7072 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) هكذا وقع غير منسوبٍ في الأصول، وكذا ذكر أبو عليّ الجيانيّ أنَّه وقع هنا وفي (( العتق ) ) [خ¦2552] محمَّد غير منسوبٍ عن عبد الرَّزاق، وجزم الحاكم بأنَّه محمَّد بن يحيى الذُّهليّ.
وقال الحافظ العَسقلانيّ يحتمل أن يكون هو محمَّد بن رافع، فإنَّ مسلمًا أخرجَ هذا الحديث عن محمَّد بن رافع عن عبد الرَّزاق، وتعقَّبه العينيُّ فقال هذا الاحتمال بعيدٌ، فإنَّ إخراج مسلم عن محمَّد بن رافع عن عبد الرَّزاق لا يستلزمُ إخراج البخاريّ.
لذلك قال (حَدَّثَنَا) ويروى (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) هو أبو بكر بن همَّام بن نافع الصَّنعانيّ أحد الأعلام (عَنْ مَعْمَرٍ) هو ابنُ راشد (عَنْ هَمَّامٍ) بفتح الهاء وتشديد الميم بعدها ألف فميم، ابن منبِّه، أنَّه قال (سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أنَّه (قَالَ لاَ يُشِيرُ أَحَدُكُمْ عَلَى أَخِيهِ بِالسِّلاَحِ) كذا بإثبات الياء في يشير بعد المعجمة على أنَّه نفي بمعنى النَّهي، وفي رواية بإسقاط الياء بلفظ النَّهي، قال الحافظ العَسقلانيّ وكلاهما جائزٌ.
(فَإِنَّهُ) أي الَّذي يشير (لاَ يَدْرِي، لَعَلَّ الشَّيْطَانَ يَنْزِعُ فِي يَدِهِ) بفتح التّحتيّة وكسر الزّاي بعدها غين معجمة، قال الخليل في «العين» نزغ الشَّيطان بين القوم نزغًا حَمَلَ بعضَهم على بعضٍ بالفساد، ومنه قوله تعالى {مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي} [يوسف 100] وفي رواية الكُشميهني بالعين المهملة
ج 29 ص 400
ومعناه قلع، ونزع بالسَّهم رمى به.
ونقل القاضي عياض عن جميع روايات مسلمٍ بالعين المهملة، ومعناه على الأوَّل أنَّه يغري بينهم؛ أي يزّين أن يضربَ أحدهما الآخر بسلاحهِ، فيحقِّق الشَّيطان ضربته له.
وقال ابن التِّين معنى ينزعه _ بالعين المهملة _ يقلعه من يدهِ، فيصيب به الآخر أو يشدُّ يده فيصيبه، وقال النَّوويّ في «شرح مسلم» ضبطناه بالعين المهملة ومعناه يرمِي في يده ويحقِّق ضربته، ومن رواه بالمعجمة فهو من الإغراءِ؛ أي يزّين له تحقيقَ ضربته.
(فَيَقَعُ فِي حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ) هو كنايةٌ عن وقوعهِ في المعصية الَّتي تُفضِي به إلى دخول النَّار، وفي الحديث النَّهي عمَّا يفضِي إلى المحذور وإن لم يكن المحذور محققًا سواء كان ذلك في جدٍّ أو هزل. وقد وقع في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند ابن أبي شيبة وغيره مرفوعًا من رواية ضمرة بن ربيعة عن محمَّد بن عَمرو عن أبي سلمة عنه (( الملائكة تلعن أحدكم إذا أشار إلى الآخر بحديدةٍ وإن كان أخاه لأبيه وأمِّه ) )، وأخرجه التِّرمذيّ من وجهٍ آخر عن أبي هريرة رضي الله عنه موقوفًا من رواية أيُّوب عن ابن سيرين عنه.
وأخرج التِّرمذيّ أصله مرفوعًا من رواية خالد الحذَّاء عن ابن سيرين عنه بلفظ (( من أشار إلى أخيه بحديدةٍ لعنته الملائكة ) )، وقال حسنٌ صحيحٌ غريب، وكذا صحَّحه أبو حاتم من هذا الوجه، وقال في طريق ضمرة منكرٌ، وأخرج التِّرمذيّ بسندٍ صحيحٍ عن جابر رضي الله عنه (( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتعاطى السَّيف مسلولًا ) ). ولأحمد والبزَّار من وجهٍ آخر عن جابر رضي الله عنه (( أنَّ النَّبيّ صلى الله عليه وسلم مرَّ بقومٍ في مجلس يسلّون سيفًا يتعاطونه بينهم غير مغمودٍ، فقال ألم أَزجُر عن هذا؟ إذا سلَّ أحدكُم السَّيف فليغمده ثمَّ ليعطه أخاهُ ) )، ولأحمد والطَّبرانيّ بسندٍ جيِّد عن أبي بَكرة رضي الله عنه نحوه وزاد (( لعنَ الله من فعلَ هذا، إذا سلَّ أحدكُم سيفه فأرادَ أن يناوله أخاه فليغمدْهُ ثمَّ يناوله إيَّاه ) ).
قال ابنُ العربيّ إذا استحقَّ الَّذي يشير بالحديدة اللَّعن، فكيف الَّذي يصيب بها؟ وإنَّما يستحقُّ اللَّعن إذا كانت إشارة تهديدٍ سواء كان جادًّا أم لاعبًا، وإنَّما أوخذ اللَّاعب لما أدخله على أخيه من الرَّوع، ولا يخفى أنَّ إثم الهازل دون إثم الجادّ، وإنَّما نهي عن تعاطي السَّيف مسلولًا لما يخافُ من الغفلة عند التَّناول فيسقط فيؤذي.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة تؤخذ من قوله (( لا يشيرُ أحدكُم على أخيه بالسِّلاح ) )، فإنَّ فيه معنى الحمل عليه، والحديث أخرجه مسلمٌ في (( الأدب ) ).