فهرس الكتاب

الصفحة 10485 من 11127

7069 - (أَخْبَرَنَا) وفي نسخة (أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافعٍ، قال (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) ابن شهابٍ (ح) تحويلٌ من سندٍ إلى آخر، قال البخاريّ (وَحَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) هو ابنُ أبي أويسٍ، قال (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَخِي) أبو بكر عبد الحميد (عَنْ سُلَيْمَانَ) وفي رواية أبي ذرٍّ زيادة (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَتِيقٍ) هو محمَّد بن عبد الله بن أبي عتيق، واسم أبي عتيق محمَّد بن عبد الرَّحمن بن أبي بكرٍ الصِّديق رضي الله عنه التَّيميّ المدنيّ نسبه لجدِّه (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريّ.

(عَنْ هِنْدٍ بِنْتِ الْحَارِثِ الْفِرَاسِيَّةِ) بكسر الفاء وتخفيف الرّاء وبالسّين المهملة، نسبة إلى بني فراس بطنٌ من كنانة وهم إخوة قريشٍ، وكانت هند زوج معبد بن المقداد، وقد قيل إنَّ لها صحبةً (أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتِ اسْتَيْقَظَ) أي انتبه من نومه وليست السِّين في استيقظ للطَّلب (رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةً) نصب على الظرفيَّة حال كونه (فَزِعًا) بفتح الفاء وكسر الزّاي؛ أي خائفًا حال كونه (يَقُولُ سُبْحَانَ اللَّهِ) وفي رواية سفيان (( فقال سبحان الله ) )، وفي رواية ابن المبارك عن مَعْمر في اللِّباس (( استيقظ من اللَّيل وهو يقول لا إله إلَّا الله ) ).

(مَاذَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْخَزَائِنِ؟) وفي رواية الكُشميهني هكذا، وفي رواية غيره بضمِّ الهمزة من الخزائن؛ أي الخيرات، وهو جمع خزانة، وهو الموضع والوعاء الَّذي يحفظ فيه الشَّيء، والمراد خزائن فارس والرُّوم ممَّا فتح على الصَّحابة رضي الله عنهم. وقوله سبحان الله ماذا استفهام متضمن معنى التَّعجب، وفي رواية ابن عساكر إسقاط ليلة، واسم الجلالة الشَّريف من قوله أنزل الله،

ج 29 ص 395

وفي رواية أبي ذرٍّ بضم الهمزة وكسر الزاي، اللَّيلة من الخزائن (وَمَاذَا أُنْزِلَ) بضم الهمزة (مِنَ الْفِتَنِ؟) أي الشُّرور. وفي رواية سفيان (( ماذا أنزل من الفتن وماذا فتح من الخزائن؟ ) )، وفي رواية شعيب (( ماذا أنزل من الخزائن وماذا أنزلَ من الفتن؟ ) )، وفي رواية ابن المبارك مثله لكن بتقديمٍ وتأخيرٍ، وقال (( من الفتنة ) )بالإفراد.

(مَنْ يُوقِظُ) أي من ينتدبُ فيوقظ، كذا في رواية الأكثرين، وفي رواية سفيان (( أيقظوا ) )بصيغة الأمر من الإيقاظ (صَوَاحِبَ الْحُجُرَاتِ) بالنَّصب على المفعولية، وجوَّز الكرمانيّ (( اِيقَظوا ) )بكسر أوَّله وفتح ثالثه، وصواحب منادى، ودلَّت رواية (( أيقظوا ) )على أنَّ المراد بقوله (( من يوقظ ) )النَّدب والتَّحريض على إيقاظهنَّ، والصَّواحب جمع صاحبة، والحُجَرات _ بضمِّ الحاء المهملة وفتح الجيم _ والَّذي في اليونينيَّة بضمِّ الجيم جمع حُجْرة، وهو الموضع المنفرد في الدَّار.

(يُرِيدُ) صلى الله عليه وسلم (أَزْوَاجَهُ لِكَيْ يُصَلِّينَ) ويستعذين ممَّا أراه الله من الفتن النَّازلة كي يوافقن المرجوّ فيه الإجابة وخصَّهن؛ لأنهنَّ الحاضرات حينئذٍ، وفي رواية شعيب (( حتَّى يصلين ) )وخلت سائر الرِّوايات من هذه الزِّيادة (رُبَّ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا) بالثِّياب لوجود الغنى، وفي رواية سفيان (( فربَّ كاسيةٍ ) )بزيادة فاء في أوَّله، وفي رواية ابن المبارك (( يا ربّ كاسية ) )بزيادة حرف النِّداء في أوَّله، وفي رواية هشام (( كم من كاسية ) ).

وهذا يؤيِّد ما قال ابن مالكٍ ربّ أكثر ما ترد للتَّكثير، فإنَّه قال أكثر النَّحويين أنَّها للتَّقليل، وأنَّ معنى ما يصدر بها المعنى، والصَّحيح أنَّ معناها في الغالب التَّكثير، وهو مقتضى كلام سيبويه فإنَّه قال في باب كم، واعلم أنَّ كم في الخبر لا تعمل إلَّا ما يعمل فيه ربّ؛ لأنَّ المعنى واحدٌ إلَّا أن كم اسم وربّ غير اسم، ولا خلاف أنَّ معنى كم الخبريَّة التَّكثير ولم يقع في كتابه ما يعارض ذلك، فصحَّ أنَّ مذهبه ما ذكرتُ، وحديث الباب شاهدٌ لذلك، فليس مراده أنَّ ذلك قليلٌ بل المتصف بذلك من النِّساء كثيرٌ

ج 29 ص 396

ولذلك لو جعلت كم موضع رب لحسن، انتهى.

قال الحافظ العَسقلانيّ وقد وقعت كذلك في نفس هذا الحديث كما بيَّنه، وممَّا وردت فيه للتَّكثير قول حسَّانَ رضي الله عنه

~ رُبَّ حُلْمٍ أَضَاعَهُ عَدَمُ الْمَالِ وَجَهْلٍ غَطَّى عَلَيْهِ النَّعِيمُ

وقول عَدِيّ

~رُبَّ مَأْمُولٍ وَرَاجٍ أَمَلًا قَدْ ثَنَاهُ الدَّهْرُ عَنْ ذَاكَ الْأَمَلِ

قال والصَّحيح أيضًا أنَّ الَّذي يصدر بـ (( رب ) )لا يلزم كونه ماضي المعنى بل يجوز مضيّه وحضوره واستقباله، وقد اجتمع في الحديث الحضور والاستقبال وشواهد المعنى كثيرة. انتهى ملخّصًا.

وأمَّا تصدير (( ربّ ) )بحرف النِّداء في رواية ابن المبارك، فقيل المنادى فيه محذوف، والتَّقدير يا سامعين.

(عَارِيَةٍ فِي الآخِرَةِ) من الثَّواب لعدم العمل في الدُّنيا. قال القاضي عياض الأكثر بالخفض على الوصف للمجرور بـ (( ربّ ) )، وقال غيره الأولى الرَّفع على إضمار مبتدأ والجملة في موضع النَّعت؛ أي هي عاريةٌ والفعل الَّذي يتعلَّق به (( ربّ ) )محذوف، وقال السُّهيليّ الأحسن الخفضُ على النَّعت؛ لأنَّ رب حرف جرٍّ يلزم صدر الكلام وهذا رأي سيبويهِ، وعند الكسَائيّ هو اسم مبتدأ والمرفوع خبره، وإليه كان يذهب بعض شيوخنا. انتهى.

واختلف في المراد بقوله كاسية وعارية على أوجه

أحدها كاسية في الدُّنيا بالثِّياب لوجود الغنى، عارية في الآخرة من الثَّواب لعدم العمل في الدُّنيا كما تقدَّم.

ثانيها كاسية بالثِّياب لكنَّها شفَّافة لا تستر عورتها فتعاقب في الآخرة بالعري جزاءً على ذلك.

ثالثها كاسيةً من نعم الله عليها عاريةً من الشُّكر الَّذي يظهر بموته في الآخرة بالثَّواب.

رابعها كاسية جسدها لكنَّها تشدُّ خمارها من ورائها، فيبدو صدرها فتصير عاريةً فتعاقب في الآخرة.

خامسها كاسية من خلعة الزَّوج بالرَّجل الصَّالح عارية في الآخرة من العمل، فلا ينفعها صلاح زوجها، كما قال تعالى {فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ} [المؤمنون 101] ، ذكر هذا الأخير الطِّيبيّ ورجَّحه لمناسبة المقام، واللَّفظة وردت في أزواج النَّبيّ صلى الله عليه وسلم لكن العبرة بعموم اللَّفظ.

وقد سبقه لنحوه الدَّاوديّ فقال كاسية للشَّرف في الدُّنيا لكونها أهل الشَّريف،

ج 29 ص 397

وعارية في الآخرة يوم القيامة قال ويحتمل أن يراد عارية في النَّار، قيل [1] وفي ذلك إشارةٌ إلى تقديم المرء ما يفتح عليه من الخزائن الدُّنيوية للآخرة يوم يحشر النَّاس فيه عراةً فلا يكتسي إلَّا الأوَّل فالأوَّل، في الطَّاعة والصَّدقة والإنفاق في سبيل الله.

وقال ابن بطَّال في هذا الحديث أنَّ الفتوح في الخزائن ينشأُ عنها فتنة المال، بأن يتنافسَ فيه فيقعُ القتال بسببه، وأن يبخلَ به فيمنع الحقَّ، ويبطرُ صاحبه فيُسرف، فأراد صلى الله عليه وسلم تحذيرَ أزواجه من ذلك كلِّه، وكذا غيرُهنَّ ممَّن بلغه ذلك، وأراد بقوله (( من يوقظ؟ ) )بعض خدمه، كما قال يوم الخندق [خ¦2846] (( من يأتيني بخبر القوم؟ ) )، وأراد أصحابَه، لكن هناك عُرف الَّذي انتُدب، كما تقدَّم [خ¦2846] ، وهنا لم يذكر.

وفي الحديث النَّدب إلى الدُّعاء، والتَّضرع عند نزول الفتنة، ولا سيَّما في اللَّيل لرجاء وقت الإجابة، لتُكشف، أو ليسلم الدَّاعي ومن دعا له، وبالله التَّوفيق.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة تُؤخذ من قوله (( وماذا أُنزلَ من الفتن؟ ) )؛ أي الشُّرور، فتكون تلك اللَّيلة الَّتي استيقظ فيها النَّبي صلى الله عليه وسلم أشرّ من اللَّيلة الَّتي قبلها، وقد مضى الحديث في كتاب العلم في باب العلم والعظة باللَّيل [خ¦115] .

[1] في هامش الأصل قسطلاني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت