7118 - (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافع، قال (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) ابن شهاب، أنَّه قال (قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ) المخزوميّ أحد الأعلام الأثبات الفقهاء الكبار (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه(أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لاَ تَقُومُ
ج 29 ص 459
السَّاعَةُ حَتَّى تَخْرُجَ نَارٌ مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ)أي تنفجر من أرض الحجاز (تُضِيءُ أَعْنَاقَ الإِبِلِ بِبُصْرَى) بضمّ الموحّدة وفتح الرّاء مقصورًا، ونصب (( أعناق ) )على أنَّه مفعول (( تضيء ) )على أنَّه متعدٍّ، والفاعل (( النَّار ) )؛ أي تجعل في أعناق الإبل ضوءًا، قال أبو البقاء ولو روي بالرَّفع لكان متجهًا؛ أي تضيء أعناقُ الإبل بها، كما جاء في حديثٍ آخر (( أضاءت له قصور الشَّام ) )وبصرى مدينة معروفة بالشَّام وهي مدينة حوران بينها وبين دمشق نحو ثلاث مراحل.
وفي «كامل ابن عدي» من طريق عمر بن سعيد التَّنوخيّ عن ابن شهاب عن أبي بكر بن محمَّد بن عَمرو بن حزم عن أبيه عن عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه رفعه (( لا تقوم السَّاعة حتَّى يسيلَ وادٍ من أودية الحجاز بالنَّار يضيء له أعناق الإبل ببصرى ) ). قال الحافظ العَسقلانيّ وعمر ذكره ابن حبَّان في «الثّقات» وليَّنه ابن عديّ والدَّارقطنيّ.
وهذا ينطبقُ على النَّار المذكورة الَّتي ظهرت بالمدينة في المائة السَّابعة.
وتقدمتها كما قال القطب القسطلاني في كتابه «حمل الإيجاز في الإعجاز بنار الحجاز» زلزلة اضطرب النَّاقلون في تحقيق اليوم الَّذي ابتدأت فيه، فالأكثر أنَّ ابتداءها كان يوم الأحد مستهل جمادى الآخرة في سنة أربعٍ وخمسين وستمائة، وقيل ابتدأت ثالث الشَّهر، وجُمِعَ بأنَّ القائل بالأول قال كانت خفيفة إلى ليلة الثُّلاثاء بيومها ثمَّ ظهرت ظهورًا اشترك فيه الخاص والعام واشتدَّت حركتها وعظمت رجفتها وارتجَّت الأرض بمن عليها، وعجَّت الأصوات لبارئها ودامت حركة بعد حركة حتَّى أيقنَ أهل المدينة بالهلكة، وزلزلوا زلزالًا شديدًا، فلمَّا كان يوم الجمعة نصف النَّهار ثار في الجوّ دخانٌ متراكمٌ، أمرُه متفاقمٌ، ثمَّ شاع شعاع النَّار وعلا حتَّى غشّى الأبصار.
وقال القرطبي في «تذكرته» خرجت نار بالحجاز بالمدينة وكان بدؤها زلزلة عظيمة ليلة الأربعاء بعد العتمة ثالث جمادى الآخرة سنة سبع وخمسين وستمائة واستمرَّت إلى ضحى النَّهار يوم الجمعة فسكنت وظهرت النَّار بقريظة بطرف الحرَّة عند قاع التَّنعيم ترى في صورة البلد العظيم عليها سور محيط بها عليه شراريف كشراريف الحصون، وأبراج وموادين ويرى رجال يقودونها، لا تمرّ على جبل إلَّا دكته وأذابته، ويخرج من مجموع ذلك نهر أحمر وأزرق له دوي كدويّ الرَّعد تأخذ الصُّخور والجبال بين يديه وينتهي إلى محطّ الركب العراقي، واجتمع
ج 29 ص 460
من ذلك ردمٌ صار كالجبل العظيم، فانتهت النَّار إلى قرب المدينة، ومع ذلك فكان يأتي المدينةَ ببركة النَّبيّ صلى الله عليه وسلم نسيمٌ بارد، وشوهد لهذه النَّار غليان كغليان البحر، وانتهت إلى قريةٍ من قرى اليمن فأحرقتها.
قال العينيُّ وقال بعض أصحابنا رأيتها صاعدةً في الهواء من نحو خمسة أيام من المدينة وسمعت أنَّها أريت من مكَّة ومن جبال بصرى، وقال النَّوويّ تواتر العلم بخروج هذه النَّار عند جميع أهل الشَّام.
وقال أبو شامة في «ذيل الروضتين» وردت كتبٌ من المدينة فيها أنَّه ظهر نارٌ بالمدينة انفجرت من الأرض وسالَ منها وادٍ من نار حتَّى حاذى جبل أحد. وفي بعض الكتب سال منها وادٍ يكون مقداره أربعة فراسخ وعرضه أربعة أميال تجري على وجه الأرض يخرجُ منه مهاد وجبال صغار، وفي بعضها طولها إلى أن رأوا من مكَّة وفي بعضها ظهر في أوَّل جمعة في جمادى الآخرة في شرقيّ المدينة نارٌ عظيمةٌ بينها وبين المدينة نصف يومٍ.
وفي «حمل الإيجاز» وحكى لي جمعٌ ممَّن حضر أنَّ النُّفوس سكرت من حلول الوجل، وفنيت من ارتقاب الأجل، وثجّ المجاورون في الجُؤار بالاستغفار، وعزموا على الإقلاع عن الإصرار، والتَّوبة عمَّا اجترحوا من الأوزار، وفزعوا إلى الصَّدقة بالأموال، فصرفت عنهم النَّار ذات اليمين وذات الشِّمال، وظهر حُسْنُ بركة نبيِّنا صلى الله عليه وسلم في أمَّته ويُمْنُ طلعتهِ في رفقه بعد فرقته، فقد ظهر أنَّ النَّار المذكورة في حديث الباب هي النَّار الَّتي ظهرت بنواحي المدينة كما فهمَه القرطبيُّ وغيره، ويبقى النَّظر هل هي من داخل كالتَّنفس، أو من خارج كصاعقة نزلت، والظَّاهر الأوَّل، ولعلَّ التَّنفس حصل من الأرض لمَّا تزلزلت وتزايلت عن مركزها الأوَّل وتخلخلتْ.
وقد تضمَّن الحديث في ذكر النَّار ثلاثة أمورٍ خروجها من الحجاز، وسيلان وادٍ منه بالنَّار وقد وجدا، وأمَّا الثَّالث وهو إضاءة أعناق الإبل ببصرى، فقد جاء من أخبر به فإذا ثبتَ هذا فقد صحَّت الأمارات وتمَّت العلامات، وإن لم يثبت فيحمل إضاءة أعناق الإبل ببصرى على المبالغة، وذلك في لغة العرب شائعٌ [1] . وفي باب التَّشبيه في البلاغة بالغ، وللعرب في التَّصرف في المجاز ما يقتضي للغتها السَّبق في الإعجاز، وعلى هذا يكون القصد بذلك التَّعظيم لشأنها والتَّفخيم لمكانها والتَّحذير من فورانها وغليانها، وقد وجد ذلك على وفق ما أخبر، وقد جاء من أخبر أنَّه أبصرها من تيماء وبصرى على مثل ما هي
ج 29 ص 461
من المدينة في البعد فتعيَّن أنَّها المراد وارتفع الشَّكّ والعناد، وأمَّا النَّار الَّتي تحشر النَّاس فنارٌ أخرى.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ، وهو من أفراده.
[1] في هامش الأصل في نسخة سائغ.