فهرس الكتاب
7139 - (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافعٍ، قال (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزةَ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) ابن شهابٍ، أنَّه (قَالَ كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ) بضم الميم وكسر العين بينهما طاء مهملة ساكنة القرشيُّ المدنيُّ، مات بالمدينة زمن عمر بن عبد العزيز، قاله الواقديُّ (يُحَدِّثُ أَنَّهُ بَلَغَ مُعَاوِيَةَ) أي ابن أبي سفيان. قال
ج 29 ص 507
الحافظ العسقلانيُّ لم أقف على اسم الَّذي بلغه.
(وهم) كذا في رواية أبي ذرٍّ عن الحمويي والمستمليِّ، وفي رواية غيرهما ؛ أي والحال أنَّ محمّد بن جُبير، أو هو ومن كان معه من الوفد الَّذين أرسلهم أهل المدينة إلى معاوية رضي الله عنه بالشَّام ليبايعوه، وذلك حين بُويع له بالخلافة؛ لمَّا سلَّم له الحسن بن عليِّ بن أبي طالبٍ رضي الله عنهما. قال الحافظ العسقلانيُّ لم أقف على أسماءِ الوفد.
(عِنْدَهُ) أي عند معاوية (فِي وَفْدٍ مِنْ قُرَيْشٍ) قال ابن التِّين وفد فلانٌ على الأمير؛ أي ورد رسولًا، والوَفْد _ بالسُّكون _ جمع وافدٍ، كصَحْبٍ وصاحب (أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو) أي ابن العاص (يُحَدِّثُ أَنَّهُ) أي الشَّأن (سَيَكُونُ مَلِكٌ مِنْ قَحْطَانَ) وقحطان أبو اليمن. قال الحافظ العسقلانيُّ لم أقف على لفظ حديث عبد الله بن عَمرو بن العاص في ذلك، وهل هو موقوفٌ أو مرفوعٌ، وقد مضى في (( الفتن ) ) [خ¦7117] من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا (( لا تقوم السَّاعة حتَّى يخرجَ رجلٌ من قحطان يسوق النَّاس بعصاه ) )، وأورده في (( باب تغيير الزَّمان حتَّى تُعبدَ الأوثان ) ) [خ¦7117] . وفي ذلك إشارةٌ إلى أنَّ مُلْك القحطانيِّ يقعُ في آخر الزَّمان عند قبضِ أهل الإيمانِ، ورجوعِ كثيرٍ ممَّن يبقى بعدهم إلى عبادة الأوثان، وهم المعبَّر عنهم بشرار النَّاس الَّذين تقوم عليهم السَّاعة.
فإن كان حديث عبد الله بن عَمرو بن العاص مرفوعًا موافقًا؛ لحديث أبي هريرة رضي الله عنه، فلا معنى لإنكاره أصلًا، وإن كان لم يرفعه، وكان فيه قدرٌ زائدٌ يشعر بأنَّ القحطانيَّ يكون في أوائل الإسلام، فمعاوية معذورٌ في إنكاره عليه.
وقال ابن بطَّالٍ سبب إنكارِ معاوية أنَّه حمل حديث عبد الله بن عَمرو على ظاهره، وقد يكون معناه أنَّ قحطانيًّا يخرج في ناحية من النَّواحي، فلا يعارضُ حديث معاوية، والمراد بالأمر في حديث معاوية الخلافةُ، كذا قال.
ونقل عن المهلِّب أنَّه يجوز أن يكون ملكٌ يغلب على النَّاس من غير أن يكون خليفةً، وإنَّما أنكر معاوية خشية أن يظنَّ أحدٌ أنَّ الخلافة تجوز في غير قريش، فلمَّا خطبَ بذلك دلَّ على أنَّ الحكم عندهم كذلك، إذ لم ينقل أنَّ أحدًا منهم أنكر عليه.
قال الحافظ العسقلانيُّ ولا يلزم من عدمِ إنكارهم صحَّةُ إنكار معاوية ما ذكره عبدُ الله بن عمرو. فقد قال ابن التِّين الَّذي أنكره معاوية في حديثه ما يقوِّيه؛ لقوله (( ما أقاموا الدِّين ) )، فربَّما كان فيهم
ج 29 ص 508
من لا يقيمهُ، فيتسلَّط القحطانيُّ عليه، وهو كلامٌ مستقيمٌ.
(فَغَضِبَ) أي معاوية رضي الله عنه (فَقَامَ) خطيبًا (فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ رِجَالًا مِنْكُمْ يُحَدِّثُونَ) وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهنيّ بزيادة فوقيّة بعد التّحتيّة المفتوحة (أَحَادِيثَ) جمع حديثٍ على غير القياس. قال الفرّاء ترى أنَّ واحد الأحاديث أحدوثةٌ، ثمَّ جعلوه جمعًا للحديث، والحديثُ الخبر، يطلقُ على قليلٍ وكثيرٍ (لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَلاَ تُؤْثَرُ) بضمّ أوّله على البناء للمفعول؛ أي ولا تنقل (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) والمراد بكتاب الله القرآنُ، وهو كذلك، فليس فيه تنصيصٌ على أنَّ شخصًا بعينه أو بوصفه يتولَّى الملك في هذه الأمَّة المحمَّديَّة، ولم يصرِّح بذلك معاوية، بل قال (( بلغني أنَّ رجالًا منكم ) )على الإبهام، ومراده عبدُ الله بن عَمرو مراعاةٌ لخاطر أبيه عَمرو بن العاص.
وقوله (( ولا تُوْثِر ) )فيه تقويةٌ لكون عبد الله بن عَمرو لم يرفعه، إذ لو رفعهُ لم يتمَّ نفي معاوية أنَّ ذلك لا يُؤْثَر عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، ولعلَّ أبا هريرة رضي الله عنه لم يحدِّث بالحديث المذكور حينئذٍ، فإنَّه كان يتوقَّى مثل ذلك كثيرًا، وإنَّما يقعُ منه التَّحديث به في حالةٍ دون حالة، وحيث يأمن الإنكار عليه، ويحتمل أن يكون مرادُ معاوية غير عبد الله بن عَمرو، فلا يكون ذلك نصًّا على أنَّ عبد الله بن عَمرو لم يرفعه.
(وَأُولَئِكَ) أي الَّذين يحدِّثون بأمورٍ من أمور الغيبِ لا يستندون فيها إلى الكتاب والسُّنَّة (جُهَّالُكُمْ) بضمّ الميم وتشديد الهاء، جمع جاهلٍ (فَإِيَّاكُمْ وَالأَمَانِيَّ) بالتشديد، ويجوز التَّخفيف؛ أي احذروا الأمانيّ (الَّتِي تُضِلُّ أَهْلَهَا) بضمّ الفوقيّة وكسر الضّاد المعجمة، من الإضلالِ، وأهلها منصوبٌ على المفعوليَّة، وروي بفتح الياء، وأهلها بالرَّفع.
(فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِنَّ هَذَا الأَمْرَ) أي الخلافة (فِي قُرَيْشٍ، لاَ يُعَادِيهِمْ أَحَدٌ إِلاَّ كَبَّهُ اللَّهُ عَلَى وَجْهِهِ) أي ألقاهُ، وفي رواية أبي ذرٍّ أي ألقاه فيها، وهو من الغرائب، إذا أكبَّ لازم، وكبَّ متعدٍّ، عكس المشهور، والمعنى لا ينازعهم أحدٌ في الأمر إلَّا كان مقهورًا في الدُّنيا معذّبًا في الآخرة.
(مَا أَقَامُوا الدِّينَ) أي مدَّة إقامتهم أمور الدِّين، فما
ج 29 ص 509
مصدريَّة، والوقت مقدَّر، وهو متعلِّق بقوله (( كبَّه الله ) ). قيل يحتمل بأن يكون مفهومهُ فإذا لم يقيموهُ لا يُسمع لهم، وقيل يحتمل أن لا يُقام عليهم، وإن كان لا يجوز إبقاؤُهم على ذلك، ذكرهما ابن التِّين، ثمَّ قال وقد أجمعوا أنَّ الخليفة إذا دعا إلى كفرٍ أو بدعةٍ أنَّه يقام عليه، واختلفوا إذا غصبَ الأموال، وسفك الدِّماء، وانتهك الحرم، هل يقامُ عليه أم لا؟ انتهى.
وما ادَّعاه من الإجماعِ على القيام فيما إذا دعا على البدعة مردودٌ، إلَّا إن حمل على بدعةٍ تؤدِّي إلى صريح الكفر، وإلَّا فقد دعا المأمون والمعتصم والواثق إلى بدعةِ القول بخلق القرآن، وعاقبُوا العلماء بسبب ذلك، ودامَ الأمر بضع عشرة سنة، حتَّى ولي المتوكِّل الخلافة، فأبطل المحنةَ، وأمر بإظهار السُّنّة.
وما نقله من الاحتمالِ في قوله (( ما أقاموا الدِّين ) )خلاف ما تدلُّ عليه الأخبار الواردة في ذلك، الدَّالة على العمل بمفهومهِ، وأنَّهم إذا لم يقيموا الدِّين يخرج الأمرُ عنهم. وقد وردَ في «الكتاب الكبير» لمحمَّد بن إسحاق حديثُ أبي بكرٍ الصِّدِّيق رضي الله عنه نحو حديث معاوية حيث ذكر فيه قصَّة سقيفة بني ساعدة، وبيعةِ أبي بكرٍ رضي الله عنه، وفيها فقال أبو بكرٍ (( وإنَّ هذا الأمر في قريش ما أطاعوا الله واستقامُوا على أمره ) )، ومن ثمَّة لمَّا استخفَّ الخلفاء بأمر الدِّين تلاشتْ أحوالهم، بحيث لم يبقَ لهم في الخلافة إلَّا الاسم.
قال الحافظ العسقلانيُّ وقد وقع ذلك في صدر الدَّولة العباسيَّة، ثمَّ التَّهديد بتسليط من يؤذيهم، ثمَّ اشتدَّ الخَطْب، فغلبَ عليهم الدَّيلم، فضايقوهُم في كلِّ شيءٍ حتَّى لم يبقَ للخليفة إلَّا الخطبة، واقتسم المتغلِّبون الممالك في جميع الأقاليم، ثمَّ طرأَ عليهم طائفةٌ بعد طائفةٍ، حتَّى انتزعَ الأمر منهم في جميع الأقطار، ولم يبقَ للخليفة إلَّا مجرَّد الاسم في بعض الأمصار، فلا حول ولا قوَّة إلَّا بالله.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة في آخر الحديث، وقد مضى الحديثُ في (( مناقب قريش ) ) [خ¦3500] .
(تَابَعَهُ) أي تابع شعيبًا (نُعَيْمٌ) هو ابن حمَّادٍ (عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ) عبد الله (عَنْ مَعْمَرٍ) بفتح الميمين بينهما عين مهملة ساكنة، هو ابن راشدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) ابن شهابٍ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرٍ) يعني عن معاوية. وهذه المتابعة وصلها الطَّبرانيُّ في «معجمه الكبير» ، و «الأوسط» مثل رواية شُعيب، إلَّا أنَّه قال بعد قوله (( فغضب فقال سمعتُ ) )، ولم يذكر ما قبل سمعت،
ج 29 ص 510
وقال في روايتهِ (( كُبَّ على وجهه ) )بضمّ الكاف على البناء للمفعول، وإنَّما ذكرها البخاريُّ تقويةً لصحَّة رواية الزُّهريّ عن محمّد بن جُبير حيث قال كان محمّد بن جُبير، فقد قال صالحٌ الملقَّب بجزره لم يقل أحدٌ في روايته عن الزُّهريّ عن محمّد بن جبير، إلَّا ما وقع في رواية نُعيم بن حمّاد عن عبد الله بن المبارك، قال صالح ولا أصلَ له من حديث ابن المبارك، وكان عادة الزُّهريِّ إذا لم يسمع الحديث يقول كان فلانٌ يحدِّث.
وتعقَّبه البيهقيُّ بما أخرجه من طريق يعقوب بن سفيان، عن حجَّاج بن أبي منيع الرُّصافيّ، عن جدِّه، عن الزُّهريّ، عن محمّد بن جبير بن مطعم. وأخرجه الحسن بن رشيقٍ في «فوائده» من طريق عبد الله بن وَهْبٍ، عن ابن لَهيعة، عن عقيل، عن الزُّهريّ، عن محمّد بن جبيرٍ.