فهرس الكتاب

الصفحة 105 من 11127

58 - (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمد بن الفضل السَّدوسي _ بفتح السين _ نسبة إلى سدوس اسم قبيلة، البصري المعروف بعارم بالمهملتين، وهو لقب رديء؛ لأن العارم الشرير المفسد، وكان رحمه الله بعيدًا عنه، لكن لزمه هذا اللقب فاشتهر به، روى عنه الذهلي وقال كان بعيدًا من العرامة، وقال أبو حاتم إذا حدثك عارم فاختم عليه، سمع ابن المبارك وغيره، وروى عنه البخاري وغيره من الأعلام، وروى عنه مسلم بواسطة والأربعة كذلك، وقال عبد الرحمن سمعت أبي يقول اختلط أبو النعمان في آخر عمره وزال عقله، فمن سمع منه قبل الاختلاط فسماعه صحيح، مات بالبصرة سنة أربع وعشرين ومائتين.

(قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) بالفتح، واسمه الوضاح اليشكري وقد تقدم [خ¦5] (عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلاَقَةَ) ؛ بكسر العين المهملة وبالقاف، ابن مالك الثعلبي بالثاء المثلثة الكوفي أبو مالك، سمع جريرًا وعمه قطبة بن مالك وغيرهما من الصحابة وغيرهم، وعنه جماعات من التابعين منهم الأعمش وكان يخضب بالسواد. قال يحيى بن معين ثقة، مات سنة خمس وعشرين ومئة.

(قَالَ) ؛ أي أنه قال (سَمِعْتُ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ) ؛ البجلي الأحمسي الصحابي المشهور المتقدم ذكره [خ¦57] .

ومن لطائف هذا الإسناد أن فيه التحديث والعنعنة والسماع، ومنها أن رواته ما بين كوفي وبصري وواسطي، ومنها أنه من رباعيات البخاري، وقد أخرج متنه المؤلف في «الشروط» أيضًا [خ¦2714] ، ومسلم في «الإيمان» ، والنسائي في «البيعة» و «الشروط» .

(يَقُولُ يَوْمَ) ؛ بالنصب على الظرفية أضيف إلى ما بعده أعني قوله (مَاتَ الْمُغِيرَةُ) بضم الميم (بْنُ شُعْبَةَ) ؛ الثقفي الكوفي، أسلم عام الخندق، روي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مئة حديث وستة وثلاثون حديثًا، ذكر البخاري منها عشرة، ومات سنة خمسين بالكوفة واليًا بها من قبل معاوية، واستناب عند موته ولده عروة. وقيل استناب جريرًا، ولذا خطب هذه الخطبة، ثم المسموع من جرير حمد الله والثناء عليه فالتقدير سمعت قول جرير بن عبد الله أو نحوه، فلما حذف هذا وأوقع الفعل على ذات جرير وقع ما بعده تفسيرًا له وهو قوله «يقول» ، وفيه مبالغة ليست في إيقاعه على نفس المسموع.

وقوله (قَامَ) ؛ جملة استئنافية بيان وشرح للكيفية، (فَحَمِدَ اللَّهَ) ؛ وصفه بالتحلي بالكمال عقيب القيام (وَأَثْنَى عَلَيْهِ) وصفه بالتخلي عن النقائص، فالأُولى إشارة إلى الصفات الوجودية، والثانية

ج 1 ص 403

إشارة إلى الصفات السلبية.

(وَقَالَ عَلَيْكُمْ بِاتِّقَاءِ اللَّهِ) أي الزموه (وَحْدَهُ) أي حال كونه واحدًا لكن لا من جهة العدد، بل من حيث إنه (لاَ شَرِيكَ لَهُ) في الألوهية ولوازمها (وَالْوَقَارِ) أي وعليكم بالوقار؛ أي الرَّزانة (وَالسَّكِينَةِ) أي السكون وقد أشار بقوله (( عليكم باتقاء الله ) )إلى ما يتعلق بمصالح الدين، وبقوله (( والوقار والسكينة ) )إلى ما يتعلق بمصالح الدنيا، وإنما نصحهم بالحلم والسكون؛ لأن الغالب أن وفاة الأمراء تؤدي إلى الاضطراب والفتنة والهرج والمرج بين الناس لا سيما أهل الكوفة إذ ذاك، فإنهم كانوا في غاية من مخالفة ولاة الأمور، وأما ذكر الاتقاء؛ فلأنه ملاك الأمر كله ورأس كل خير.

(حَتَّى يَأْتِيَكُمْ أَمِيرٌ) ؛ بدل أميركم المغيرة المتوفى، ومفهوم الغاية هنا وهو أن المأمور به وهو الاتقاء والحلم والسكون ينتهي بمجيء الأمير ليس مرادًا، بل يلزم ذلك عند مجيء الأمير بطريق الأولى أن شرط اعتبار مفهوم المخالفة أن لا يعارضه مفهوم الموافقة [1] عند القائلين به.

(فَإِنَّمَا يَأْتِيكُمُ الآنَ) ؛ يحتمل أن يراد به حقيقته، فيكون ذلك الأمير جريرًا بنفسه كما روي أن المغيرة استخلف جريرًا على الكوفة عند موته، ويحتمل أن يراد به المدة القريبة من الآن، وذلك لأن معاوية لما بلغه موت المغيرة كتب إلى نائبه على البصرة وهو زياد أن يسير إلى الكوفة أميرًا عليها.

(ثُمَّ قَالَ) أي جرير (اسْتَعْفُوا) بالعين المهملة؛ أي اسألوا الله العفو (لأَمِيرِكُمْ) المغيرة (فَإِنَّهُ كَانَ يُحِبُّ الْعَفْوَ) والصفح عن ذنوب الناس؛ لأن الجزاء من جنس العمل ويعامل بالشخص كما يعامل بالناس، وفي المثل السائر كما تدين تدان، وقيل كما تكيل تكال، وقال ابن بطال (جعل الوسيلة إلى عفو الله بالدعاء بأغلب خلال الخير عليه وما كان يحبه في حياته وكذلك يجزي كل أحد يوم القيامة بأحسن أخلاقه وأعماله) ، وفي رواية (( استغفروا لأميركم ) )بالغين المعجمة.

(ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ) ؛ أي أما بعد كلامي هذا (فَإِنِّي أَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قُلْتُ) بدل من قوله «أتيت» فلذلك ترك العاطف حيث لم يقل «وقلت» أو استئناف، وفي رواية ، (أُبَايِعُكَ عَلَى الإِسْلاَمِ فَشَرَطَ) صلى الله عليه وسلم (عَلَيَّ) بتشديد الياء والمفعول محذوف تقديره فشرط علي الإسلام.

(وَالنُّصْحِ) ؛

ج 1 ص 404

بالجر عطفًا على الإسلام المذكور، وبالنصب عطفًا على المقدر؛ أي شرط على الإسلام والنصح، (لِكُلِّ مُسْلِمٍ) ؛ وفيه أن البيعة سُنَّة، وفيه دليل على كمال شفقة الرسول لأمته عليه الصلاة والسلام.

(فَبَايَعْتُهُ عَلَى هَذَا) ؛ المذكور من الإسلام والنُّصح، (وَرَبِّ هَذَا الْمَسْجِدِ) ؛ أي مسجد الكوفة إنْ كان خطبته هذا ثمَّه أو المسجد الحرام، ويؤيده ما في رواية الطبراني بلفظ (( ورب الكعبة ) )وذكر ذلك؛ للتنبيه على شرف المقسم به ليكون أدعى إلى القبول.

(إِنِّي لَنَاصِحٌ لَكُمْ) ؛ جواب القسم مؤكدًا بـ «إنّ» واللام والجملة الاسمية، وفيه إشارة إلى أنه وفا بما بايع به النبي صلى الله عليه وسلم، وأن كلامه صادق خالص عن الأغراض الفاسدة (ثُمَّ اسْتَغْفَرَ) الله تعالى (وَنَزَلَ) عن المنبر، أو قعد من قيامه؛ لأنه خطب قائمًا كما مر.

هذا وقد ختم المؤلف رحمه الله كتاب الإيمان بباب النصيحة مشيرًا إلى أنه عمل بمقتضاه في الإرشاد إلى العمل بالحديث الصحيح دون السقيم، ثم ختمه بخطبة جرير المتضمنة لشرح حاله في تصنيفه فأومأ بقوله «فإنما يأتيكم الآن» إلى وجوب التمسك بالشرائع حتى يأتي من يقيمها إذ لا تزال طائفة منصورة وهم فقهاء أصحاب الحديث، وبقوله «استعفوا لأميركم إلى طلب الدعاء له لعمله الفاضل» ، ثم بقوله «استغفر ونزل» فأشعر بختم الباب، ثم عقبه بكتاب العلم لما دل عليه حديث النصيحة أن معظمها يقع بالتعلم والتعليم.

[1] في هامش الأصل ومفهوم الموافقة ما كان حكم المسكوت عنه موافقًا لحكم المنطوق كمفهوم تحريم الضرب للوالدين من تنصيص تحريم التأفيف لهما، ومفهوم المخالفة ما كان حكم المسكوت عنه مخالفًا لحكم المنطوق كفهم نفي الزكاة عن المعلوفة بتنصيصه عليه السلام على وجوب الزكاة في الغنم السائمة. منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت