فهرس الكتاب

الصفحة 10622 من 11127

7170 - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) أي ابن سعيدٍ، قال (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) إمام أهل مصر، وفي رواية أبي ذرٍّ (عَنْ يَحْيَى) بن سعيدٍ الأنصاري (عَنْ عُمَرَ) بضم العين (ابْنِ كَثِيرٍ) بالمثلثة مولى أبي أيُّوب الأنصاري (عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ) هو نافع (مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ) الحارث الأنصاري الخزرجي رضي الله عنه (قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ حُنَيْنٍ) بضم الحاء المهملة ونونين أولاهما مفتوحة بينهما تحتية ساكنة (مَنْ لَهُ بَيِّنَةٌ عَلَى قَتِيلٍ قَتَلَهُ، فَلَهُ سَلَبُهُ) بفتح السين المهملة واللام بعدها موحدة، هو ما معهُ من المال من الثِّياب والأسلحة وغيرهما.

قال أبو قُتادة (فَقُمْتُ لأَلْتَمِسَ) أي لأطلب (بَيِّنَةً عَلَى قَتِيلٍ) قتلتُه، وفي رواية أبي ذرٍّ بتحتية ساكنة بعد اللام (فَلَمْ أَرَ أَحَدًا يَشْهَدُ لِي) على قتلي (فَجَلَسْتُ، ثُمَّ بَدَا لِي فَذَكَرْتُ أَمْرَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ جُلَسَائِهِ) لم يسمَّ، أو هو أسود الأسلميُّ من خزاعة كما عند الواقديِّ (سِلاَحُ هَذَا الْقَتِيلِ الَّذِي يَذْكُرُ) أي أبو قتادة (عِنْدِي) وفي (( الخمسِ ) )من (( الجهاد ) ) [خ¦3142] (( فقال رجلٌ صدق يا رسول الله وسلبه عندي ) ).

(قَالَ) صلى الله عليه وسلم للرَّجل (فَأَرْضِهِ مِنْهُ) بقطع الهمزة وكسر الهاء، وفي رواية

ج 29 ص 576

أبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ (فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق رضي الله عنه (كَلَّا) كلمة ردعٍ (لاَ يُعْطِهِ) بضم التحتية وكسر الطاء المهملة والهاء؛ أي أبو قتادة (أُصَيْبِغَ مِنْ قُرَيْشٍ) بضم الهمزة وفتح الصاد المهملة وبعد التحتية الساكنة موحدة مكسورة فغين معجمة، مصغَّر أصبغ، صغَّره تحقيرًا له بوصفه باللَّون الرَّديء.

وقال الخطَّابي الأصبغ _ بالصاد المهملة _ نوعٌ من الطَّير، ونباتٌ ضعيفٌ كالثمام، ويروى بالضاد المعجمة والعين المهملة، مصغَّر الضَّبع على غير قياسٍ، كأنَّه لمَّا عظَّم أبا قتادة بأنَّه أسدٌ صغَّر هذا وشبَّهه بالضَّبع؛ لضعف افتراسه بالنِّسبة إلى الأسد، و (( أُصيبغ ) )منصوبٌ؛ لأنَّه مفعول ثانٍ لقوله (( لا يعطه ) ).

(وَتَدَعْ) قال الكرمانيُّ بالرفع والنصب والجزم، ولم يبيِّن وجه ذلك اعتمادًا على أنَّ القارئ الَّذي له يدٌ في العربية يوجِّهه (أَسَدًا) بفتحتين (مِنْ أُسْدِ اللَّهِ) بضم الهمزة وسكون السين، جمع أسد (يُقَاتِلُ) في محل النَّصب؛ لأنَّه صفة قوله (( أسدًا ) ) (عَنِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ. قَالَ) أي أبو قُتادة (فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) الرَّجل الَّذي عنده السَّلب، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الحمويي والمستملي ، وفي رواية الأَصيليِّ وأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ أي أنَّ السَّلب لي (فَأَدَّاهُ إِلَيَّ) بتشديد الياء، فأخذته فبعتُه من حاطب بن أبي بلتعةَ أواقي (فَاشْتَرَيْتُ مِنْهُ خِرَافًا) بكسر الخاء المعجمة وفتح الراء مخففة وبعد الألف فاء؛ أي بستانًا (فَكَانَ) هو (أَوَّلَ مَالٍ تَأَثَّلْتُهُ) بمثلثة مشددة؛ أي اتَّخذته أصل المال واقتنيته، ويقال مال مؤثلٌ، ومجد مؤثلٍ؛ أي مجموع ذو أصل.

وقال الكرمانيُّ فإن قلت أوَّل القصَّة وهو طلب البيِّنة يخالف آخرها حيث حكم بدونها. قلت لا يخالف؛ لأنَّ الخصم اعترف بذلك مع أنَّ المال لرسول الله صلى الله عليه وسلم له أن يعطي من شاء، ويمنع مَن شاء.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة تُؤخذ من قوله (( فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ).

وقد مضى الحديثُ في (( الخمس ) ) [خ¦3142] ، و (( البيوع ) ) [خ¦2100] ، و (( المغازي ) )في (( غزوة حُنين ) ) [خ¦4321] .

قال البخاريُّ (قَالَ عَبْدُ اللَّهِ) هو ابن صالحٍ كاتب اللَّيث بن سعدٍ، والبخاري يعتمده في الشَّواهد، وفي رواية الكُشميهنيِّ (عَنِ اللَّيْثِ فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَدَّاهُ) أي السَّلب (إِلَيَّ)

ج 29 ص 577

بتشديد الياء. قال المهلَّب قوله في رواية قتيبة (( فعلم النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم ) )، يعني علم أنَّ أبا قتادة هو قاتل القتيل المذكور، وهي وهمٌ، والصَّحيح فيه رواية عبد الله بن صالحٍ بلفظ (( فقام ) ).

قال وقد ردَّ بعض النَّاس الحجَّة المذكورة، فقال ليس في إقرار ماعزٍ عند النَّبي صلى الله عليه وسلم، ولا حكمه بالرَّجم دون أن يشهد من حضره، ولا في إعطائه السَّلب لأبي قتادة حجَّةٌ للقضاء بالعلم؛ لأنَّ ماعزًا إنَّما أقرَّ عند النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بحضرة الصَّحابة.

إذ معلومٌ أنَّه كان صلى الله عليه وسلم لا يقعد وحده، فلم يحتج النَّبي صلى الله عليه وسلم أن يشهدهم على إقراره؛ لسماعهم منه ذلك، وكذلك قصَّة أبي قتادة.

وقال ابن المُنيِّر لا حجَّة في قصَّة أبي قتادة؛ لأنَّ معنى قوله (( فعلم النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم ) )علم بإقرار الخصم، فحكم عليه، فهي حجَّةٌ للمذهب؛ يعني الصَّائر إلى جواز القضاء بالعلم فيما يقع في مجلسِ الحكم، والله أعلم.

(وَقَالَ أَهْلُ الْحِجَازِ) يريد مالكًا ومن تبعه في ذلك (الْحَاكِمُ لاَ يَقْضِي بِعِلْمِهِ، شَهِدَ بِذَلِكَ فِي) وقت (وِلاَيَتِهِ أَوْ قَبْلَهَا) لوجود التُّهمة، ولو فتح هذا الباب؛ لوجد قاضي السُّوء سبيلًا إلى قتل عدوِّه وتفسيقه، والتَّفريق بينه وبين من يحبُّه يعني زوجته، ومن ثمَّة قال الشَّافعيُّ لولا قضاة السُّوء لقلتُ للحاكم أن يحكمَ بعلمه.

قال الحافظ العسقلانيُّ وإذا كان هذا في الزَّمان الأوَّل، فما الظَّنُّ بالمتأخِّر؟

فيتعيَّن حسم مادَّة تجويز القضاء بالعلم في هذه الأزمان المتأخِّرة؛ لكثرة من يتوَّلى الحكم ممَّن لا يؤمَن على ذلك.

(وَلَوْ أَقَرَّ خَصْمٌ عِنْدَهُ) أي عند الحاكم (لآخَرَ بِحَقٍّ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ، فَإِنَّهُ لاَ يَقْضِي عَلَيْهِ) بفتح التحتية وكسر الضاد المعجمة (فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ، حَتَّى يَدْعُوَ) أي الحاكم (بِشَاهِدَيْنِ فَيُحْضِرَهُمَا) بضم الياء، من الإحضارِ (إِقْرَارَهُ) وهو قول ابن القاسمِ وأشهب (وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِرَاقِ) يريد بهم أبا حنيفةَ ومن تبعه (مَا سَمِعَ) القاضي (أَوْ رَآهُ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ قَضَى بِهِ، وَمَا كَانَ فِي غَيْرِهِ) أي غير مجلسِ القضاء (لَمْ يَقْضِ) فيه (إِلاَّ بِشَاهِدَيْنِ) يحضرهما إقراره، وهو قول مطرف وابن الماجشون وأصبغ وسحنون من المالكيَّة. وقال ابن التِّين وجرى به العمل.

ويوافقه ما أخرجه عبد الرَّزَّاق بسندٍ صحيحٍ عن ابن سيرين، قال اعترف رجلٌ عند شُريح بأمر، ثمَّ أنكره، فقضى عليه باعترافه، فقال أتقضي عليَّ بغير بيِّنةٍ؟ فقال شهد عليك ابن أخت خالتكَ؛ يعني نفسه.

ج 29 ص 578

(وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ) أي من أهل العراق؛ يريد أبا يوسف ومن تبعَه (بَلْ يَقْضِي بِهِ) بدون شاهدين (لأَنَّهُ مُؤْتَمَنٌ) بفتح التاء المثناة (وَإِنَّمَا) وفي رواية أبي ذرٍّ (يُرَادُ مِنَ الشَّهَادَةِ مَعْرِفَةُ الْحَقِّ، فَعِلْمُهُ أَكْثَرُ مِنَ الشَّهَادَةِ) بالمثلثة في (( أكثر ) )، ووافقهم الشَّافعيُّ (وَقَالَ بَعْضُهُمْ) أي بعض أهلِ العراق (يَقْضِي) أي القاضي (بِعِلْمِهِ فِي الأَمْوَالِ، وَلاَ يَقْضِي فِي غَيْرِهَا) فلو رأى رجلًا يزني مثلًا لم يقضِ بعلمه حتَّى يكون بيِّنة تشهد بذلك عنده، وهو منقولٌ عن أبي حنيفة وأبي يوسف.

(وَقَالَ الْقَاسِمُ) القاسم إذا أطلق يُراد به ابن محمد بن أبي بكرٍ الصِّدِّيق رضي الله عنه أحد الفقهاء السَّبعة من أهل المدينة، قاله الكِرمانيُّ. وفي هامش فرع اليونينيَّة وأصلها إنَّه ابن عبد الرَّحمن بن عبد الله بن مسعودٍ. كما قاله أبو ذرٍّ الحافظ.

وقال الحافظ العسقلانيُّ كنت أظنُّ أنَّه ابن محمد بن أبي بكرٍ؛ لأنَّه إذا أطلق في الفروع الفقهيَّة انصرف الذِّهن إليه، لكن رأيت في رواية عن أبي ذرٍّ أنَّه ، فإن كان كذلك فقد خالف أصحابه الكوفيِّين، ووافق أهل المدينة في هذا الحكمِ.

وتعقَّبه العينيُّ فقال الكلام في صحَّة رواية أبي ذرٍّ على أنَّ هذه المسألة فقهيَّة، وعند الفقهاء إذا أطلق القاسم، يُراد به القاسم بن محمد بن أبي بكرٍ الصِّدِّيق.

ولئن سلَّمنا صحَّة رواية أبي ذرٍّ، فإطباق الفقهاء على أنَّه إذا أطلق يُراد به ابن محمد بن أبي بكرٍ رضي الله عنهم أرجح من كلام غيرهم، فليتأمَّل.

ومقول قول القاسم (لاَ يَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ أَنْ يُمْضِيَ) بضم التحتية وسكون الميم، هكذا في رواية الكُشميهنيِّ، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الحمويي والمستمليِّ بفتح التحتية وبالقاف بدل الميم.

(قَضَاءً بِعِلْمِهِ دُونَ عِلْمِ غَيْرِهِ) أي إذا كان هو وحده عالمًا به لا غير (مَعَ أَنَّ عِلْمَهُ أَكْثَرُ) بالمثلثة (مِنْ شَهَادَةِ غَيْرِهِ، وَلَكِنَّ) بتشديد النون، وفي بعض النُّسخ بالتَّخفيف، فعلى هذا قوله (( تُعرُّضٌ ) )بالرفع على أنَّه مبتدأ، وخبره قوله (( فيه ) )مقدَّمًا (فِيهِ) أي في القضاء بعلمهِ دون بيِّنةٍ (تَعَرُّضًا لِتُهَمَةِ نَفْسِهِ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ، وَإِيقَاعًا لَهُمْ فِي الظُّنُونِ) نصبٌ على قوله (( تعرضًا ) ). وقال الكِرمانيُّ منصوبٌ بأنَّه مفعولٌ معه، والعامل هاهنا ما يلزم الظَّرف.

وقوله (وَقَدْ كَرِهَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الظَّنَّ، فَقَالَ إِنَّمَا هَذِهِ صَفِيَّةُ) ذكره في معرضِ الاستدلال في نفي قضاءِ الحاكم في أمرٍ بعلمه دون علم غيره؛ لأنَّ فيه إيقاع نفسه في الظَّنِّ، والنَّبي صلى الله عليه وسلم كره الظَّنَّ، ألا ترى أنَّه قال للرَّجلين اللَّذين مرَّا به، وصفيَّة بنت حيي زوجته معه

ج 29 ص 579

(( إنَّما هذه صفيَّة ) )كما يأتي عقيب هذا الأثر [خ¦7171] ، إنَّما قال ذلك خوفًا من وقوع الظَّنِّ الفاسد لهما في قلبهما؛ لأنَّ الشَّيطان يوسوس فقال ذلك دفعًا لذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت