7135 - (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافعٍ، قال (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) ابن شهابٍ (ح) تحويلٌ من سندٍ إلى آخر، قال البخاريُّ (وَحَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) هو ابن أبي أويسٍ عبد الله الأصبحيُّ، قال (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَخِي) هو أبو بكر عبد الحميد (عَنْ سُلَيْمَانَ) هو ابن بلالٍ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَتِيقٍ) هو محمّد بن عبد الله بن أبي عتيقٍ، محمّد بن عبد الرَّحمن بن أبي بكرة نسب لجدِّه (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريّ.
وهذا السَّند كلُّه مدنيُّون وهو أنزل من الَّذي قبله بدرجتين، ويقال إنَّه أطول سند في البخاريِّ فإنَّه تُساعِيٌّ كما ستعرف.
(عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ زَيْنَبَ ابْنَةَ) وفي رواية أبي ذرٍّ (أَبِي سَلَمَةَ حَدَّثَتْهُ، عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ) رملة (بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ) صخر بن حربٍ زوج النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم (عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ) وفي رواية أبي ذرٍّ أيضًا (جَحْشٍ) الأسديَّة أمِّ المؤمنين رضي الله عنها، وقد ذكر في أوائل (( الفتن ) ) [خ¦7059] الاختلاف على سفيان بن عُيينة في زيادة حبيبة بنت أمِّ حبيبة في الإسناد (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَيْهَا يَوْمًا فَزِعًا) بفتح الفاء وكسر الزَّاي خائفًا، وفي رواية ابن عيينة (( استيقظ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم
ج 29 ص 495
من النَّوم محمرًّا وجهه )) .
يقول فيجمع بأنَّه دخل عليها بعد أن استيقظ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم فزعًا، وكانت حمرة وجهه من ذلك الفزع، وجمع بينهما في رواية سليمان بن كثيرٍ عن الزُّهريّ عند أبي عوانة، فقال فزعًا محمرًّا وجهه.
(يَقُولُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ) خصَّ العرب بالذِّكر؛ لأنَّهم كانوا حينئذٍ معظم من أسلم، وإنَّ الفتن إذا وقعت كان الإهلاكُ إليهم أسرعُ، والمراد بالشَّرِّ ما وقع بعده من قتل عثمان رضي الله عنه، ثمَّ توالت الفتن حتَّى صارت العرب بين الأمم كالقصعة بين الأكلة كما وقع في الحديث لآخرٍ (( يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلةُ على القصعة ) ). وإنَّ المخاطب بذلك العرب.
قال القرطبيُّ ويحتمل أن يكون المراد بالشَّرِّ ما أشار إليه في حديث أمِّ سلمة رضي الله عنها (( ماذا أنزل اللَّيلة من الفتن، وماذا أنزلَ من الخزائن؟ ) )فأشار بذلك إلى الفتوح الَّتي فتحت بعده فكثرت الأموال في أيديهم فوقع التَّنافس الَّذي جرَّ الفتن، وكذا التَّنافس على الإمرة فإنَّ معظم ما أنكروه على عثمان رضي الله عنه توليته أقاربه من بني أميَّة وغيرهم، حتَّى أفضى ذلك إلى قتلهِ وترتَّب على قتله، من القتال بين المسلمين ما اشتهرَ واستمرَّ.
وقال الكرمانيُّ وخصَّ العرب بالذِّكر؛ لأنَّ شرَّهم بالنِّسبة إليها أكثر، كما وقعَ ببغداد من قتلهم الخليفة، انتهى.
وتعقَّبه العينيُّ بأنَّه لم يَقتل الخليفةَ العربُ، وإنَّما قتله هلاون من أولاد جنكيز خان، والخليفة هو المستعصم بالله، وكان قتله في سنة ستٍّ وخمسين وستمائة.
(فُتِحَ الْيَوْمَ) بضمّ الفاء (مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ) المراد بالرَّدم السَّدُّ الَّذي بناه ذو القرنين بزبر الحديد وهو القطعة منه كاللَّبنة، ويقال إن كلَّ لبنةٍ زنة قنطار بالدِّمشقي أو تزيد عليه. وقوله (مِثْلُ هَذِهِ) بالرّفع (وَحَلَّقَ بِإِصْبَعَيْهِ الإِبْهَامِ وَالَّتِي تَلِيهَا) أي جعلها مثل الحلقة، وقد تقدَّم في رواية سفيان بن عيينة (( وعقد سفيان تسعين أو مائة ) )، وفي رواية سليمان بن كثيرٍ عن الزُّهريّ عند أبي عَوَانة وابن مردويه مثل هذه (( وعقد تسعين ) )ولم يعيّن الَّذي عقد أيضًا. وفي رواية مسلم عن عَمرو النَّاقد عن ابن عيينة (( وعقد سفيان عشرة ) )، ولابن حبَّان من طريق شريح بن يونس عن سفيان (( وحلق بيده عشرةً ) )ولم يعيّن أنَّ الَّذي حلّق هو سفيان، وأخرجه من طريق يونس عن الزُّهريّ بدون ذكر العقد، وكذا تقدَّم في علامات النُّبوّة من رواية شعيب وفي ترجمة ذي القرنين من طريق عقيل.
وسيأتي في الحديث الَّذي بعده (( وعقد وهيبٍ تسعين ) )، وهو عند مسلم أيضًا. قال القاضي عياض وغيره
ج 29 ص 496
هذه الرِّوايات متَّفقةٌ إلَّا قوله (( عشرة ) ).
وقال الحافظ العسقلانيُّ وكذا الشَّكُّ في المائة، لأنَّ صفاتها عند أهل المعرفة بعقد الحساب مختلفةٌ، وإن اتَّفقت في أنَّها تشبه الحلقة، فعقد العشرة أن يجعلَ طرف السَّبَّابة اليمنى في باطن طيِّ عقدة الإبهام العليا، وعقد التِّسعين أن يجعلَ طرف السَّبابة اليمنى في أصلها ويضمُّها ضمًّا محكمًا بحيث تنطوي عقدتاها حتَّى تصير مثل الحيَّة المطوّقة.
ونقل ابن التِّين عن الدَّاوديّ أنَّ صورته أن يجعلَ ظهر السَّبّابة في وسط الإبهام، ورده ابن التَّين بما تقدَّم فإنَّه المعروف، وعقد المئة مثل عقد التَّسعين لكن بالخنصر اليسرى، فعلى هذا فالتُّسعون والمئة متقاربان، ولذلك وقع فيهما الشَّكُّ، وأمَّا العشرة فمغايرة لهما.
قال القاضي عياض لعلَّ حديث أبي هريرة يعني الآتي [خ¦7136] متقدِّم، فزاد الفتح بعده القدر المذكور في حديث زينب.
وقال الحافظ العسقلانيُّ وفيه نظرٌ لأنَّه لو كان الوصف المذكور من أصل الرِّواية لاتَّجه ولكن الاختلاف فيه من الرُّواة عن سفيان بن عيينة، ورواية من روى عنه تسعين أو مائة أتقن وأكثر من رواية من روى عشرة، وإذا اتَّحد مخرج الحديث ولا سيَّما في أواخر الإسناد بَعُدَ الحمل على التَّعدد جدًا.
قال ابن العربيِّ في الإشارة المذكورة دلالةٌ على أنَّه صلى الله عليه وسلم كان يعلم عقد الحساب حتَّى أشار بذلك لمن يعرفه، وليس في ذلك ما يعارض قوله في الحديث الآخر (( إنَّا أمَّة لا نحسب ولا نكتب ) )فإنَّ هذا إنَّما جاء لبيان صورةٍ معينة خاصَّة.
وقال الحافظ العسقلانيُّ والأولى أن يقال المراد بنفي الحساب ما يتعاطاه أهل صناعته من الجمع والفذلكة والضَّرب ونحو ذلك. ومن ثمَّة قال ولا نكتب، وأمَّا عقد الحساب، فإنَّه اصطلاحٌ للعرب تواضعوه بينهم ليستغنوا به عن التَّلفظ، وكان أكثر استعمالهم له عند المساومة في البيع فيضع أحدهما يده في يد الآخر فيفهمان المراد من غير تلفُّظٍ لقصد ستر ذلك عن غيرهما ممَّن يحضرهما، فشبَّه صلى الله عليه وسلم قدر ما فتح من السَّدِّ بصفةٍ معروفةٍ عندهم.
قال الحافظ العسقلانيُّ وقد أكثر الشُّعراء التَّشبيه بهذه العقود، ومن ظريفَ ما وقفت عليه من النُّظم في ذلك قول بعض الأدباء
~ رُبَّ بُرْغُوثٍ لَيْلَةَ بِتُّ مِنْهُ وَفُؤَادِي فِي قَبْضَةِ التِّسْعِينَ
~ أَسَرَتْهُ يَدُ الثَّلَاثِينَ حَتَّى ذَاقَ طَعْمَ الْحَمَامِ فِي السَّبْعِينَ
ج 29 ص 497
وعقد الثَّلاثين أن يضمَّ طرف الإبهام إلى طرف السَّبّابة مثل من يمسك شيئًا لطيفًا كالإبرة وكذلك البرغوث، وعقد السَّبعين أن يجعلَ طرف ظفر الإبهام بين عقدتي السَّبابة من باطنها، ويلوي طرف السَّبّابة عليها مثل ناقد الدّينار عند النَّقد.
وقد جاء في خبرٍ معروفٍ أن يأجوجَ ومأجوج يحفرون السَّدَّ كلَّ يومٍ وهو فيما أخرجَه التَّرمذيّ، وحسنَّه وابن حبَّان والحاكم وصحَّحاه من طريق قتادة عن أبي رافعٍ عن أبي هريرة رضي الله عنه رفعه (( في السَّدِّ يحفرونه كل يوم، حتَّى إذا كادوا يخرقونه قال الَّذي عليهم ارجعوا فستخرقونه غدًا فيعيدُه الله كأشدَّ ما كان، حتَّى إذا بلغ مدَّتهم وأراد الله أن يبعثَهم على النَّاس، قال الَّذي عليهم ارجعوا فستخرقونه غدًا إن شاء الله تعالى _ واستثنى _ قال فيرجعون فيجدونهُ كهيئته حين تركوه فيخرقونَه فيخرجون على النَّاس ) ). وأخرجه التِّرمذي والحاكم من رواية أبي عوانة وعبد بن حميدٍ من رواية حمّاد بن سلمة وابن حبَّان من رواية سليمان التَّيميّ كلهم عن قَتادة ورجاله رجال الصَّحيح إلَّا أنَّ قتادة مدلّسٌ.
وقد رواه بعضهم عنه فأدخل بينهما واسطة أخرجه ابن مردويه، لكن وقع التَّصريح في رواية سليمان التَّيميّ عن قَتادة بأنَّ أبا رافعٍ حدَّثه وهو في «صحيح ابن حبَّان» . وأخرجه ابنُ ماجه من طريق سعيد بن أبي عَرُوبة عن قَتادة قال حدَّث أبو رافع، وله طريقٌ أخرى عن أبي هريرة أخرجه عبد حميد من طريق عاصم عن أبي صالحٍ عنه لكنَّه موقوفٌ.
قال ابن العربيِّ في هذا الحديث ثلاث آياتٍ
الأولى أنَّ الله منعهم أن يوالوا الحفرَ ليلًا ونهارًا.
الثَّانية أن يحاولوا الرُّقيّ على السَّدِّ بسلم أو آلة فلم يلهمهم ذلك، ولا علَّمهم إيَّاه، ويحتمل أن تكون أرضهم لا خشبَ فيها ولا آلات تصلح لذلك.
قال الحافظ العسقلانيُّ وهو مردودٌ فإنَّ في خبرهم عند وهب في «المبتدأ» إنَّ لهم أشجارًا وزروعًا أو غير ذلك من الآلات فالأول أولى. وأخرج ابنُ أبي حاتم وابن مَرْدويه من طريق ابن عَمرو بن أوسٍ عن جدِّه رفعه (( إنَّ يأجوجَ ومأجوج لهم نساءٌ يجامعون ما شاءوا وشجر يلقّحون ما شاءوا ) )الحديث.
الثَّالثة أنَّه منع عن أن يقول إن شاء الله، حتَّى يجيء الوقت
ج 29 ص 498
المحدود. قال الحافظ العسقلانيُّ وفيه أنَّ فيهم أهل صناعات وأهل ولايةٍ وسلاطة ورعيَّة تطيعُ مَن فوقها، وأنَّ فيهم من يعرف الله ويقرُّ بقدرته ومشيئته، ويحتمل أن تكون تلك الكلمةُ تجري على لسان ذلك الوالي من دون أن يعرفَ معناها، فيحصل المقصود ببركتها، وقد أخرج عبدُ بن حميد من طريق كعبِ الأحبار نحو حديث أبي هريرةَ رضي الله عنه وقال فيه فإذا بلغَ الأمر ألقى على بعضِ ألسنتهم نأتي إن شاء الله غدًا فنفرغ منه.
وأخرج ابن مردويه من حديث حُذيفة رضي الله عنه نحو حديث أبي هريرة (( فيصبحون وهو أقوى منه بالأمس حتَّى يُسْلِمَ رجلٌ منهم حين يريدَ الله أن يبلغَ أمره، فيقول المؤمن غدًا نفتحه إن شاء الله، فيصبحون ثمَّ يغدون عليه فيفتح ) )الحديث وسنده ضعيف جدًا.
(قَالَتْ زَيْنَبُ بنَةُ) وفي رواية أبي ذرٍّ (جَحْشٍ) رضي الله عنها هذا يخصِّص رواية سليمان بن كثيرٍ بلفظ قالوا (( أنهلكُ ) )ويعين أنَّ اللَّافظ بهذا السُّؤال هي زينبُ بنت جحشٍ راوية الحديث (فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَنَهْلِكُ) بكسر اللّام، وفي رواية يزيد بن الأصمِّ عن ميمونة بنت جحشٍ، في نحو هذا الحديث (( فرُج اللَّيلة من ردم يأجوج ومأجوج فرجةٌ، قلت يا رسول الله أيعذِّبنا الله ) ) (وَفِينَا الصَّالِحُونَ) كأنَّها أخذت ذلك من قوله تعالى {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ} [الأنفال 33] (قَالَ) صلى الله عليه وسلم (نَعَمْ، إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ) بفتح المعجمة والموحّدة ثم مثلّثة، وفي اليونينيَّة بضمّ ثمَّ سكون، فسَّروه بالزِّنا وبأولاد الزِّنا وبالفسوق والفجور وهو أولى؛ لأنَّه قابله بالصَّلاح.
قال ابن العربيِّ فيه البيان بأنَّ الخيّر يهلك بهلاك الشِّرير إذا لم يغيِّر عليه خُبثه، وكذلك إذا غيّر لكن حيث لا يُجدي، وذلك لأنَّه يصرُّ الشِّرّير على عملهِ السَّيّء ويغشو ذلك ويكثر حتَّى يعمُّ الفساد فيهلك حينئذٍ القليل والكثير، ثمَّ يحشر كلُّ واحدٍ على نيّته، وكأنَّها فهمتْ من فتح القَدْرِ المذكور من الرَّدم أنَّ الأمر إذا تمادى على ذلك اتَّسع الخرقُ بحيث يخرجون، وكانَّ عندها علم أنَّ في خروجهم على النَّاس إهلاكًا عامًّا لهم.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ، وقد مضى الحديث في أوائل (( الفتن ) )، في (( باب ويلٌ للعرب ) ) [خ¦7059] .