَكُوا بِالشَّأْمِ) إنَّما خصَّ الشَّام مع أنَّهم لمَّا ولُّوا الخلافة ملكوا غير الشَّام أيضًا؛ لأنَّها كانت مساكنهم من عهد معاوية رضي الله عنه، وفي رواية أبي ذرٍّ بضمّ الميم وكسر اللَّام المشددة (فَإِذَا رَآهُمْ غِلْمَانًا أَحْدَاثًا) جمع حدث؛ أي شبابًا وأوَّلهم يزيد _عليه ما يستحقُّ_ كما يدلُّ عليه قول أبي هريرة رضي الله عنه رأس السِّتين وإمارة الصِّبيان، فإنَّ يزيدَ كان غالبًا ينزعُ الشُّيوخ من إمارة البلدان الكبار ويولّيها الأصاغر من أقاربه.
(قَالَ) أي جدِّي عمر بن يحيى (لَنَا عَسَى هَؤُلاَءِ أَنْ يَكُونُوا مِنْهُمْ؟) فقال أولاده وأتباعُه ممَّن سمع منه ذلك (قُلْنَا) له (أَنْتَ أَعْلَمُ) وهذا مشعرٌ بأنَّ هذا القول صدرَ منه
ج 29 ص 375
في أواخر دولة بني مروان بحيث يمكن عَمرو بن يحيى أن يسمعَ ذلك منه، وقد ذكر ابنُ عساكر أنَّ سعيد بن عَمرو بقيَ إلى أن وفد على الوليد بن يزيد بن عبد الملك، وذلك قبل الثَّلاثين ومائة.
ووقع في روايةٍ للإسماعيليّ أنَّ بين تحديث عَمرو بن يحيى بذلك وسماعه له من جدِّه سبعين سنةً، وإنَّما تردد عَمرو في أنَّهم المراد بحديث أبي هريرة رضي الله عنه من جهة كون أبي هريرة رضي الله عنه لم يفصح بأسمائهم، والَّذي يظهرُ أنَّ المذكورين من جملتهم وأنَّ أوَّلهم يزيد كما مرَّ.
وقال ابن بطَّال وفي هذا الحديث حجَّة لترك القيام على السُّلطان ولو جار؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم أعلم أبا هريرة بأسماء هؤلاء وأسماء آبائهم ولم يأمر بالخروج عليهم مع إخباره أنَّ هلاك الأمَّة على أيديهم لكون الخروج أشدَّ في الهلاك، وأقربَ إلى الاستفصالِ من طاعتهم، فاختار أخفَّ المفسدتين.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة تؤخذ من قوله (( هلاك أمَّتي على أيدي غلمة ) )، وقد سبق الحديث في (( علامات النُّبوة ) ) [خ¦3604] ، وقد أخرجه مسلم.
تنبيه قال التِّفتازانيّ وقد اختلفوا في جوازِ لعن يزيد بن معاوية، فقال في «الخلاصة» وغيرها أنَّه لا ينبغي اللَّعن عليه ولا على الحجَّاج؛ لأنَّ النَّبيّ صلى الله عليه وسلم نهى عن لعنِ المصلِّين ومَن كان من أهلِ القبلة.
وأمَّا ما نقل عنه صلى الله عليه وسلم من اللَّعن لبعض أهل القبلة، فلما أنَّه يعلم من أحوال النَّاس ما لا يعلمه غيره، وبعضُهم أطلق اللَّعن عليه لما أنَّه كفرَ حين أمر بقتلِ الحسين رضي الله عنه وإهانتهِ أهل البيت النَّبوي ممَّا تواترَ معناه، وإن كانت تفاصيله آحادًا، فنحنُ لا نتوقَّف في شأنهِ بل في إيمانه لعنة الله عليه وعلى أنصاره وأعوانه. انتهى.