فهرس الكتاب

الصفحة 10575 من 11127

7140 - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ يُونُسَ) هو أحمدُ بن عبد الله بن يونس اليربوعيُّ الكوفيّ، قال (حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ) قال (سَمِعْتُ أَبِي) هو محمّدُ بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطَّاب رضي الله عنهما (يَقُولُ قَالَ) أي جدِّي (ابْنُ عُمَرَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ يَزَالُ هَذَا الأَمْرُ) أي الخلافة (فِي قُرَيْشٍ) يلونها (مَا بَقِيَ مِنْهُمُ اثْنَانِ) .

قال النَّوويّ في الحديث أنَّ الخلافة مختصَّة بقريش لا يجوز عقدها لغيرهم، وعلى هذا انعقد الإجماع في زمن الصَّحابة ومن بعدهم، ومن خالفَ في ذلك من أهل البدعِ، فهو محجوجٌ بإجماع الصَّحابة.

قال ابنُ المنيّر وجه الدَّلالة من الحديث ليس من جهةِ تخصيصِ قريش بالذِّكر، فإنَّه يكون مفهوم اللَّقب، ولا حجَّة فيه عند المحقِّقين، وإنَّما الحجَّة وقوع المبتدأ معرّفًا باللَّام الجنسيَّة؛ لأنَّ المبتدأ بالحقيقة هاهنا هو الأمر الواقع صفةً لهذا. وهذا لا يوصف إلَّا بالجنس، فمقتضاه حصر جنس الأمر في قريشٍ، فيصير كأنَّه قال لا أمر إلَّا في قريش، وهو كقوله (( الشَّفعة فيما لم يُقْسَم ) )، والحديث وإن كان بلفظ الخبرِ، فهو بمعنى الأمر كأنَّه قال ائتمُّوا بقريش خاصَّةً.

وقوله (( ما بقيَ منهم اثنان ) )قال ابن هُبيرة يحتمل أن يكون على ظاهره، وأنَّهم لا يبقى منهم في آخر الزَّمان إلَّا اثنان أمير ومؤمَّر عليه، والنَّاس لهم تبعٌ. وفي رواية مسلم عن شيخ البخاريِّ في هذا الحديث (( ما بقيَ من النَّاس اثنان ) ). وفي رواية الإسماعيليِّ (( ما بقي في النَّاس اثنان ) )، وأشار بإصبعه السَّبَّابة والوسطى، وليس المراد حقيقة العدد، وإنَّما المراد به انتفاء أن يكون الأمر في غير قريشٍ، ويحتمل أن يحمل المطلق على

ج 29 ص 511

المقيَّد في الحديث الأوَّل، ويكون التَّقدير لا يزال هذا الأمرُ؛ أي لا يسمَّى بالخليفة إلَّا من يكون من قريش إلَّا أن يسمِّى به أحدٌ من غيرهم غلبةً وقهرًا، ويحتمل أن يكون المراد بقاء الأمر في قريش في بعضِ الأقطار دون بعضٍ، فإنَّ في البلاد اليمنيَّة، وهي النُّجود، منها طائفةٌ من ذريَّة الحسن بن عليٍّ رضي الله عنهما لم تزل مملكة تلكَ البلاد منهم من أواخر المائة الثَّالثة، وأمَّا في الحجاز، فمن ذريَّة الحسن بن عليٍّ رضي الله عنهما، وهم أمراء مكَّة، وأمراء ينبع.

ومن ذريَّة الحسين بن عليٍّ رضي الله عنهما، وهم أمراءُ المدينة، فإنَّهم وإن كانوا من صميم قريش، لكنَّهم تحت حُكم غيرهم من ملوك الدِّيار المصريَّة، فبقي الأمرُ في قريش بقطرٍ من الأقطار في الجملة، وكبير أولئك، يقال له الإمامُ، ولا يتولَّى الإمامة منهم إلَّا أن يكون عالمًا متحريًّا للعدل.

وقال الكرمانيُّ لم يخل الزَّمان عن وجود خليفة من قريشٍ، إذ في المغرب خليفةٌ منهم على ما قيل، وكذا في مصرَ. انتهى.

وقال الحافظ العسقلانيُّ الَّذي في مصر لا شكَّ في كونه قرشيًّا؛ لأنَّه من ذريَّة العبَّاس، والَّذي في صعدة وغيرها من اليمن لا شكَّ في كونه قرشيًّا؛ لأنَّه من ذريَّة الحسن بن عليٍّ رضي الله عنهما، وأمَّا الَّذي في المغرب فهو حفص من ذريَّة أبي حفصٍ صاحب تومرت، وقد انتسبوا إلى عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه، وهو قرشيٌّ.

قال ولحديث ابن عمر رضي الله عنهما شاهدٌ من حديث ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما، أخرجه البزار بلفظ (( لا يزال هذا الدِّين واصبًا ما بقي من قريش عشرون رجلًا ) ).

وقال النَّووي حكم حديث ابن عمر مستمرٌّ إلى يوم القيامة ما بقيَ من النَّاس اثنان، وقد ظهر ما قاله صلى الله عليه وسلم، فمن زمنه إلى الآن لم تزل الخلافة في قريش من غيرِ مزاحمةٍ لهم على ذلك، ومن تغلَّب على الملك بطريق الشَّوكة لا ينكر أن تكون الخلافة في قريشٍ، وإنَّما يدَّعي أنَّ ذلك بطريق النِّيابة عنهم، انتهى.

وقال القاضي عياض اشتراطُ كون الإمام قرشيًّا مذهب العلماء كافَّةً، وقد عدُّوها من مسائل الإجماع، ولم ينقل عن أحدٍ من السَّلف فيها خلافٌ، وكذلك من بعدهم في جميع الأمصار.

قال ولا اعتداد بقول الخوارجِ ومن وافقهم من المعتزلة أنَّه يجوز أن يكون الإمام غيرَ قرشيٍّ، وإنَّما يستحقُّ الإمامة من قام بالكتاب والسُّنَّة

ج 29 ص 512

سواء كان عربيًّا أو عجميًّا، وبالغ ضرار بن عَمرو فقال تولية غير القرشيِّ أولى؛ لأنَّه يكون أقلَّ عشيرة، فإذا عصى كان أمكن بخلعهِ، وذلك لِما فيه من مخالفة المسلمين.

وقال الحافظ العسقلانيُّ يحتاج ما نقلَ من الإجماع إلى تأويل ما جاء عن عمرٍ رضي الله عنه من ذلك، فقد أخرج أحمد عن عمر رضي الله عنه بسندِ رجاله ثقاتٌ أنَّه قال (( إن أدركني أجلي، وأبو عبيدة حيّ استخلفتهُ ) )، وذكر الحديث وفيه (( فإن أدركَني أجلي، وقد مات أبو عُبيدة، استخلفتُ معاذ بن جبلٍ ) )، الحديث.

ومعاذ بن جبلٍ أنصاريٌّ لا نسب له في قريشٍ، يحتمل أن يقال لعلَّ الإجماع انعقدَ بعد عمر رضي الله عنه، أو تغيَّر اجتهاد عمر في ذلك، والله أعلم.

وأمَّا ما احتجَّ به بعض من لم يعيِّن الخلافة في قريشٍ من تأمير عبد الله بن رواحةَ، وزيد بن حارثة، وأُسامةَ وغيرِهم في الحروب، فليس من الإمامةِ العظمى في شيءٍ، بل فيه أنَّه يجوز للخليفة استنابة غير القرشيِّ في حياته، والله أعلم.

قال الفقهاء من الشَّافعيَّة وغيرهم إذا لم يوجد قرشيٌّ يستخلف كِنانيٌّ، فإن لم يوجد فمن بني إسماعيل، فإن لم يوجد أحدٌ منهم مُستجمِع للشَّرائط فعجميٌّ على ما في «التهذيب» ، أو جُرهميٌّ على ما في «التتمّة» ، وإلَّا فمن بني إسحاق.

ويشترطُ أن يكون شجاعًا يغزو بنفسه، ويعالجُ الجيوش، ويقوَى على فتح البلاد، ويحمي البيضة، وأن يكون أهلًا للقضاء بأن يكون مسلمًا مكلَّفًا حرًّا عدلًا ذكرًا مجتهدًا ذا رأي وسمعٍ وبصرٍ ونطقٍ، وتنعقد الإمامة ببيعة أهل الحلِّ والعقد من العلماء، ووجوه النَّاس المتيسِّر اجتماعهم، وباستخلاف الإمام من رعيَّته في حياته، ويشترطُ القبولُ في حياتهِ ليكون خليفته بعد موتهِ، وباستيلاء متغلّبٌ على الإمامة، ولو غَيْرَ أهلها كصبيٍّ وامرأة بأنَّ قهر النَّاس بشوكتهِ وجنده، وذلك لينتظم شمل المسلمين.

هذا وقد استدلَّ بحديث ابن عمر رضي الله عنهما على عدمِ وقوع ما فرضه الفقهاءُ، وإنَّما فرض الفقهاء ذلك على عادتِهم في ذكر ما يمكن أن يقعَ عقلًا، وإن كان لا يقع عادةً أو شرعًا.

وقال الحافظ العسقلانيُّ والَّذي حمل قائل هذا القول عليه أنَّه فهم منه الخبرُ المحض، وخبر الصَّادق لا يتخلَّف، وأمَّا من حمله على الأمر، فلا يحتاج إلى هذا التَّأويل، والله أعلم.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ،

ج 29 ص 513

وقد أخرجه مسلم في (( المغازي ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت