فهرس الكتاب

الصفحة 10604 من 11127

7158 - (حَدَّثَنَا آدَمُ) هو ابنُ أبي إياسٍ، قال (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ) بضم العين وفتح الميم الكوفيّ، قال (سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرَةَ) نفيع الثَّقفي (قَالَ كَتَبَ) أبي (أَبُو بَكْرَةَ إِلَى ابْنِهِ) بالنّون؛ أي ولده. وفي رواية التِّرمذيّ عن عبد الرَّحمن بن أبي بكرة قال كتب أبي إلى عبيد الله بن أبي بكرة، وهذا يفسِّر رواية البخاريِّ المبهمة، وكذا وقع في «أطراف المزيِّ» إلى ابنه عبيد الله. ووقع في رواية مسلمٍ عن عبد الرَّحمن، قال (( كتب أبي ) )ويروى (( كتب إليَّ، وكتبت له إلى عبيد الله بن أبي بكرةَ ) ).

وفي «عمدة الأحكام» كتب أبي، وكتبت له إلى ابنه عبيد الله، وهو موافقٌ لرواية مسلم، إلَّا أنَّه زاد لفظ (( ابنه ) )والضَّمير في ابنه عائدٌ إلى أبي بكرة، وصرَّح في بعض الرِّوايات فقال (( وكتبت له إلى ابنه عبيد الله بن أبي بكرة ) ).

والحاصل أنَّ أبا بكرة له ابن يسمَّى عبيد الله، وهو المكتوب إليه، وابن آخر يسمَّى عبد الرَّحمن راوي الحديث الَّذي كتب إلى أخيه عبيد الله، به.

وهذا التَّركيب يحتمل أن يكون أبو بكرة كتب بنفسه إلى ابنه عُبيد الله، وكتب عبد الرَّحمن لأخيه عُبيد الله بمثل ما كتب أبو بكرة، ولكنَّ عبد الرَّحمن إنَّما كتب لأجل أبيهما؛ أي لأجل أمره وطواعيته ونحو ذلك، ففيه تنازعٌ بين كتب وبين كتبت في المفعول، وهو أن لا يحكم بين اثنين، وفي الجار والمجرور وهو إلى ابنه، ويكون قد أعمل أحدهما، وأضمرَ في الآخر،

ج 29 ص 540

ولكنَّه حذف؛ لكونه فضلة، انتهى.

وحاصله أنَّه كتب أبو بكرة بنفسه مرَّةً، وأمر ولده عبد الرَّحمن أن يكتب لأخيه، فكتب له مرَّةً أخرى.

وتعقَّبه الحافظ العسقلانيُّ بأنَّه لا يتعيَّن ذلك، بل الَّذي يظهر أنَّ قوله كتب إليَّ؛ أي أمر بالكتابة.

وقوله (( كتبت له ) )أي باشرت الكتابة الَّتي أمر بها، والأصل عدم التَّعدّد. وتعقَّبه العينيُّ فقال الأصل عدم التَّعدّد، والأصلُ عدم ارتكابِ المجاز، والعدولِ عن ظاهر الكلام لا لعلَّةٍ، وما المانع من التَّعدّد، انتهى.

أو يكون المراد كتب أبي إليَّ أن أكتبَ لابنه، ولكن حذف المفعول وهو المجرورُ بإلى، ثمَّ قال وكتبت له إلى ابنه بذلك؛ أي لأجل أمره لي بأن أكتبَ، وعلى هذا فلا تنازعَ في المجرور، بل في المفعول الَّذي هو المصدرُ المنسبك من (( أن لا يحكم ) )وأعمل أحدهما وحذف الآخر؛ لأنَّه غير عمدةٍ على ما سبق، أو يكون المراد أنَّ كلًّا من أبي بكرة وعبد الرَّحمن كتب إلى عبيد الله، وكتابة ثانيهما إليه تأكيدًا لكتابة الأوَّل، وكتابة عبد الرَّحمن إنَّما كانت لأجل أبي بَكرة على معنى أنَّه كتب ذلك من قبل أبيه، لا من قبل نفسه، أو يكون أبو بَكرة أمر بالكتابة، فنسب إليه أنَّه كتب تجوُّزًا بالسَّبب عن المسبَّب. وفيه نظرٌ؛ لرواية النَّسائيّ قال عبد الرَّحمن بن أبي بكرة (( كتب إليَّ أبو بكرة، يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ) )إلى آخره.

(وَكَانَ عُبَيْدُ اللَّهِ بِسِجِسْتَانَ) أي قاضيًا بها وهي حاليَّةٌ، وسِجِستان _ بكسر المهملة والجيم على الصَّحيح بعدهما مهملة ساكنة بعدها مثنَّاة فوقيّة _، وهي إلى جهة الهند، بينها وبين كرمان مائة فرسخٍ، منها أربعون فرسخًا مفازةً ليس فيها ماء، وينسبُ إليها سجستاني وسجزيّ بزاي بدل السِّين الثانية والتاء، وهو على غير قياسٍ، وسجستان لا ينصرف للعلميَّة والعجمة، وزيادة الألف والنُّون.

وقال العينيُّ هي في الأصل اسم إقليمٍ من الأقاليم، وهو إقليمٌ عظيمٌ واسم قصبته زَرَنْج _ بفتح الزّاي والرّاء وسكون النّون وبالجيم _، وهي مدينةٌ كبيرةٌ من سجستان. وقال ابنُ حوقل وقد يطلق على زرنج نفسها سجستان.

قال ابن سعدٍ في «الطبقات» كان زياد في ولايته على العراق قرب أولادِ أخيه لأمِّه أبي بكرة وشرفهم وأقطعهم، وولَّى عبيد الله بن أبي بكرة سجستان، قال ومات أبو بكرة في ولاية زيادٍ.

(بِأَنْ لاَ تَقْضِيَ بَيْنَ اثْنَيْنِ) وفي رواية مسلمٍ (( أن لا تحكم ) ) (وَأَنْتَ غَضْبَانُ) جملةٌ في موضع الحال، وغضبان لا ينصرف، والغضب غلَيان دم القلب لطلبِ الانتقام. وروى التِّرمذيّ عن أبي سعيدٍ مرفوعًا (( ألا وإنَّ الغضب جَمرةٌ في قلب ابنِ آدم، أما ترون إلى حمرة عينيهِ

ج 29 ص 541

وانتفاخ أوداجه )) .

(فَإِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ) الفاء في (( فإنِّي ) )سببيَّة (لاَ يَقْضِيَنَّ) بتشديد النّون تأكيدًا للنَّهي (حَكَمٌ) بفتحتين؛ أي حاكمٌ، وقد يطلق على القيّم بما يسند إليه (بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهْوَ غَضْبَانُ) وفي رواية مسلمٍ (( لا يحكم أحدٌ ) )والباقي سواءٌ. وفي رواية الشَّافعيّ، عن سفيان بن عُيينة، عن عبد الملك بن عميرٍ بسنده (( لا يقضي القاضي، أو لا يحكم الحاكم بين اثنينِ وهو غضبان ) )ولم يذكر القصَّة.

قال المهلَّب سبب هذا النَّهي أنَّ الحكم حالة الغضب قد يتجاوز الحاكم إلى غير الحقِّ فمنع، وبذلك قال فقهاء الأمصار. وقال ابنُ دقيق العيدِ فيه النَّهي عن الحكم حالة الغضب؛ لِما يحصل بسببه من التَّغيير الَّذي يختلُّ به النَّظر، فلا يحصل استيفاء الحكم على الوجه.

قال وعداه الفقهاء بهذا المعنى إلى كلِّ ما يحصل به التَّغير للفكر كالجوعِ والعطش المفرِطين، وشبع مفرطٍ، ومرض مؤلم، وخوف مزعجٍ، وحزن وفزعٍ شديدٍ، وغلبة نعاسٍ، وهمّ مضجر، ومدافعة حدثٍ، وحرٍّ مزعج، وبردٍ منكئ، وقرح شديدٍ، وملال، وسائر ما يتعلَّق به القلب تعلُّقًا يشغله عن استيفاء النَّظر، وكذا لو حضره طعام ونفسه تتوقُ إليه قال والمقصود أن يتمكَّن من استيفاء الفكر والنَّظر.

وقال الغزاليُّ فُهم من هذا الحديث أنَّه لا يقضي حاقنًا، أو جائعًا، أو متألِّمًا بمرضٍ أو غيره.

وقال الرَّافعيُّ وكذلك لا يقضي بكلِّ حالٍ يسوء خُلقه فيها، ويتغيَّر عقله. وقد أخرج البيهقيُّ بسندٍ ضعيفٍ، عن أبي سعيدٍ رضي الله عنه مرفوعًا (( لا يقضي القاضي إلَّا وهو شبعان ريّان ) ). وكأنَّ الحكمة في الاقتصار على ذكر الغضب؛ لاستيلائه على النَّفس وصعوبةِ مقاومته، بخلاف غيره. وقال ابن دقيق العيد وهو قياس مظنَّةٍ على مظنَّة؛ أي استنباط معنى دلَّ عليه النَّص، فإنَّه لمَّا نهى عن الحكم حالة الغضب، فُهم منه أنَّ الحكم لا يكون إلَّا في حالة استقامة الفكر، فكانت علَّة النَّهي المعنى المشترك وهو تغيُّر الفكر، والوصف بالغضب، يسمَّى علَّة بمعنى أنَّه مشتملٌ عليه، فأُلحِقَ به ما في معناه كالجوع وغيره. فإن قيل هل هذا النَّهي نهي تحريمٍ أو كراهة؟ فالجواب أنَّه نهي تحريمٍ عند أهل الظَّاهر لظاهر الحديث، وحمله العلماء على الكراهة حتَّى لو حكم في حال غضبه بالحقِّ نفذ حكمه، وهو مذهب الجمهور، وقد تقدَّم أنَّه صلى الله عليه وسلم حكم في حالة غضبه، كحكمه للزُّبير في شراج الحرَّة حين قال له الأنصاريُّ أنْ كان

ج 29 ص 542

ابنَ عمَّتك، فتلوَّن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال (( اسقِ يا زبير ) )الحديث. وفي «الصحيح» أيضًا في قصَّة عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، حين طلَّق امرأته وهي حائضٌ، فذكره عمر رضي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فتغيَّظ رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن لا حجَّة فيه لدفع الكراهة عن غيره؛ لعصمته صلى الله عليه وسلم، فلا يقولُ في الغضب إلَّا كما يقول في الرِّضا.

قال النَّوويّ يجوز الفتوى في حال الغضب، وكذلك الحُكم وينفذ، ولكنَّه مع الكراهة في حقِّنا، ولا يكره في حقِّه صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّه لا يخاف عليه في الغضب ما يخاف على غيره، وأبعد من قال يحمل على أنَّه تكلَّم بالحكم قبل وصوله في الغضب إلى تغيُّر الفكر، ويؤخذ من الإطلاق أنَّه لا فرق بين مراتب الغضبِ ولا أسبابه، ولذا أطلقه الجمهور، وفصّل إمام الحرمين والبغويُّ فقيَّدا الكراهة بما إذا كان الغضب لغير الله تعالى، واستغرب الرُّويانيّ هذا التَّفصيل واستبعده غيره؛ لمخالفته لظواهر الحديث، وللمعنى الَّذي لأجله نهى عن الحكم حال الغضب.

وقال بعض الحنابلة لا ينفذ الحكم في حال الغضب؛ لثبوت النَّهي عنه، والنَّهي يقتضي الفساد، وفصَّل بعضهم بين أن يكون الغضب طرأ عليه بعد أن استبانَ له الحكم فلا يؤثِّر، وإلَّا فهو محلُّ الخلاف، وهو تفصيلٌ معتبرٌ.

وقال ابن المنيّر أدخل البخاريُّ حديث أبي بكرة الدَّال على المنع، ثمَّ حديث أبي مسعود الدَّال على الجواز، تنبيهًا منه على طريق الجمع بأن يجعل الجواز خاصًّا بالنَّبيّ صلى الله عليه وسلم؛ لوجود العصمة في حقِّه، والأمن من التَّعدي، وأنَّ غضبه إنَّما كان للحقِّ، فمن كان في مثل حاله جاز، وإلَّا منع، وهو كما قيل في شهادة العدوّ، إن كانت دنيويَّة رُدّت، وإن كانت دينيَّة لم ترد.

وقال ابنُ دقيق العيد وغيره وفي الحديث أنَّ الكتابة بالحديث كالسَّماع من الشَّيخ في وجوب العمل، وأمَّا في الرِّواية فمنع منها قوم إذا تجرَّدت عن الإجازة، والمشهور الجواز.

نعم، الصَّحيح عند الأداء أن لا يُطلقَ الإخبار، بل يقول كتب إليَّ أو كاتبني، أو أخبرني في كتابه، وفيه ذكر الحكم مع دليله في التَّعليم، ومثله في الفتوى، وفيه شفقة الأبِ على ولده، وإعلامه بما ينفعه، وتحذيرهُ من الوقوع فيما ينكرُ، وفيه نشرُ العلم للعملِ به والاقتداء، وإن لم يُسأل العالم عنه.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ،

ج 29 ص 543

وأخرجه مسلم في (( الأحكام ) )، وأبو داود في (( القضايا ) )، والتِّرمذيّ في (( الأحكام ) )، والنَّسائيّ في (( القضايا ) )، وابن ماجه في (( الأحكام ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت