فهرس الكتاب

الصفحة 10511 من 11127

7087 - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) أبو رجاء البلخيّ، قال (حَدَّثَنَا حَاتِمٌ) بالحاء المهملة وبعد الألف فوقيّة مكسورة، هو ابن إسماعيل الكوفيّ نزيل المدينة (عَنْ يَزِيدَ) من الزِّيادة، هو ابنُ أبي عُبيد بضمِّ العين مصغَّرًا كذا في نسخة، وفي أخرى ، ويؤيِّده ما في رواية القعنبيّ عن حاتِم (( أخبرنا ابن أبي عبيد ) )أخرجها أبو نُعيم وهو مولى سلمة بن الأكوع.

(عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ) الأسلميّ وقد كلَّمه الذئب (أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى الْحَجَّاجِ) هو ابن يوسف الثَّقفيّ الأمير المشهور، وكان ذلك لمَّا وَلِيَ الحجَّاج إمرةَ الحجاز بعد قتل ابن الزُّبير فسار من مكَّة إلى المدينة وذلك في سنة أربع وسبعين، وقيل إنَّ سلمة مات في آخر خلافة معاوية سنة ستين ولم يدرك زمن إمارة الحجَّاج، والله تعالى أعلم.

(فَقَالَ) له (يَا ابْنَ الأَكْوَعِ، ارْتَدَدْتَ عَلَى عَقِبَيْكَ) بلفظ التثنية، وهو مجازٌ عن الارتداد (تَعَرَّبْتَ) بالعين المهملة والرّاء؛ أي تكلَّفت في صيرورتك أعرابيًّا يريد أنَّك رجعت في الهجرة الَّتي فعلتها لوجه الله تعالى بخروجك من المدينة فتستحقُّ القتل، وكان من رجع بعد الهجرة إلى موضعه بغير عذرٍ يجعلونه كالمرتدِّ.

وكأنَّه أشار بهذا إلى ما جاء من حديث ابن مسعودٍ رضي الله عنه، أخرجه النَّسائيّ مرفوعًا (( لعن الله آكل الرِّبا أو مؤكله ) )الحديث، وفيه (( والمرتدُّ بعد هجرته أعرابيًّا ) )، وقيل وكان ذلك من جفاء الحجَّاج حيث خاطب هذا الصَّحابيّ الجليل بهذا الخطاب القبيح من قبل أن يستكشفَ عن عذره، ويقال إنَّه أراد قتله فبيَّن الجهة الَّتي تريد أن يجعلَه مستحقًّا للقتل بها، وقد أخرج الطَّبرانيّ من حديث جابر بن سَمُرة رفعه (( لعنَ الله من بدا بعد هجرته إلَّا في فتنةٍ، فإنَّ البدو خيرٌ من المقام في الفتنة ) ).

(قَالَ) أي ابن الأكوع مجيبًا للحجَّاج (لاَ) أي لم أسكن البادية رجوعًا عن هجرتي (وَلَكِنَّ) بالتَّشديد (رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَذِنَ لِي) في الإقامة (فِي الْبَدْوِ) وفي رواية حمَّاد بن مسعدة عن يزيد بن أبي عبيد عن سلمة (( أنَّه استأذنَ رسول الله صلى الله عليه وسلم في البداوة فأذن له ) )، أخرجه الإسماعيليّ، وفي لفظ له (( استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ).

وقد وقع لسلمة في ذلك قصَّة أخرى مع غير الحجَّاج فأخرج أحمدُ من طريق سعد بن إياس بن سلمة أنَّ أباه حدَّثه قال (( قدم سعدٌ المدينة فلقيه بريدة الحصيب، فقال ارتددت عن هجرتك؟ فقال معاذ الله أنّي في إذنٍ من رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعته يقول (( ابدوا يا أسلم ) )؛ أي القبيلة المشهورة الَّتي منها سلمة وأبو برزة وبُريدة المذكور، قالوا إنَّا نخاف أن يقدحَ ذلك في هجرتنا، قال أنتم مهاجرون حيث كنتم )) .

وله شاهدٌ من رواية عَمرو بن عبد الرَّحمن بن جرهد قال سمعت رجلًا يقول لجابرٍ من بقي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال أنس بن مالك وسلمة بن الأكوع، فقال رجلٌ أما سلمة فقد ارتدَّ عن هجرته، فقال لا تقل ذلك، فإنِّي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأسلم (( أبدوا ) )فقالوا إنَّا نخاف أن نرتدَّ بعد هجرتنا، قال (( أنتم مهاجرون حيث كنتم ) )وسند كلُّ واحدٍ منهما حسنٌ.

(وَعَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ) مولى سلمة بالسَّند السَّابق، أنَّه (قَالَ لَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ) رضي الله عنه (خَرَجَ سَلَمَةُ بْنُ الأَكْوَعِ) رضي الله عنه من المدينة (إِلَى الرَّبَذَةِ) بفتح الرَّاء والموحَّدة والمعجمة، موضعٌ بالبادية بين مكَّة والمدينة، قاله الحافظ العَسقلانيّ.

وقال العينيُّ الرَّبذة هي الَّتي جعلها عمر رضي الله عنه لإبل الصَّدقة، وهي بالقربُ من المدينة على ثلاث مراحل منها قريبة من ذات عرق.

(وَتَزَوَّجَ هُنَاكَ امْرَأَةً، وَوَلَدَتْ لَهُ أَوْلاَدًا، فَلَمْ يَزَلْ بِهَا) أي بالرَّبذة، وفي رواية الكُشميهني (حَتَّى قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِلَيَالٍ، فَنَزَلَ الْمَدِينَةَ) وفي رواية المستملي والسَّرخسيّ كذلك بالفاء، وفي رواية غيرهما بلا فاء، وفي رواية . وعلى الرِّواية الأولى فيه حذف بعد (( حتَّى ) )، وقبل قوله (( قَبْل ) )، وهي مقدرةٌ وهو استعمال صحيحٌ، وهذا يشعرُ بأنَّ سلمة لم يمت بالبادية كما جزمَ به يحيى بن عبد الوهَّاب بن مندهْ في الجزء الَّذي جمعه في آخر من مات من الصَّحابة، بل مات بالمدينة كما يقتضيهِ رواية يزيد بن أبي عبيد هذه، وبذلك جزمَ أبو عبد الله بن مندهْ في «معرفة الصَّحابة» .

ويستفاد منه أنَّ مدَّة سكنى سلمة بالبادية نحو الأربعين سنةً؛ لأنَّ قتل عثمان رضي الله عنه كان في ذي الحجَّة سنة خمسٍ وثلاثين، وموت سلمة سنة أربع وسبعين على الصَّحيح كما سيأتي، وفي الحديث ردٌّ على من أرّخ وفاة سلمة سنة أربع وستِّين فإنَّ ذلك كان في آخر خلافة يزيد بن معاوية، ولم يكن الحجَّاج يومئذٍ أميرًا ولا ذا أمرٍ ولا نهي، وكذا فيه ردٌّ على الهيثم بن عدي حيث زعم أنَّه مات في آخر خلافة معاوية وهو أشدُّ غلطًا من الأوّل إن أراد معاوية بن أبي سفيان، وإن أراد معاوية بن يزيد بن معاوية فهو عين القول الَّذي قبله.

وقد مشى الكرمانيّ على ظاهره فقال مات سنة ستِّين وهي السّنة الَّتي فيها، فيها معاوية بن أبي سفيان كذا جزم به، والصَّواب خلافه، وقد اعترضَ الذَّهبيّ على من زعم أنَّه عاش ثمانين سنةً ومات سنة أربع وسبعين؛ لأنَّه يلزم منه أن يكون له في الحديبية اثنتا عشرة وهو باطلٌ؛ لأنَّه ثبت أنَّه قاتل يومئذ وبائع.

قال الحافظ العَسقلانيّ وهو اعتراضٌ متَّجه، لكن ينبغي أن ينصرفَ إلى سنة وفاته لا إلى مبلغ عمره، فلا يلزم منه رجحان قول من قال مات سنة أربعٍ وستِّين فإنَّ حديث جابرٍ رضي الله عنه يدلُّ على أنَّه تأخَّر عنها، لقوله لم يبق من الصَّحابة إلَّا أنس وسلمة، وذلك لائقٌ بسنة أربع وسبعين، وقد عاش جابر بن عبد الله بعد ذلك إلى سنة سبع وسبعين على الصَّحيح، وقيل مات في الَّتي بعدها، وقيل قبل ذلك، والله تعالى أعلم.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ، وقد أخرجه مسلمٌ في (( المغازي ) )، والنَّسائيّ في (( البيعة ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت