7068 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) الفِرْيابيّ، كذا قال القسطلانيّ، وقال العينيُّ هو أبو أحمد البخاريّ البيكنديّ، قال (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو الثَّوريّ، كذا قال القسطلانيّ وكذا العَسقلانيّ، وقال العينيُّ هو ابن عيينة (عَنِ الزُّبَيْرِ) بضمّ الزّاي (ابْنِ عَدِيٍّ) بفتح العين بعدها دال مهملة، وهو كوفيٌّ همْداني_ بسكون الميم _ ولي قضاء الرّي، ويُكْنى أبا عدي، وهو من صغار التَّابعين، وليس له في البخاري سوى هذا الحديث.
وقد يلتبس به راوٍ قريب من طبقته، وهو الزُّبير بن عَرَبي _ بفتح العين والرَّاء بعدها موحَّدة مكسورة _ وهو اسمٌ بلفظ النَّسب بصريٌّ يكنى أبا سلمة، وليس له في البخاريِّ سوى حديثٍ واحدٍ تقدَّم في الحجِّ من روايته عن ابن عمر رضي الله عنهما.
ج 29 ص 391
(قَالَ أَتَيْنَا أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَشَكَوْنَا إِلَيْهِ مَا نَلْقَى مِنَ الْحَجَّاجِ) هو ابنُ يوسف الثَّقفيِّ الأمير المشهور من ظلمهِ وتعدِّيه، وفي رواية أبي ذرٍّ وابن عساكر ففيه التفات، وفي رواية الكُشميهني وهو على الجادَّةِ، وفي رواية ابن أبي مريم عن الفِرْيابي شيخ البخاريِّ فيه عند أبي نعيم (( نشكو ) )بنون بدل الفاء. وفي رواية عبد الرَّحمن بن مهدي عن سفيان عند الإسماعيلي (( شكونا إلى أنسٍ ما نلقى من الحجَّاج ) )، وذكر الزُّبير في «الموفقيّات» من طريق مجالد عن الشَّعبيّ قال كان عمر رضي الله عنه فمن بعده إذا أخذوا العاصي أقاموه للنَّاس ونزعوا عمامته، فلمَّا كان زياد ضرب في الجنايات بالسِّياط، ثمَّ زاد مصعب بن الزُّبير حَلْقَ اللِّحية، فلمَّا كان بشر بن مروان سَمَرَ كفَّ الجاني بمسمارٍ، فلمَّا قدم الحجَّاج قال هذا كلُّه لعب فقَتَلَ بالسَّيف.
(فَقَالَ) أي أنسٍ رضي الله عنه (اصْبِرُوا) أي عليه، وقد زاد عبد الرَّحمن بن مهدي في روايته (( اصبروا عليه ) ) (فَإِنَّهُ) أي الشَّأن أو الحال (لاَ يَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ) وفي رواية عبد الرَّحمن بن مهدي (( لا يأتيكم عامٌ ) )، وبهذا اللَّفظ أخرج الطَّبرانيّ بسندٍ جيِّدٍ عن ابن مسعودٍ رضي الله عنه نحو هذا الحديث موقوفًا عليه قال ليس عام إلَّا والَّذي بعده شرٌّ منه، وله عنه بسندٍ صحيحٍ قال أمس خيرٌ من اليوم، واليوم خيرٌ من غدٍ، وكذلك حتَّى تقوم السَّاعة.
(إِلاَّ والَّذِي بَعْدَهُ) كذا في رواية أبي ذرٍّ بالواو، وسقطت الواو للباقين، وثبتت لابن مهدي (شَرٌّ مِنْهُ، حَتَّى تَلْقَوْا رَبَّكُمْ) أي حتَّى تموتوا، وقد ثبت في «صحيح مسلم» في حديثٍ آخر (( واعلموا أنَّكم لن تروا ربَّكم حتَّى تموتوا ) )، كذا في رواية الأكثرين، وفي رواية أبي ذرٍّ والنسفيّ بوزن أفعل، وعليه شرح ابن التِّين فقال كذا وقع (( أشر ) )بوزن أفعل.
وقد قال في «الصِّحاح» فلانٌ شرٌّ من فلان، ولا يقال أشرّ إلَّا في لغةٍ رديَّة، وقال العينيُّ إن صحَّت الرِّواية بأفعل التَّفضيل لا يلتفت إلى ما قال الجوهري وغيره.
قال الحافظ العَسقلانيّ ووقع في رواية محمَّد بن القاسم الأسدي عن الثَّوري ومالك بن مِغْوَل ومسعود وأبي سنان الشَّيبانيّ أربعتهم عن
ج 29 ص 392
الزُّبير بن عَدِيّ بلفظ (( لا يأتي على النَّاس زمانٌ إلَّا شرّ من الزَّمان الَّذي قبله، سمعت ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم ) )أخرجه الإسماعيليّ، وكذا أخرجه ابن منده من طريق مالك بن مِغْول بلفظ إلَّا وهو شرٌّ من الَّذي قبله.
وأخرجه الطَّبرانيّ في «المعجم الصغّير» من رواية مسلم بن إبراهيم عن شعبة عن الزُّبير بن عَدِيّ وقال تفرَّد به مسلمٌ عن شعبة.
(سَمِعْتُهُ مِنْ نَبِيِّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وفي رواية أبي نعيم (( سمعت ذلك ) )، قال ابن بطَّال هذا الخبر من أعلام النُّبوّة لإخباره صلى الله عليه وسلم بفسادِ الأحوال، وذلك من الغيب الَّذي لا يُعلم بالرَّأي وإنَّما يُعلم بالوحي، انتهى.
وقد استشكل هذا الإطلاق مع أنَّ بعضَ الأزمنة يكون في الشَّرِّ دون الَّذي قبله، ولو لم يكن إلَّا زمن عمر بن عبد العزيز وهو بعد زمن الحجَّاج بيسيرٍ، وقد اشتهر خيريَّة زمانه، بل لو قيل إنَّ الشَّرّ اضمحلَّ في زمانه لما كان بعيدًا، فضلًا عن أن يكون شرًّا من الزَّمن الَّذي قبله لكفى في الاستشكالِ، فلذا حمله الحسنُ البصريّ على الأكثرِ الأغلب فسُئل عن وجود عمر بن عبد العزيز بعد الحجَّاج، فقال لا بدَّ للنَّاس من تنفيسٍ.
وقال بعضُهم المراد بالتَّفضيل مجموع العصرِ على مجموع العصر فإنَّ عصر الحجَّاج كان فيه كثيرٌ من الصَّحابة في الأحياء، وفي عصر عمر بن عبد العزيز انقرضوا والزَّمان الَّذي فيه الصَّحابة خيرٌ من الزَّمان الَّذي بعده، لقوله صلى الله عليه وسلم (( خيرُ القرون قرني ) )وهو في (( الصَّحيحين ) )، وقوله صلى الله عليه وسلم (( أصحابي أمنةٌ لأمَّتي فإذا ذهبَ أصحابي أتى أمَّتي ما يُوعدون ) )أخرجه مسلمٌ.
قال الحافظ العَسقلانيّ ثمَّ وجدت عن عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه التَّصريح بالمراد وهو أولى بالاتّباع، فأخرج يعقوبُ بن شبَّة من طريق الحارث بن حصيرة عن زيد بن وهب قال سمعتُ عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه يقول لا يأتي عليكم يومٌ إلَّا وهو شرٌّ من اليوم الَّذي كان قبله حتَّى تقومَ السَّاعة، لست أعني رخاءً من العيش
ج 29 ص 393
يصيبه ولا مالًا يفيده، ولكن لا يأتي عليكم يومٌ إلَّا وهو أقلُّ علمًا من اليوم الَّذي مضى قبله، فإذا ذهبَ العلماء استوى النَّاس، فلا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن منكرٍ فعند ذلك يهلكون.
ومن طريق أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن ابن مسعودٍ رضي الله عنه إلى قوله شرٌّ منه قال (( فأصابتنا سنة خصبٍ، فقال ليس ذلك أعني، إنَّما أعني ذهابَ العلماء ) )، ومن طريق الشَّعبيّ عن مسروقٍ عنه (( لا يأتي عليكم زمانٌ إلَّا وهو أشدُّ ممَّا قبله، أما إنِّي لا أعني أميرًا خيرًا من أمير، ولا عامًا خيرًا من عامٍ، ولكن علماؤكُم وفقهاؤكُم يذهبون، ثمَّ لا تجدون منهم خلفًا، ويجيء قومٌ يفتون برأيهم ) ).
وفي لفظ عنه من هذا الوجه (( وما ذاك بكثرة الأمطار وقلَّتها ولكن بذهاب العلماء، ثمَّ يحدث قومٌ يفتون الأمور برأيهم فيثلمون الإسلام ويهدمونه ) )، وأخرج الدَّارميّ الأوَّل من طريق الشَّعبيّ بلفظ (( لست أعني عامًا أخصبَ من عامٍ ) )والباقي مثله وزاد (( وخياركم ) )قبل قوله (( وفقهاؤكُم ) ).
واستشكل أيضًا زمان عيسى بن مريم عليهما السَّلام بعد زمان الدَّجال، وأجاب الكرمانيّ بأنَّ المراد الزَّمان الَّذي يكون بعد عيسى عليه السَّلام، أو المراد جنس الزَّمان الَّذي فيه الأمراء، وإلَّا فمعلومٌ من الدِّين بالضَّرورة أنَّ زمان النَّبيّ المعصوم لا شرَّ فيه.
وقال الحافظ العَسقلانيّ ويحتمل أن يكون المراد بالأزمنة ما قبل وجود العلامات العظام كالدَّجال وما بعده، ويكون المراد بالأزمنة المتفاضلة في الشَّرّ من زمن الحجَّاج فما بعده إلى زمن الدَّجال، وأمَّا زمن عيسى عليه السَّلام فله حكمٌ مستأنف، والله تعالى أعلم.
ويحتمل أن يكون المراد بالأزمنة المذكورة أزمنة الصَّحابة بناءً على أنَّهم هم المخاطبون بذلك فيختصُّ بهم، فأمَّا من بعدهم فلم يقصد في الخبر المذكور لكن الصَّحابي فهم التَّعميم، ولأجل ذلك أجاب من شكى إليه الحجَّاج بذلك، وأمرهم بالصَّبر وهم أو جُلّهم
ج 29 ص 394
من التَّابعين.
واستدلَّ ابن حبَّان في «صحيحه» لأنَّ حديث أنسٍ ليس على عمومه بالأحاديث الواردة في المهدي، وأنَّه يملأ الأرض عدلًا بعد أن ملئت جورًا، وقد مرَّ عن ابن مسعودٍ رضي الله عنه ما يصلحُ أن يفسر به الحديث، فتذكّر والتَّرجمة المذكورة هي عينُ الحديث المذكور، وقد أخرجه التِّرمذيّ في (( الفتن ) )عن ابن بشَّار أيضًا.