7066 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) لم ينسبه أكثر الرُّواة، وقال الكلاباذيّ محمَّد [بن] كثير ومحمَّد بن بشار، ومحمَّد بن المثنَّى، ومحمَّد بن الوليد، رووا عن غُنْدر في «الجامع» وقيل يشيرُ بذلك إلى أنَّ محمَّد الَّذي ذكر هنا غير منسوبٍ يحتمل أن يكون أحد الثَّلاثة المذكورين، ولكن نسبه أبو ذرٍّ في روايته، وقال _ بالمعجمة المشدَّدة _ وهو الملقَّب ببُنْدار وهو الظَّاهر؛ لأنَّه كثيرًا ما يروي عن غُنْدر.
قال (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) محمَّد بن جعفرٍ، قال (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي ابن الحجَّاج (عَنْ وَاصِلٍ) هو ابن حَيَّان _ بفتح الحاء المهملة وتشديد التَّحتيَّة _ الكوفيّ (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيق بن سلمة (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) أي ابن مسعودٍ رضي الله عنه، قال أبو وائل (وَأَحْسِبُهُ) أي أحسب عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه (رَفَعَهُ) أي رفع الحديث إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم.
(قَالَ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ أَيَّامُ الْهَرْجِ) بإضافة أيَّام إلى الهرج (يَزُولُ فِيْهَا الْعِلْمُ) بزوال أهله، كذا في رواية أبي ذرٍّ والأَصيليّ وابن عساكر وسقط لفظ في رواية غيرهم (وَيَظْهَرُ فِيهَا الْجَهْلُ) لذهاب العلماء والاشتغال بالفتن عن العلم (قَالَ أَبُو مُوسَى) الأشعريّ رضي الله عنه (وَالْهَرْجُ الْقَتْلُ بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ) وهذا طريقٌ آخر أيضًا في الحديث المذكور.
7067 - (وَقَالَ أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح بنُ عبد الله اليشكُرِيّ (عَنْ عَاصِمٍ) هو ابنُ أبي النُّجود أحد القرَّاء السَّبعة المشهورين (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيق (عَنِ الأَشْعَرِيِّ) أبي موسى رضي الله عنه، وحديث أبي عَوَانة عن عاصم في المعنى سندٌ آخر، أخرجه ابنُ أبي خيثمة عن عفَّان وأبي الوليد جميعًا، عن أبي عوانة عن عاصم عن شقيق،
ج 29 ص 389
عن عروة بن قيس، عن خالد بن الوليد، فذكر قصَّةً فيها فأولئك الأيَّام الَّتي ذكر النَّبيّ صلى الله عليه وسلم (( بين يدي السَّاعة أيَّام الهرج ) )، وذكر فيه أنَّ الفتنة تدهش حتَّى ينظر الشَّخص هل يجد مكانًا ينزل به فلا يجد.
وقد وافقه على حديث ابن مسعودٍ رضي الله عنه الأخير زائدة، أخرجه الطَّبرانيّ من طريقه عن عاصم عن شقيق عن عبد الله رضي الله عنه سمعت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول (( إنَّ من شرار النَّاس مَن تدركهم السَّاعة وهم أحياء ) ).
(أَنَّهُ قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ) أي ابن مسعودٍ رضي الله عنه (تَعْلَمُ الأَيَّامَ الَّتِي ذَكَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيَّامَ الْهَرْجِ؟ نَحْوَهُ) أي نحو الحديث المذكور (( بين يدي السَّاعة أيَّام الهرج ) )، وقد رواه الطَّبرانيّ من طريق زائدة عن عاصم مقتصرًا على حديث ابن مسعودٍ رضي الله عنه المرفوع دون القصَّة. ووقع عند أحمد وابن ماجه من رواية الحسن البصريّ عن أُسَيد بن المتشمس عن أبي موسى رضي الله عنه في المرفوع زيادة قال رجلٌ يا رسول الله، إنَّا نقتل في العام الواحد من المشركين كذا وكذا، فقال (( ليس بقتلكم المشركين، ولكن يقتل بعضكم بعضًا ) ).
(قَالَ) وفي رواية أبي ذرٍّ (ابْنُ مَسْعُودٍ) رضي الله عنه بالسَّند السَّابق (سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ مِنْ شِرَارِ النَّاسِ مَنْ تُدْرِكُهُمُ السَّاعَةُ وَهُمْ أَحْيَاءٌ) وعند مسلمٍ من حديث ابن مسعودٍ رضي الله عنه أيضًا مرفوعًا (( لا تقوم السَّاعة إلَّا على شرار النَّاس ) ).
قال ابن التِّين هذا إخبارٌ عن أنَّ الكفَّار والمشركين والمنافقين شرار الخلق وهم يومئذٍ أحياء، وقال ابن بطَّال هذا وإن كان لفظه لفظ العموم، فالمراد به الخصوص، ومعناه أنَّ السَّاعة تقومُ في الأكثر والأغلب على شرار النَّاس بدليل قوله صلى الله عليه وسلم (( لا تزال طائفةٌ من أمَّتي على الحقِّ حتَّى تقومَ السَّاعة ) )، فظاهره أنَّها تقومُ أيضًا على قومٍ صالحين.
وتعقَّبه الحافظ العسقلانيّ
ج 29 ص 390
بأنَّه لا يتعيَّن ما قال، فقد جاء ما يؤيِّد العموم المذكور كما ذكر من حديث ابن مسعودٍ رضي الله عنه (( لا تقوم السَّاعة إلَّا على شرار النَّاس ) )عند مسلمٍ، وعنده أيضًا من حديث أبي هريرة رضي الله عنه رفعه (( إنَّ الله يبعث ريحًا من اليمن ألين من الحرير فلا تدع أحدًا في قلبه مثقال ذرَّةٍ من إيمان إلَّا قبضته ) ).
وعنده أيضًا في آخر حديث النَّواس بن سمعان الطَّويل في قصَّة الدَّجال وعيسى ويأجوج ومأجوج (( إذ بعث الله ريحًا طيِّبةً فتقبضُ روح كلِّ مؤمنٍ ومسلم، ويبقى شرارُ النَّاس يتهارجونَ تهارجَ الحُمُر فعليهم تقوم السَّاعة ) ). وقد اختلفوا في المراد بقوله (( يتهارجون ) )فقيل يتسافدون، وقيل يتثاورون، والَّذي يظهر أنَّه هنا بمعنى يتقاتلون أو أعمّ من ذلك، ويؤيِّد حمله على التَّقاتل حديث الباب. وعند مسلمٍ أيضًا (( لا تقوم السَّاعة على أحدٍ يقول لا إله إلَّا الله ) )، والجمع بينه وبين حديث (( لا تزال طائفةٌ ) )الحديث، حمل الغاية فيه على وقتِ هبوب الرِّيح الطَّيبة الَّتي تقبضُ روح كلِّ مؤمنٍ ومسلم فلا يبقى إلَّا الشرار فتهجم السَّاعة عليهم بغنة، والله تعالى أعلم.