656 - (وَحَدَّثَنَا) بواو العطف هكذا في رواية أبي ذرٍّ وحده، وفي رواية الباقين (ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هو سعيد بن محمَّد بن الحكم بن أبي مريم المصري، وذكره صاحب «الأطراف» بلفظ (( وزاد ابن أبي مريم ) ). وقال أبو نُعيم في «المستخرج» ذكره البخاري بلا رواية، يعني معلَّقًا. وقال الحافظ العسقلاني وهو الصَّواب، وله نظائر في الكتاب في رواية يحيى بن أيُّوب؛ لأنَّه ليس على شرطه في الأصول. وقال صاحب «التَّلويح» والذي رأيت في كثيرٍ من نسخ «صحيح البخاري» .
(أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) الغافقيُّ البصري (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (حُمَيْدٌ) الطَّويلُ (عن أَنَسٍ) كذا في رواية أبي ذرٍّ وحده، وأمَّا في رواية الباقين فبلفظ وكذا ذكره أبو نُعيم فأُمِن من تدليس حُمَيد.
(أَنَّ بَنِي سَلِمَةَ) بكسر اللام (أَرَادُوا أَنْ يَتَحَوَّلُوا عَنْ مَنَازِلِهِمْ فَيَنْزِلُوا) منزلًا (قَرِيبًا مِنَ النَّبِيِّ) أي من مسجده (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وذلك لأنَّ ديارهم كانت بعيدة من المسجد، وقد صرَّح بذلك
ج 4 ص 135
في رواية مسلم من طريق أبي الزُّبير قال سمعتُ جابر بن عبد الله يقول كانت ديارنا بعيدة من المسجد، فأردنا أن نبتاعَ بيوتًا فنقرب من المسجد، فنهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال (( إنَّ لكم بكلِّ خطوةٍ درجة ) ).
وفي «مسند السَّرَّاج» من طريق أبي نضرة عن جابر أرادوا أن يتقرَّبوا من أجل الصَّلاة. ولابن مردويه من طريق أخرى عن أبي نَضْرة عنه قال كانت منازلنا بسلعٍ. ولا يعارض هذا ما سيأتي في «الاستسقاء» من حديث أنس رضي الله عنه «وما بيننا وبين سلع من دار» [خ¦1013] ؛ لاحتمال أن تكون ديارهم كانت من وراء سلع، وبين سلع والمسجد قدر ميل.
(فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ) وفي رواية أبي ذرٍّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُعْرُوا) بضم الياء وسكون المهملة وضم الراء (المَدِينَةَ) وفي رواية الكُشميهنيِّ أي يتركوها عراء؛ أي فضاء خاليًا، يقال أعراه، إذا أخلاه، والعراءُ الأرض الخالية، قال تعالى {فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ} [الصافات 145] أي بموضع خالٍ.
قال ابنُ سِيْدَه هو المكان الذي لا يُستَترُ فيه بشيء، وقيل الأرض الواسعة، وجمعه أعراء.
وفي «الغريبين» الممدودُ [1] هو المتَّسعُ من الأرض، قيل له ذلك؛ لأنَّه لا شجر فيه ولا شيء يغطِّيه، والمقصورُ الناحية، ووجه كراهة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه أراد أن تبقى جهات المدينة عامرة بساكينها، وأن يستفيدوا بذلك كثرة الأجر لكثرة الخُطا في المشي إلى المسجد، كما يدلُّ عليه قوله (فَقَالَ أَلاَ تَحْتَسِبُونَ آثَارَكُمْ) أي ألا تعدُّون خطاكم عند مشيكم إلى المسجد وتطلبون ثوابها، وزاد في رواية الفزاري التي في الحجِّ (( فأقاموا ) ) [خ¦1887] ، وللتِّرمذي من حديث أبي سعيد (( فلم ينتقلوا ) )، ولمسلم من طريق أبي نضرة عن جابر فقالوا (( ما يسرُّنا أن كنَّا تحوَّلنا ) ).
(قَالَ مُجَاهِدٌ خُطَاهُمْ آثَارُ المَشْي فِي الأَرْضِ بِأَرْجُلِهِمْ) كذا في رواية أبي ذرٍّ، وفي رواية الباقين وهكذا وصله عبد بن حميد من طريق ابن أبي نَجيح عنه. قال في قوله تعالى {وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا} قال أعمالهم، وفي قوله {وَآَثَارَهُمْ} قال خطاهم، وزاد قتادة فقال لو كان الله عزَّ وجلَّ مُغْفِلًا من شأنك يا ابن آدم اغفلَ ما تعفي الرِّياح من هذه الآثار، ولكن أحْصَى على ابن آدم أثره وعملُه كله حتَّى أحصى عليه هذا الأثر فيما هو من طاعة الله، أو من معصيته، فمن استطاع منكم أن يكتب أثره في طاعة الله فليفعل.
وأشار المؤلِّف رحمه الله بهذا التَّعليق إلى أنَّ قصَّة بني سلِمة كانت سبب نزول هذه الآية، وقد ورد مصرَّحًا به
ج 4 ص 136
من طريق سِمَاك، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما. أخرجه ابن ماجه وإسناده قويٌّ، وكذا ابن أبي حاتم، لكن قال الحافظ ابن كثير وفيه غرابة من حيث ذكر نزول هذه الآية، إذ السُّورة بكمالها مكيَّة.
قال أبو حيَّان السُّورة كلُّها مكيَّة، لكن زعمت فرقة أن قوله {وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ} نزلت في بني سلِمة من الأنصار، وليس زعمًا صحيحًا، انتهى. لكن يرجَّح الأوَّل بقوَّة إسناده.
ومن فوائد الحديث حصول كثرة الأجر لكثرة الخُطا في المشي إلى المسجد، وسُئل أبو عبد الله بن لبابة عن الذي يدعُ مسجده ويصلِّي في المسجد الجامع للفضل في كثرة النَّاس قال لا يدع مسجدَه، وإنَّما فضل المسجد الجامع في الجمعة فقط.
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أنَّه كان يتجاوز المساجد المُحْدَثة إلى المساجد القديمة، وفعله مجاهد وأبو وائل، وأمَّا الحسنُ فسئل أيدعُ الرَّجل مسجد قومه ويأتي غيره فقال كانوا يحبُّون أن يكثِّر الرجل قومه بنفسه.
وقال القرطبيُّ وهذه الأحاديث تدلُّ على أن البعد في المشي أفضل، فلو كان بجوار المسجد فهل له أن يجاوزه للأبعد؟ كرهه الحسنُ، قال وهو مذهبنا، وفي تخطِّي مسجده إلى المسجد الأعظم قولان، واختلف فيمن كانت داره قريبة من المسجد فقارب الخُطا بحيث تساوي خُطا مَن دارُه بعيدة هل يساويه في الفضل أو لا؟ وإلى المساواة جنح الطَّبري.
وروى ابنُ أبي شيبة من طريق أنس قال مشيتُ مع زيد بن ثابت إلى المسجد، فقارب بين الخُطا وقال أردت أن يكثر خطانا إلى المسجد، ولكنَّه لا يلزم منه المساواة في الفضل وإن دلَّ على أنَّ كثرة الخُطا فضيلة؛ لأنَّ ثواب الخُطا الشاقَّة ليس كثواب الخطا السَّهلة، وهو ظاهر حديث أبي موسى الماضي قبل باب [خ¦651] حيث جعل أبعدهم ممشًا أعظمهم أجرًا.
واستنبط بعضهم من الحديث استحباب قصد المسجد البعيد، ولو كان بجنبه مسجد قريب، وإنَّما يتمُّ ذلك إذا لم يلزم من ذهابه إلى البعيد هجر القريب، وإلَّا فإحياؤه بذكر الله أولى، ثمَّ إذا كان إمام القريب مبتدعًا أو لحَّانًا في القراءة أو قومه يكرهونه، فله أن يتركه ويذهب إلى البعيد، وليس في رواحه إليه هجر القريب.
ومن فوائد الحديث أنَّ أعمال البرِّ إذا كانت خالصة تكتب آثارها حسنات.
ومنها استحباب السُّكنى بقرب المسجد إلَّا لمن حصلت له منفعة أخرى، أو أراد تكثير الأجر بكثرة المشي ما لم يكلِّف نفسه، ووجهه أنَّهم طلبوا السُّكنى بقرب المسجد للفضل الذي عَلِموه، فما أنكرَ النَّبي صلى الله عليه وسلم ذلك، بل رجَّح دَرْأ المفسدة بإخلائهم جوانب المدينة على المصلحةِ المذكورة، وأعلمهم بأنَّ لهم في التردُّد إلى المسجد من الفضلِ ما يقوم مقام السُّكنى بقرب المسجد أو يزيد عليه.
ج 4 ص 137
[1] الممدود أي العراء، وسيأتي المقصور العرا بعد سطر.