فهرس الكتاب
7109 - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) المدينيّ، قال (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو ابنُ عيينة، قال (حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ) هو ابنُ موسى وكنيته (أَبُو مُوسَى) وهو ممَّن وافقت كنيته اسم أبيه، وهو بصريٌّ كان يسافر في التِّجارة إلى الهند وأقام بها مدَّة، قال سفيان (وَلَقِيتُهُ بِالْكُوفَةِ) والجملة حاليّة (جَاءَ) وفي رواية أبي ذرٍّ (إِلَى ابْنِ شُبْرُمَةَ) بضمّ المعجمة والرّاء بينهما موحّدة ساكنة، هو عبد الله قاضي الكوفة في خلافة أبي جعفر المنصور، ومات في زمنه سنة أربعٍ وأربعين ومائة، وكان صارمًا عفيفًا ثقة فقيهًا (فَقَالَ) له (أَدْخِلْنِي عَلَى عِيسَى) هو ابنُ موسى بن محمَّد بن عليّ بن عبد الله بن عبَّاس ابن أخي المنصور وكان أميرًا على الكوفة إذ ذاك (فَأَعِظَهُ) بفتح الهمزة وكسر العين المهملة ونصب الظّاء المعجمة المشالة، من الوعظ (فَكَأَنَّ) بالهمزة وتشديد النون (ابْنَ شُبْرُمَةَ خَافَ عَلَيْهِ) أي على إسرائيل (فَلَمْ يَفْعَلْ) أي فلم يدخله على عيسى بن موسى، ولعلَّ سبب خوفه عليه أنَّه كان صادعًا بالحقِّ فخشي أنَّه لا يتلطَّف بعيسى فيبطش به لما عنده من حدَّة الشَّباب وعزَّة المُلك، وفيه دَلالةٌ على أنَّ من خاف على نفسه سقط عنه الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر.
(قَالَ) إسرائيل (حَدَّثَنَا الْحَسَنُ) البصريّ (قَالَ لَمَّا سَارَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما إِلَى مُعَاوِيَةَ) أي ابن أبي سفيان (بِالْكَتَائِبِ) بفتح الكاف والمثنّاة الفوقيّة وبالهمزة المكسورة بعدها موحّدة، جمع كتيبة بوزن عظيمة، فعيلة بمعنى مفعولة، من الجيش تجمع، وسُمِّيت بذلك؛ لأنَّ الأمير إذا رتّبهم وجعل كلُّ طائفةٍ على حدَّة كتبهم في ديوانه، وكان ذلك بعد قتل عليٍّ رضي الله عنه واستخلاف الحسن.
وعند الطَّبريّ بسندٍ صحيحٍ عن يونس بن زيد عن الزُّهريّ أنَّ عليًّا جعل على مقدّمة أهل العراق قيس بن سعد بن عبادة وكانوا أربعين ألفًا بايعوه على الموت، فلمَّا قتل علي
ج 29 ص 441
بايعوا الحسن ابنه بالخلافة، وكان لا يحبُّ القتال، ولكن كان يريد أن يشترطَ على معاوية لنفسه، فعرفَ أنَّ قيسَ بن سعدٍ لا يوافقه على الصُّلح، فنزعَه وأمر عبيدَ الله بن عبَّاس فاشترطَ لنفسه، كما اشترطَ الحسن.
وعند الطَّبريّ بعث الحسن قيس بن سعد على مقدمته في اثني عشر ألفًا من الأربعين فسار قيس إلى جهة الشَّام، وكان معاوية لما بلغه قتل عليٍّ خرج في عساكرهِ من الشَّام، وخرج الحسنُ بن علي حتَّى نزل المدائن.
وقال الحسن البصريّ كان عليٌّ رضي الله عنه لما انقضى أمر التَّحكيم ورجع إلى الكوفة تجهَّز لقتال أهل الشَّام مرةً بعد أخرى فشغله أمرُ الخوارج بالنَّهروان، وذلك في سنة ثمان وثلاثين ثمَّ تجهز في سنة تسعٍ وثلاثين.
وأخرج إسحاق من طريق عبد العزيز بن سِياه _ بكسر المهملة وتخفيف التّحتيّة _، قال لمَّا خرج الخوارج قام عليٌّ فقال أتسيرون إلى الشَّام أو ترجعون إلى هؤلاء خلفوكم في دياركم، قالوا بل نرجع إليهم فذكر قصَّة الخوارج، قال فرجع عليٌّ إلى الكوفة، فلمَّا قُتل واستُخلفَ الحسن وصالح معاوية كتبَ إلى قيس بن سعد بذلك فرجعَ عن قتال معاوية.
وقال ابن بطَّال ذكر أهلُ العلم بالأخبار أنَّ عليًّا رضي الله عنه لمَّا قُتل سارَ معاوية يريد العراق وسار الحسنُ يريد الشَّام فالتقيا بمنزلٍ من أرض الكوفة، فنظرَ الحسنُ إلى كثرة من معه فنادى يا معاوية، إنِّي اخترتُ ما عند الله، فإن يكن هذا الأمر لك، فلا ينبغي لي أن أنازعك فيه، وإن يكن لي فقد تركته لك، فكبَّر أصحابُ معاوية.
وقال المغيرة عند ذلك أشهدُ أنِّي سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (( إنَّ ابني هذا سيِّد ) )الحديث، وقال في آخره (( فجزاك الله عن المسلمين خيرًا ) ). انتهى.
قال الحافظ العَسقلانيّ وفي صحَّة هذا نظر من أوجه
الأوَّل أنَّ المحفوظ أنَّ معاوية هو الَّذي بدأ بطلبِ الصُّلح كما في حديث الباب.
الثَّاني أنَّ الحسن ومعاوية لم يتلاقيا بالعسكرين حتَّى يمكن أن يخاطبا، وإنَّما تراسلا، فيحمل قوله فنادى يا معاوية، على المراسلة، ويجمع بأنَّ الحسن راسل معاوية بذلك سرًّا فراسله معاوية جهرًا، والمحفوظ أنَّ كلام الحسن الأخير إنَّما وقعَ بعد الصُّلح والاجتماع كما أخرجه سعيدُ بن منصور والبيهقيُّ في «الدَّلائل»
ج 29 ص 442
من طريقه، ومن طريقٍ غيره بسندهما إلى الشَّعبيّ قال لمَّا صالحَ الحسنُ بن علي معاوية، قال له معاوية قم فتكلَّم فحمدَ الله وأثنى عليه، ثمَّ قال أمَّا بعد فإنَّ أكيس الكيس التُّقَى، وإنَّ أعجز العجز الفجور، ألا وإنَّ هذا الأمر الَّذي اختلفت فيه أنا ومعاوية حقٌّ لامرئ كان أحقَّ به منِّي، أو حقٌّ لي تركته لإرادة إصلاح المسلمين وحقنِ دمائهم، وإن أدري لعلَّه فتنةٌ لكم ومتاع إلى حين، ثمَّ استغفر ونزل.
وأخرج يعقوبُ بن سفيان ومن طريقه البيهقيّ أيضًا في «الدّلائل» من طريق الزُّهريّ فذكر القصَّة وفيها فخطب معاويةُ ثمَّ قال قم يا حسن، فكلِّم النَّاس، فتشهد ثمَّ قال أيُّها النَّاس، إنَّ الله هداكم بأوّلنا وحقنَ دمائكم بآخرنا، وإنَّ هذا الأمر مدَّة، والدُّنيا دُوَل، وذكر بقيَّة الحديث.
والثَّالث أنَّ الحديث لأبي بَكرة لا للمغيرة، فإنَّ الجمع ممكنٌ بأن يكون المغيرة حدَّث به عندما سمع مراسلة الحسن بالصُّلح، وحدَّث به أبو بكرة بعد ذلك، وقد روى أصل الحديث جابر أخرجه الطَّبرانيّ والبيهقيّ في «الدَّلائل» من فوائد يحيى بن معين بسندٍ صحيح إلى جابر.
وأورده الضِّياء في (( الأحاديث المختارة ) )ممَّا ليس في (( الصَّحيحين ) )، وقال ابن بطَّال سلّم الحسن الأمر لمعاوية، وبايعه على إقامة كتاب الله وسنَّة نبيِّه، ودخل معاوية الكوفة وبايعه النَّاس فسمِّيت سَنَةَ الجماعة لاجتماع النَّاس وانقطاع الحرب، وبايع معاوية كلَّ من كان معتزلًا للقتال كابن عمر وسعد بن أبي وقَّاص ومحمَّد بن مسلمة، وأجاز معاوية الحسن بثلاثمائة ألفٍ، وألف ثوب، وثلاثين عبدًا، ومائة جمل، وانصرف إلى المدينة وولَّى معاويةُ الكوفة المغيرةَ بن شعبة، والبصرةَ عبد الله بن عامر، ورجع إلى دمشق.
(قَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ لِمُعَاوِيَةَ أَرَى كَتِيبَةً لاَ تُوَلِّي) بتشديد اللّام المكسورة؛ أي لا تُدْبِرُ (حَتَّى تُدْبِرَ أُخْرَاهَا) أي الَّتي تقابلها وهي الَّتي لخصومهم، ونسبها إليها لتشاركهما في المحاربة، أو الكتيبة الأخيرة الَّتي لأنفسهم ومن ورائهم؛ أي لا ينهزمون؛ إذ عند الانهزام يرجعُ الآخر أوّلًا، قاله الكرمانيّ.
وفي «المصابيح» تدبر فعل مضارع مبنيٌّ للفاعل من الإدبار؛ أي حتَّى يجعلَ آخرها من مقدّمها دبرًا لها؛ أي يخلفها ويقومُ مقامها، وقال الحافظُ العَسقلانيّ ويحتمل أن يكون (( تدبر ) )من دَبُر
ج 29 ص 443
يَدبُر بفتح أوّله وضمّ الموحّدة؛ أي يقوم مقامها، يقال دبرته إذا قمت بعده، وقد تقدَّم في الصُّلح إنِّي لأرى كتائب لا تولّي حتَّى تقتلَ أقرانها، وهي أبينُ.
وقال القاضي عياض هي الصَّواب ومقتضاه أنَّ الأخرى خطأ، وليس كذلك بل توجيهها ما تقدَّم.
(قَالَ مُعَاوِيَةُ) لعَمرو (مَنْ لِذَرَارِيِّ الْمُسْلِمِينَ) بالذّال المعجمة وتشديد التّحتيّة؛ أي من يكفلهم إن قُتل آبائهم، وزاد في الصّلح (( فقال له معاوية وكان والله خيرًا لرجلين يعني معاوية؛ أي عَمرو إن قَتل هؤلاء هؤلاء، وهؤلاء هؤلاء، من لي بأمور النَّاس من لي بنسائهم من لي بضيعتهم؟ ) )يشير إلى أنَّ رجال العسكرين معظم من في الإقليمين، فإذا قُتلوا ضاع أمر النَّاس وفسدَ حال أهلهم بعدهم وذراريهم، والمراد بقوله ضيعتهم الأطفال والضُّعفاء سمُّوا باسم ما يؤولُ إليه أمرهم؛ لأنَّهم لو تُركوا ضاعوا لعدم استقلالهم بأمرِ المعاش. وفي رواية الحُميدي عن سفيان في هذه القصَّة (( من لي بأمورهِم؟ من لي بدمائهم؟ من لي بنسائهم ) ).
وأمَّا قوله هنا (فَقَالَ أَنَا) أي أكفلهم، فظاهره يوهم أنَّ المجيب بذلك عَمرو بن العاص، قال الحافظ العَسقلانيّ ولم أر في طريق الحديث ما يدلُّ على ذلك، فإن كانت محفوظة فلعلَّها كانت فقال أنَّى _ بتشديد النّون المفتوحة _ قالها عمرو على سبيل الاستبعاد.
وأخرج عبد الرَّزاق في «مصنّفه» عن مَعمر عن الزُّهريّ قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عَمرو بن العاص في بعث ذات السَّلاسل، فذكر أخبارًا كثيرةً من التَّاريخ إلى أن قال وكان قيس بن سعد بن عبادة على مقدّمة الحسن بن عليّ، فأرسل إليه معاوية سجلًّا قد ختمَ في أسفله، فقال اكتب فيه ما تريد فهو لك، فقال له عَمرو بن العاص بل نقاتله فقال معاوية وكان خير الرَّجلين على رسلك يابا عبد الله لا تَخلُص إلى قتل هؤلاء حتَّى يُقتل عددهم من أهل الشَّام، فما خير الحياة بعد ذلك؟ وإنِّي والله لا أقاتل حتَّى لا أجد في القتال بدًّا.
(فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ) واسم جدِّه كريز العبشميّ (وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ) وكلاهما من قريش من بني عبد شمس (نَلْقَاهُ) أي نجد معاوية (فَنَقُولُ لَهُ الصُّلْحَ) أي نحن نطلب الصُّلح؛ أي يشير إليه بالصُّلح، وهذا ظاهره أنَّهما بدأا بذلك، والَّذي تقدَّم في (( كتاب الصلح ) ) [خ¦2704] أنَّ معاوية
ج 29 ص 444
هو الَّذي بعثهما، فيمكن الجمع بأنَّهما عرضا أنفسهما فوافقهما، فقال معاوية اذهبا إلى هذا الرَّجل فاعرضا عليه؛ أي ما شاء من المال وقولا له؛ أي في حقن دماء المسلمين بالصُّلح، واطلبا منه خلعَه نفسَه من الخلافة وتسليمَ الأمر لمعاوية، وابذلا له في مقابلة ذلك ما شاء.
قال فقال الحسن بن عليّ إنَّا بنو عبد المطَّلب قد أصبنا من هذا المال، وإنَّ هذه الأمَّة قد عاثت في دمائها، قالا فإنَّه يعرض عليك كذا وكذا، ويطلبُ إليك ويسألك قال فمن لي بهذا؟ قالا نحن لك به، فما سألهما شيئًا إلَّا قالا نحن لك به فصالحه.
قال ابن بطَّال هذا يدلُّ على أنَّ معاوية كان هو الرَّاغب في الصُّلح، وأنَّه عرضَ على الحسن المال ورغّبه فيه وحثَّه على رفع السَّيف، وذكّره ما وعدَه به جدُّه صلى الله عليه وسلم من سيادته في الإصلاح به، فقال له الحسن إنا بنو عبد المطَّلب أصبنا من هذا المال؛ أي إنَّما جبلنا على الكرم والتَّوسعة على أتباعنا من الأهل والموالي، وكنَّا نتمكَّن من ذلك بالخلاقة حتَّى صارَ ذلك لنا عادة.
وقوله إنَّ هذه الأمَّة؛ أي العسكرين الشَّاميّ والعراقيّ قد عاثت _ بالمثلّثة _؛ أي قتل بعض بعضًا ولا يكفّون عن ذلك إلَّا بالصَّفح عمَّا مضى منهم والتَّآلف بالمال، وأراد الحسن بذلك كلِّه تسكين الفتنة وتفرقة المال على من لا يرضيه إلَّا المال فوافقاه على ما شرطَ من جميع ذلك، والتزما له من المال في كلِّ عام والثِّياب والأقوات ما يحتاج إليه لكلِّ من ذكره.
وقوله (( من لي بهذا ) )؛ أي من يضمنُ لي الوفاء من معاوية فقال نحن نضمنُ لأنَّ معاوية كان فوّض لهما ذلك، ويحتمل أن يكون قوله (( أصبنا من هذا المال ) )؛ أي فرقنا منه في حياة عليٍّ وبعده ما رأينا في ذلك صلاحًا، فنبَّه على ذلك خشية أن يرجعَ بما يصرف فيه.
وفي رواية إسماعيل بن راشد عند الطَّبريّ (( فبعث إليه معاوية عبد الله بن عامر وعبد الله بن سمرة بن حبيب ) )، كذا قال عبد الله، وكذا وقع عند الطَّبرانيّ، والَّذي في الصَّحيح أصحُّ ولعلَّ عبد الله كان مع أخيه عبد الرَّحمن قال فقدما على الحسنِ بالمدائن فأعطياه ما أرادَ وصالحاه على أن يأخذَ من بيت مال الكوفة خمسة آلاف ألف في أشياء اشترطها.
وأخرج ابن أبي خيثمة من طريق عبد الله بن شوذب قال لمَّا قتل عليٌّ سار الحسن بن عليّ في أهل العراق
ج 29 ص 445
ومعاوية في أهل الشَّام فالتقوا فكره الحسن القتال، وبايع معاوية على أن يجعلَ العهد للحسن من بعده، فكان أصحاب الحسن يقولون له يا عار المؤمنين، فيقول العار خيرٌ من النَّار.
(قَالَ الْحَسَنُ) هو البصريّ، وهو موصولٌ بالسَّند السَّابق (وَلَقَدْ سَمِعْتُ أَبَا بَكْرَةَ) نفيعًا رضي الله عنه (قَالَ بَيْنَا) بغير ميم (النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ، جَاءَ الْحَسَنُ) وقع في رواية عليّ بن زيد عن الحسن في «الدَّلائل» للبيهقيّ (( يخطب أصحابه يومًا إذ جاء الحسن بن عليّ فصعد إليه المنبر ) ). وفي رواية عبد الله بن محمَّد (( رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر والحسن بن علي إلى جنبه وهو يقبل على النَّاس مرةً وعليه أخرى ) )، وفي رواية ابن أبي عمر عن سفيان (( وهو يلتفت إلى النَّاس مرةً وإليه أخرى ) ).
(فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ) وفي رواية عبد الله بن محمَّد (( إنَّ ابني هذا سيّد ) )، وفي رواية مبارك بن فضالة (( رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضمَّ الحسن بن عليّ إليه وقال إنَّ ابني هذا سيّد ) ). وفي رواية عليّ بن زيد (( فضمَّه إليه وقال ألا إنَّ ابني هذا سيّد ) )، وفيه إطلاق الابن على ابن البنت.
(وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) طائفة الحسن وطائفة معاوية رضي الله عنهما واستعمل (( لعلَّ ) )استعمال (( عسى ) )لاشتراكهما في الرَّجاء، والأشهر في خبر (( لعلَّ ) )بغير (( أن ) )كقوله تعالى {لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ} [الطلاق 1] ، وزاد عبد الله بن محمَّد في روايته (( عظيمتين ) )، وأخرج البيهقيّ من طريق أشعث بن عبد الملك عن الحسن كالأوَّل لكن قال (( وإنِّي أرجو أن يصلحَ الله به ) ).
وفي هذه القصَّة من الفوائد أنَّ السِّيادة إنَّما يستحقُّها من ينتفع به النَّاس لكونه علق السِّيادة بالإصلاح، وأنَّ فيه عَلَمًا من أعلام النُّبوّة ومنقبة للحسن بن عليٍّ رضي الله عنهما؛ لأنَّه تركَ الخلافة لا لقلَّة ولا لذلَّةٍ ولا لعلةٍ، بل لرغبته فيما عند الله، لما رآه من حقنِ دماء المسلمين، فراعى أمر الدِّين ومصلحة الأمة.
وفيها ردٌّ على الخوارج الَّذين كانوا يكفرون عليًّا ومن معه ومعاوية ومن معه بشهادة النَّبيّ صلى الله عليه وسلم للطَّائفتين بأنَّهم من المسلمين.
وفيها فضيلة الإصلاح بين النَّاس، ولا سيَّما في حقن دماء المسلمين، ودَلالة على رأفة معاوية بالرَّعيّة وشفقته على المسلمين وقوَّة نظره في تدبيرِ المُلك ونظره في العواقب.
ج 29 ص 446
وفيها ولاية المفضول الخلافة مع وجودِ الأفضل؛ لأنَّ الحسن ومعاوية وَلِيَ كلٌّ منهما الخلافة وسعد بن أبي وقَّاص وسعيد بن زيد في الحياة، وهما بدريَّان، قاله ابن التِّين.
وفيها جواز خلع الخليفة نفسه إذا رأى في ذلك صلاحًا للمسلمين، والنُّزول عن الوظائف الدِّينية والدُّنيوية بالمال، وجواز أخذِ المال على ذلك وإعطائه بعد استيفاء شرائطه بأن يكون المنزول له أولى من النَّازل [1] ، وأن يكون المبذول من مالِ الباذل، فإن كان في ولاية عامَّة وكان المبذول من بيت المال اشترط أن يكون المصلحة في ذلك عامَّة أشار إلى ذلك ابن بطَّال، قال يشترط أن يكون لكلِّ من الباذل والمبذول له سببٌ في الولاية يستند إليه، وعقد من الأمور يعوّل عليه.
واستدلَّ به على تصويب رأي من قعد عن القتال مع معاوية وعلي رضي الله عنهما، وإن كان عليٌّ أحق بالخلافة وأقرب إلى الحقِّ، وهو قول سعد بن أبي وقَّاص وابن عُمر ومحمَّد بن مسلمة وسائر من اعتزل تلك الحروب، وذهب جمهورُ أهل السُّنة إلى تصويبِ من قاتل مع علي لامتثال قوله تعالى {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا} [الحجرات 9] الآية، ففيها الأمر بقتال الفئة الباغية.
وقد ثبت أنَّ من قاتل عليًّا كانوا بغاة، وهؤلاء مع هذا التَّصويب متَّفقون على أنَّه لا يذمّ أحد من هؤلاء بل يقولون اجتهدوا فأخطؤوا، وذهب طائفةٌ قليلةٌ من أهل السُّنة وهو قولُ كثير من المعتزلة إلى أنَّ كلًّا من الطَّائفتين مصيبٌ، وطائفة إلى أنَّ المصيبَ طائفة لا بعينها.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ، وحديث الحسن سبق في (( الصُّلح ) )بأتمَّ من هذا [خ¦2704] .
[1] في هامش الأصل في نسخة بأن يكون المبذول له أولى من الباذل.