فهرس الكتاب
7088 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنيسيّ الكَلاعيّ الحافظ، قال (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ) عمرو بن زيد الأنصاريّ المازنيّ (عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن أبي صعصعة (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) أنَّه (أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُوشِكُ) بكسر الشّين المعجمة وفتحها، قال الجوهريّ لغة رديَّة؛ أي يَقرُب.
(أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ) نكرةٌ موصوفة مرفوعة على الأشهر في الرِّواية، اسم يكونً مؤخَّر، وخيرَ مال خبرٌ مقدَّم، وفائدة تقديم الخبر الاهتمام؛ إذ المطلوب حينئذٍ الاعتزال، وليس الكلام في الغنم فلذا أخَّرها (يَتْبَعُ بِهَا) بسكون الفوقيّة؛ أي يتبع بالغنم (شَعَفَ الْجِبَالِ) بفتح الشّين المعجمة والعين المهملة وبالفاء، جمع شعفة، كأَكَم وأَكَمَة رؤوس الجبال للمرعى فيها والماء، ولا سيَّما في بلاد الحجاز.
ووقع عند بعض رواة «الموطأ» بضمّ أوّله وفتح ثانيه وبالموحّدة جمع شعبة، وهي ما انفرجَ بين الجبلين ولم يختلفوا في أنَّ الشّين معجمة، ووقع في رواية غير مالكٍ كالأوّل لكن السّين مهملة، وهو بمعنى رأس الجبال وأعلاها.
(وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ) بفتح القاف؛ أي المطر ومواقع جمع موقع اسم مكانٍ، وأراد بها الأودية والبراري موضع العشب والكلأ حال كونه (يَفِرُّ بِدِينِهِ) بسبب دينه (مِنَ الْفِتَنِ) وقال الكرمانيّ هذه الجملة حاليَّة وذو الحال الضَّمير المستتر في يتبع، أو المسلم إذا جوّزنا الحال من المضاف إليه فقد وجد شرطه، وهو شدَّة الملابسة، فكأنَّه جزءٌ منه، ويجوز أن تكون استئنافية، وفي الحديث دلالةٌ على فضيلة العزلة لمن خاف على دينه.
وقد اختلف السَّلف في أصل العزلة فقال الجمهور الاختلاط أولى لما فيه من اكتساب الفوائد الدِّينيّة للقيام بشعائر الإسلام كالجمعة والجماعات وغيرهما وتكثير سواد المسلمين وإيصالِ أنواع الخير إليهم من إعانةٍ وإغاثةٍ وعبادة وغير ذلك.
وقال قومٌ العزلة أولى لتحقُّق السَّلامة بشرط معرفة ما يتعيَّن، وقال النَّوويّ المختار تفضيل المخالطة لمن لا يغلبُ على ظنِّه أنَّه يقع في معصيةٍ، فإن أشكل الأمر فالعزلة أولى، وقال غيره يختلف باختلاف الأشخاص، فمنهم من يتحتَّم عليه أحد الأمرين، ومنهم من يترجَّح، وليس الكلام فيه بل إذا تساويا فيختلف باختلاف الأحوال، فإن تعارضا اختلف باختلاف الأوقات فمّمن يتحتَّم عليه المخالطة مَن كانت له قدرةٌ على إزالةِ المنكر، فيجب عليه إمَّا عينًا وإمَّا كفايةً بحسب الحال والإمكان، وممَّن يترجَّح من يغلب على ظنِّه أنَّه يسلم في نفسه إذا قام في الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، وممَّن يستوي من يأمن على نفسه ولكنَّه يتحقَّق أنَّه لا يطاع، وهذا حيث لا يكون هناك فتنةٌ عامَّة، فإن وقعت الفتنة ترجَّحت العزلة لما ينشأ فيها غالبًا من الوقوع في المحذور مع العقوبة بأصحاب الفتنة، فتعمُّ من ليس من أهلها، كما قال تعالى {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً} [الأنفال 25] .
ويؤيِّده التَّفصيل المذكور حديث أبي سعيدٍ رضي الله عنه أيضًا (( خير النَّاس رجلٌ جاهد بنفسه وماله، ورجلٌ في شعب من الشِّعاب يعبد ربَّه ويدع النَّاس من شرِّه ) )، والله تعالى أعلم.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة تؤخذ من آخر الحديث.
وقد مضى الحديث في (( الإيمان ) )في (( باب من الدِّين الفرار من الفتن ) ) [خ¦19] ، وفي (( باب العزلة ) )من (( كتاب الرّقاق ) ) [خ¦6495] . وأخرجه مسلمٌ في (( المغازي ) )، والنَّسائيّ في (( البيعة ) ).