664 - (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ) وفي رواية زيادة (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد، وفي رواية (أَبِي) حفص بن غياث بن طَلْق _بفتح الطاء المهملة وسكون اللام وبالقاف_ (قَالَ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (قَالَ الأَسْوَدُ) هو ابن يزيد بن قيس النَّخعي المخضرم الكبير (كُنَّا) وفي رواية (عِنْدَ) أمِّ المؤمنين (عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا فَذَكَرْنَا الْمُوَاظَبَةَ عَلَى الصَّلاَةِ وَالتَّعْظِيمَ لَهَا) بالنصب عطفًا على «المواظبة» .
(قَالَتْ) عائشة رضي الله عنها (لَمَّا مَرِضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَضَهُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ) وقد بيَّن الزَّهري في روايته كما في الحديث الثَّاني من هذا الباب [خ¦665] أنَّ ذلك كان بعد أن اشتدَّ به المرض، واستقرَّ في بيت عائشة رضي الله عنها.
(فَحَضَرَتِ الصَّلاَةُ) هي العشاء، كما في رواية موسى بن أبي عائشة الآتية قريبًا في باب «إنَّما جعل الإمام ليؤتمَّ به» [خ¦687] ، وسيذكر هناك الخلاف في ذلك إن شاء الله تعالى.
(فَأُذِّنَ) بضم الهمزة على البناء للمفعول، من التَّأذين [1] ، وفي رواية الأَصيليِّ بالواو.
قال الحافظ العسقلاني وهو أوجه.
وقال العينيُّ لم يبيِّن وجه الأوجهية، بل الفاء أوجه على ما لا يخفى فليتأمَّل، والمراد به أذان الصَّلاة، كما في رواية أخرى حيث وقع (( وأذِّن بالصَّلاة ) )، ويحتمل أن يكون معناه أعلم، وقد وقع في رواية
ج 4 ص 157
من الإيذان، وفي باب «الرَّجل يأتمُّ بالإمام» (( جاء بلال يؤذنه بالصَّلاة ) ) [خ¦713] فاستفيد منه تسمية المبهم، وسيأتي في رواية موسى بن أبي عائشة أنَّه صلى الله عليه وسلم بدأ بالسُّؤال عن وقت الصَّلاة، وأنَّه أراد أن يتهيَّأ للخروج إليها فأغمي عليه الحديث.
قال ابن الدَّماميني لم يذكر في الحديث هنا بعد «لما» فعلًا ماضيًا مجرَّدًا من الفاء يَصلحُ جوابًا لكلمة «لمَّا» .
وقال القسطلانيُّ يحتمل أن يكون الجواب محذوفًا تقديره لمَّا مرض صلى الله عليه وسلم واشتدَّ مرضه، فحضرت الصَّلاة فأُذِّنَ أراد صلى الله عليه وسلم أن يستخلفَ أبا بكر رضي الله عنه في الصَّلاة، انتهى.
(فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم لمن حضره (مُرُوا) بضمتين على وزن كُلُوا من غير همز تخفيفًا (أَبَا بَكْرٍ) الصِّدِّيق رضي الله عنه (فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ) بالفاء العاطفة، والمعنى فقولوا له قَولي ليصلِّ بالنَّاس.
قال الكرمانيُّ هذا أمرٌ من رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكرٍ رضي الله عنه، ولفظ «مروا» ، يدلُّ على أنَّهم الآمرون لا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثمَّ أجاب بأنَّ الأصحَّ عند الأصوليِّين أنَّ المأمور بالشيء ليس آمرًا به، سيَّما وقد صرَّح النَّبي صلى الله عليه وسلم بقوله هاهنا بلفظ الأمر حيث قال (( فليصلِّ ) )انتهى.
وهذه مسألة معروفة في الأصول وفيها خلافٌ بعضهم قالوا إنَّ الآمر بالأمر بالشَّيء يكون آمرًا به، ومنهم من منع ذلك وقالوا معناه بلِّغوا فلانًا أنِّي آمر به، والله أعلم.
(فَقِيلَ لَهُ) قائل ذاك عائشة رضي الله عنها، كما جاء في بعض الرِّوايات (إِنَّ أَبَا بَكْرٍ) رضي الله عنه (رَجُلٌ أَسِيفٌ) فعيل بمعنى فاعل، من الآسف، وهو شدَّة الحزن، والمراد أنَّه رقيق القلب سريعُ البكاء لا يستطيع لغلبة البكاء وشدَّة الحزن، والآسف عند العرب شدَّة الحزن والنَّدم، يقال أسف فلان على كذا يأسَف، إذا اشتدَّ حزنه، وهو رجل أَسِيف وأَسُوف، ومنه قول يعقوب عليه السَّلام {يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ} [يوسف 84] يعني واحزناهُ واجزعاهُ؛ تأسُّفًا وتجزُّعًا لفقده. وقيل الأسيف الضَّعيف من الرِّجال في بطشه، وأمَّا الآسف فهو الغضبان المتلهِّف، قال تعالى {فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا} [طه 86] .
ولابن حبَّان من رواية عاصم عن شقيق عن مسروق عن عائشة رضي الله عنها في الحديث، قال عاصم والأسيف الرَّقيق الرحيم. وسيأتي بعد ستَّة أبواب من حديث
ج 4 ص 158
ابن عمر رضي الله عنهما في هذه القصَّة فقالت له عائشة رضي الله عنها إنَّه رجل رقيق القلب إذا قرأ غلبه البكاء [خ¦682] . ومن حديث أبي موسى نحوه [خ¦678] ، ومن رواية مالك عن هشام عن أبيه عنها بلفظ قالت عائشة رضي الله عنها قلت إنَّ أبا بكر إذا قام في مقامك لم يسمع النَّاس من البكاء، فمُرْ عمر رضي الله عنه [خ¦679] .
(إِذَا قَامَ مَقَامَكَ) وفي رواية (لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، وَأَعَادَ) أي رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته في أبي بكر رضي الله عنه بالصَّلاة (فَأَعَادُوا) أي عائشة ومن معها في البيت من الحاضرين، أُسنِد إليهم لكونهم في مقام الموافقين لها في ذلك، وفي حديث أبي موسى (( فعادت ) )ولابن عمر رضي الله عنه (( فعاودت ) ) (لَهُ) صلى الله عليه وسلم تلك المقالة إنَّ أبا بكر رجل أَسِيف.
(فَأَعَادَ) صلى الله عليه وسلم المرَّة (الثَّالثَة) في مقالته تلك؛ أي «مروا أبا بكر فليصلِّ بالنَّاس» ، وفي رواية «فراجعته مرَّتين أو ثلاثًا» (فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم، وفيه حذف بيَّنه مالك في روايته الآتية، ولفظه «فقالت عائشة رضي الله عنها فقلت لحفصة قولي له إنَّ أبا بكر إذا قام مقامك لم يُسمِع النَّاسَ من البكاء» ، فمُرْ عمر فليصلِّ بالنَّاس، ففعلت حفصة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( مَهْ ) ) (إِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ) الصِّدِّيق صلى الله عليه وسلم؛ أي مثلهنَّ في إظهار خلاف ما في الباطن، ثمَّ إنَّ هذا الخطاب وإن كان بلفظ الجمع فالمراد به واحد وهي عائشة رضي الله عنها فقط، كما أنَّ صَوَاحب جمع صاحبة، والمراد زليخا فقط، ووجه المشابهة بينهما في ذلك أنَّ زليخا استدعت النِّسوة وأظهرت لهنَّ الإكرام بالضِّيافة، ومرادها زيادةٌ على ذلك وهو أن ينظرنَ إلى حُسن يوسف ويعذرنها في محبَّته، وأنَّ عائشة رضي الله عنها أظهرت أنَّ سبب إرادتها صرف الإمامة عن أبيها كونه لا يسمع المأمومين القراءة لبكائه، ومرادها زيادةٌ على ذلك وهو أن لا يتشاءم النَّاس به، وقد صرَّحت هي فيما بعد ذلك، فقالت لقد راجعتُه وما حملني على كثرةِ مراجعته إلَّا أنَّه لم يقع في قلبي أن يحبَّ النَّاس بعده رجلًا قام مقامه أبدًا.
وفي «أمالي» ابن عبد السَّلام أنَّ النِّسوة أتين امرأةَ العزيز يظهرنَ تعنيفها، ومقصودهنَّ في الباطن أن يدعونَ يوسف إلى أنفسهنَّ. كذا قال، وليس في سياق الآية ما يساعد ذلك.
هذا وزاد حمَّاد بن أبي سليمان عن إبراهيم في هذا الحديث أنَّ أبا بكر رضي الله عنه هو الذي أمرَ عائشة رضي الله عنها أن تشيرَ على رسول الله صلى الله عليه وسلم
ج 4 ص 159
بأن يأمرَ عمر بالصَّلاة أخرجه الدَّورقي في «مسنده» ، وزاد مالك في روايته فقالت حفصة لعائشة رضي الله عنهما «ما كنت لأُصيبَ منكِ خيرًا» . ومثله للإسماعيلي في حديث الباب، وإنَّما قالت حفصة ذلك؛ لأنَّ كلامها صادف المرَّة الثَّالثة من المعاودة، وكان النَّبي صلى الله عليه وسلم لا يُرَاجع بعد ثلاث، فلمَّا أشار إلى الإنكار عليها بما ذكر من كونهنَّ صواحب يوسف، وجدت حفصةُ في نفسها من ذلك لكون عائشة رضي الله عنها هي الَّتي أمرتها بذلك، ولعلَّها تذكَّرت ما وقع لها معها أيضًا في قصَّة المغافير، كما سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى [خ¦5267] .
(مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ) وفي رواية الكُشميهني باللام بدل الموحدة (فَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ) رضي الله عنه، وفيه حذف إيجاز يدلُّ عليه سياق الكلام، وفي رواية موسى بن أبي عائشة الآتية (( فأتاه الرسول ) ) [خ¦687] أي بلال لأنَّه هو الذي أَعلمَ بحضور الصَّلاة، وفي روايته أيضًا فقال له إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تصلِّي بالنَّاس، فقال أبو بكر رضي الله عنه وكان رجلًا رقيقًا يا عمر صلِّ بالنَّاس، فقال له عمر رضي الله عنه أنت أحقُّ بذلك. وقول أبي بكر هذا لم يُرِدْ به ما أرادت عائشة رضي الله عنها.
وقال النَّووي تأوَّله بعضهم على أنَّه قاله تواضعًا وليس كذلك، بل قاله للعذر المذكور، وهو أنَّه رقيق القلب كثيرُ البكاء، فخشي أن لا يسمع النَّاس، انتهى.
وقيل [3] يحتمل أن يكون رضي الله عنه فَهِمَ من الإمامة الصُّغرى الإمامة الكبرى، وعَلِم ما في تحمُّلها من الخطر، وعلم قوَّة عمر رضي الله عنه على ذلك فاختاره.
ويؤيِّده أنه عند البيعة أشار عليهم أن يُبايعوه أو يبايعوا أبا عبيدة بن الجرَّاح رضي الله عنهم، والظَّاهر أنَّه لم يطَّلع على المراجعة المتقدِّمة، وفَهِمَ من الأمر له بذلك تفويض الأمر له في ذلك سواء باشر بنفسه أو استخلف.
قال القرطبيُّ ويُستفاد منه أنَّ للمُستَخلَفِ في الصَّلاة أن يستخلِفَ ولا يتوقَّف على إذن خاص له بذلك.
(فَصَلَّى) وفي رواية على صيغة المضارع فيكون من الأحوال المنتظرة، وعلى الرِّواية الأولى يحتمل أن يكون معناه شرع في الصَّلاة، ويحتمل أن يكون معناه أنَّه تهيَّأ لها، ويؤيِّد الثاني رواية (( يصلِّي ) )؛ لأن معناه يتهيَّأ للصَّلاة إذ في حالة الخروج لا يكون مصلِّيًا قطعًا، وفي رواية معاوية عن الأعمش بلفظ (( دخل في الصَّلاة ) ) [خ¦713] وهو يحتمل أيضًا أن يكون
ج 4 ص 160
المراد دخل في مكان الصَّلاة.
(فَوَجَدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ نَفْسِهِ خِفَّةً) ظاهره أنَّه صلى الله عليه وسلم وجد ذلك في تلك الصَّلاة بعينها، ويحتمل أن يكون ذلك بعدها، ويكون فيه حذف كما تقدَّم مثله في قوله فخرج أبو بكر. وفي رواية موسى بن أبي عائشة (( فصلَّى أبو بكر تلك الأيَّام، ثمَّ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجد من نفسه خفَّة ) ) [خ¦687] . فعلى هذا لا يتعيَّن أن تكون الصَّلاة المذكورة هي العشاء.
(فَخَرَجَ) صلى الله عليه وسلم (يُهَادَى) بضم أوله وفتح الدال المهملة، على البناء للمفعول (بَيْنَ رَجُلَيْنِ) أي يمشي بينهما معتمدًا عليهما من ضعفه متمايلًا إليهما في مشيه من شدَّة الضَّعف.
والتَّهادي التَّمايل في المشي البطيء، والرَّجلان هما العبَّاس بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما، كما في رواية موسى بن أبي عائشة، ووقع في رواية عاصم (( وجد خفَّة من نفسه فخرجَ بين بَرِيرة ونُوبَة ) )بضم النون وفتح الموحدة، وكان عبدًا أسود، ويدلُّ عليه حديث سالم بن عُبيد في «صحيح ابن خزيمة» بلفظ (( فخرج بين بريرة ورجل آخر ) ).
وذكرهُ بعضهم في النِّساء الصَّحابيَّات وهو وهم، قاله الحافظ العسقلاني. وتعقَّبه محمود العيني بأنَّه أراد بالبعض الذَّهبي وهو من جهابذة المتأخِّرين.
هذا ويجمع بين الروايتين كما قال النَّووي بأنَّه صلى الله عليه وسلم خرج من البيت إلى المسجد بين هذين، ومن ثمَّة إلى مقام الصَّلاة بين العبَّاس وعلي رضي الله عنهما، أو يحمل على التعدُّد، ويدلُّ عليه ما في رواية الدَّارقطني أنَّه خرج بين أسامة بن زيد والفضل بن عبَّاس رضي الله عنهم.
وأمَّا ما في «صحيح مسلم» أنَّه خرج بين الفضل بن عبَّاس وعلي رضي الله عنهم فذاك في حال مجيئه إلى بيت عائشة رضي الله عنها.
(كَأَنِّي أَنْظُرُ رِجْلَيْهِ) وفي رواية ابن عساكر (تَخُطَّانِ الأَرْضَ) أي لم يكن يَقْدِر على رفعهما من الأرض، فكان يجرُّهما عليها غير معتمد عليهما (مِنَ الْوَجَعِ، فَأَرَادَ أَبُو بَكْرٍ) رضي الله عنه، وزاد أبو معاوية عن الأعمش (( فلمَّا سمع أبو بكر حسَّه ) )، وفي رواية أرقم بن شرحبيل عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما في هذا الحديث (( فلمَّا أحسَّ النَّاس به سبَّحوا ) )أخرجه ابن ماجه وغيره بإسنادٍ حسنٍ.
(أَنْ يَتَأَخَّرَ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ) بفتح الهمزة وسكون النون، هي التفسيرية (مَكَانَكَ) أي الزم مكانك، وفي رواية عاصم (( أن اثبتْ مكانك ) )، وفي رواية موسى بن أبي عائشة (( فأومئ إليه أن لا يتأخَّر ) ) (ثُمَّ أُتِيَ) بضم الهمزة (بِهِ) صلى الله عليه وسلم (حَتَّى جَلَسَ إِلَى جَنْبِهِ) وفي رواية موسى بن أبي عائشة
ج 4 ص 161
أنَّ ذلك كان بأمره صلى الله عليه وسلم ولفظه (( فقال أجلساني إلى جنبهِ فأجلساهُ ) ).
وعيَّن أبو معاوية عن الأعمش _ بإسناد حديث الباب، كما سيأتي بعد أبواب إن شاء الله تعالى _ مكان الجلوس فقال في روايته (( حتَّى جلس عن يسار أبي بكر رضي الله عنه ) ) [خ¦713] وهذا هو مقام الإمامِ، وسيأتي القول فيه.
وأغرب القرطبي شارح «صحيح مسلم» لمَّا حكى الخلاف هل كان أبو بكر إمامًا أو مأمومًا؟ فقال لم يقع في «الصَّحيح» بيان جلوسه صلى الله عليه وسلم هل كان على يمين أبي بكر أو عن يساره رضي الله عنه، انتهى. ورواية أبي معاوية هذه عند مسلم أيضًا، فالعجبُ منه كيف يغفلُ عن ذلك في حال شرحه له، كذا قال الحافظ العسقلانيُّ.
(فَقِيلَ) وفي رواية بدون الفاء (لِلأَعْمَشِ) سليمان بن مهران، ظاهره أنَّه منقطع؛ لأنَّ الأعمش لم يسنده لكن في رواية أبي معاوية عنه ذَكَرَ ذلك متِّصلًا بالحديث، وكذا في رواية موسى بن أبي عائشة.
(وَكَانَ) بالواو، وفي رواية بالفاء (النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي وَأَبُو بَكْرٍ) رضي الله عنه (يُصَلِّي بِصَلاَتِهِ وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلاَةِ أَبِي بَكْرٍ) أي بصوته الدَّال على فعل النَّبي صلى الله عليه وسلم لا أنَّهم مقتدون بصلاته؛ لئلَّا يلزم الاقتداء بالمأموم، وفي رواية .
(فَقَالَ) الأعمش (بِرَأْسِهِ نَعَمْ، رَوَاهُ) أي روى الحديث المذكور، وفي رواية بالواو (أَبُو دَاوُدَ) هو الطَّيالسي (عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ بَعْضَهُ) بالنصب بدَلٌ من ضمير «رواه» ، وقد وصله البزَّار قال حَدَّثنا أبو موسى محمَّد بن المثنَّى حدَّثنا أبو داود به، ولفظه (( كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم المقدَّم بين يدي أبي بكر رضي الله عنه ) )، هكذا رواه مختصرًا.
(وَزَادَ أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمَّد بن خازم _ بالمعجمة وبالزاي _ الضَّرير في روايته عن الأعمش (جَلَسَ) صلى الله عليه وسلم (عَنْ يَسَارِ أَبِي بَكْرٍ) رضي الله عنه (فَكَانَ) وفي رواية بالواو (أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي قَائِمًا) وهذه الزِّيادة أسندها البخاري في باب «الرَّجل يأتمُّ بالإمام ويأتم النَّاس بالمأموم» ، عن قتيبة، عنه. على ما يأتي إن شاء الله تعالى [خ¦713] .
ورواه ابن حبَّان عن الحسن بن سفيان عن ابن نُمير عنه بلفظ فكان النَّبي صلى الله عليه وسلم يصلِّي بالنَّاس قاعدًا، وأبو بكر قائمًا.
ومن فوائد الحديث تعظيم الصَّلاة بالجماعة. ومنها تقديم أبي بكر وترجيحه على سائر الصَّحابة رضي الله عنهم. ومنها فضيلة عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه. ومنها جواز الثناء في الوجه لمن أَمِنَ الإعجاب. ومنها ملاطفة النَّبي
ج 4 ص 162
صلى الله عليه وسلم لأزواجه خصوصًا لعائشة رضي الله عنهن. ومنها جواز مراجعة الصَّغير للكبير. ومنها المشاورة في الأمر العام.
ومنها الأدب مع الكبير وإكرام الفاضل حيث أراد أبو بكر رضي الله عنه التأخُّر عن الصفِّ. ومنها أنَّ البكاء في الصَّلاة لا يبطلها وإن كَثُر، وذلك لأنه صلى الله عليه وسلم عَلِمَ حال أبي بكر رضي الله عنه في رقَّة القلب وكثرة البكاء، ولم يَعْدِل عنه ولا نَهَاهُ عن البكاء.
وأمَّا في هذا الزمان فقد قال أصحابنا الحنفيَّة إذا بكى في الصَّلاة فارتفع بكاؤه فإن كان من ذِكْرِ الجنَّة أو النار لم يقطعْ صلاته، وإن كان من وجع في بدنه أو مصيبةٍ في ماله أو أهله قطعها، وبه قال مالك وأحمد. وقال الشَّافعي البكاء والأنين والتأوُّه يبطل الصَّلاة إذا كان حرفين سواء كان للدُّنيا أو للآخرة.
ومنها أنَّ الإيماء يقوم مقام النُّطق، لكن يحتمل أن يكون اقتصار النَّبي صلى الله عليه وسلم على الإشارة لضعف صوته، ويحتمل أن يكون للإعلام بأنَّ مخاطبة من يكون في الصَّلاة بالإيماء أولى من النُّطق. ومنها تأكيد أمر الجماعة والأخذ فيها بالأشدِّ وإن كان المرض يرخِّص في تركها، ويحتمل أن يكون فَعَلَ لذلك لبيان جواز الأخذ بالأشدِّ وإن كانت الرُّخصة أولى.
وقال الطَّبري إنَّما فعل ذلك لئلا يَعْذِر أحد من الأئمَّة نفسه بأدنى عذر فيتخلَّف عن الإمامة، ويحتمل أن يكون قصدَ إفهام النَّاس أنَّ تقديمه لأبي بكر كان لأهليَّته لذلك حتَّى أنه صلَّى خلفه.
ومنها ما استدلَّ به الشَّعبي على جواز ائتمام بعضِ المأمومين ببعض، وهو مختار الطَّبري أيضًا، وأشار إليه البخاري رحمه الله كما سيأتي [خ¦684] ، وتعقِّب بأن أبا بكر رضي الله عنه كان مبلِّغًا كما سيأتي في باب «من أسمع النَّاس التَّكبير» [خ¦712] من رواية أخرى عن الأعمش، وكذا ذكره مسلم.
وعلى هذا فمعنى الاقتداء اقتداؤهم بصوته كما مرَّ الإشارة إليه، ويؤيِّده أنَّه صلى الله عليه وسلم كان جالسًا وأبو بكر قائمًا فكان بعض أفعاله يخفى على بعض المأمومين، فمن ثمَّة كان أبو بكر رضي الله عنه كالإمام في حقِّهم.
ومنها ما استدلَّ به البعضُ على جواز استخلاف الإمام لغير ضرورة لصنيع أبي بكر رضي الله عنه. ومنها ما استدلَّ به البعض أيضًا على جواز مخالفة موقف المأموم للضَّرورة كمن قصد أن يبلِّغ عنه ويلتحق به من زَحَم عن الصفِّ. ومنها اتِّباع صوت المكبِّر وصحَّة صلاة المسمِع والسَّامع، ومنهم من شرط في صحَّته تقدُّمُ إذن الإمام.
ومنها ما استدلَّ به الطَّبري على أنَّ للإمام أن يقطع الاقتداء به ويقتدي هو بغيره من غير أن يقطعَ الصَّلاة. ومنها جواز إنشاء القدوة
ج 4 ص 163
في أثناء الصَّلاة. ومنها ما استدلَّ به البعضُ على جواز تقديم إحرام المأموم على الإمام بناءً على أنَّ أبا بكر رضي الله عنه كان دخل في الصَّلاة، ثمَّ قطع القدوة وائتمَّ برسول الله صلى الله عليه وسلم، ويؤيِّده ما رواه أرقم بن شرحبيل عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما فابتدأ النَّبي صلى الله عليه وسلم القراءة من حيث انتهى أبو بكر رضي الله عنه.
ومنها ما استدلَّ به على صحَّة صلاة القادر على القيام قائمًا خلف القاعد خلافًا للمالكيَّة مطلقًا، ولأحمد حيث أوجب القعود على من يصلِّي خلف القاعد، والتَّفصيل فيه أنَّه يصلِّي القائم خلف القاعد عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وبه قال الشَّافعي ومالك في رواية.
وقال أحمد والأوزاعي يصلُّون خلفه قعودًا، وبه قال حمَّاد بن زيد وإسحاق وابن المنذر، وهو المرويُّ عن أربعة من الصَّحابة وهم جابر بن عبد الله، وأبو هريرة، وأُسيد بن حضير، وقيس بن قَهْد رضي الله عنهم حتَّى لو صلُّوا قيامًا لا يجزئهم، وعند محمَّد بن الحسن لا تجوز صلاة القائم خلف القاعد، وبه قال مالك في رواية ابن القاسم عنه.
ومنها ما استدلَّ به ابن المسيِّب على أنَّ مقام المأموم يكون على يسار الإمام؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم جلس على يسار أبي بكر والجماعة على خلافه، ويتمشَّى قوله على أنَّ الإمام هو أبو بكر، وأمَّا من قال إنَّ الإمام هو النَّبي صلى الله عليه وسلم فلا يتمشَّى على هذا قوله.
وقد اختلفت الرِّوايات في ذلك فقد رواه ابن خُزيمة في «صحيحه» عن محمَّد بن بشَّار عن أبي داود بسنده هذا عن عائشة رضي الله عنها قالت من النَّاس من يقولُ كان أبو بكر المقدَّم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنهم من يقول كان رسول الله صلى الله عليه وسلم المقدَّم، ورواه مسلم بن إبراهيم عن شعبة بلفظ أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم صلَّى خلف أبي بكر رضي الله عنه. أخرجه ابن المنذر وهو عكسُ رواية أبي موسى، وهو اختلافٌ شديدٌ.
ووقع في رواية مسروق عنها أيضًا اختلاف، فأخرجه ابن حبَّان من رواية عاصم عن شقيق عنه بلفظ كان أبو بكر رضي الله عنه يصلِّي بصلاته والنَّاس يصلُّون بصلاة أبي بكر. وأخرجه التِّرمذي والنَّسائي وابن خُزيمة من رواية شعبة عن نُعيم بن أبي هند، عن شقيق بلفظ أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم صلَّى خلف أبي بكر، وظاهر رواية محمَّد بن بشَّار أنَّ عائشة رضي الله عنها لم تشاهد الهيئة المذكورة، لكن تظافرت الرِّوايات عنها بالجزم بما يدلُّ على أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم كان هو الإمام في تلك الصَّلاة.
منها
ج 4 ص 164
رواية موسى بن أبي عائشة ففيها فجعل أبو بكر رضي الله عنه يصلِّي بصلاة النَّبي صلى الله عليه وسلم والنَّاس بصلاة أبي بكر، وهذه رواية زائدة بن قدامة عن موسى، وخالفه شعبة فرواه عن موسى بلفظ إنَّ أبا بكر رضي الله عنه صلَّى بالنَّاس ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الصفِّ خلفه.
فمن العلماء من سلك التَّرجيح فقدَّم الرِّواية التي فيها أنَّ أبا بكر كان مأمومًا؛ لأنَّ أبا معاوية أحفظ في حديث الأعمش من غيره. وقال ابن عبد البرِّ الآثار الصِّحاح تدلُّ على أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم هو الإمام.
ومنهم من عكس في ذلك فرجَّح أنَّه كان إمامًا، ومنهم من سلك الجمع فقال البيهقيُّ لا تعارض بين الأحاديث فإنَّ الصَّلاة التي كان صلى الله عليه وسلم فيها إمامًا هي صلاة الظُّهر يوم السَّبت أو يوم الأحد، والتي كان فيها مأمومًا هي صلاة الصُّبح من يوم الاثنين، وهي آخرُ صلاة صلَّاها النَّبي صلى الله عليه وسلم.
وقال نُعيم بن أبي هند الأخبار التي وردت في هذه القصَّة كلَّها صحيحة وليس فيها تعارض، فإنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم صلَّى في مرضه الذي مات فيه صلاتين في المسجد في إحداهما كان إمامًا، وفي الأُخرى كان مأمومًا.
وقال الضِّياء المقدسي وابن ناصر صحَّ وثبت أنَّه صلى الله عليه وسلم صلَّى خلفه مقتديًا به في مرضه الذي توفِّي فيه ثلاث مرات، ولا ينكر ذلك إلَّا جاهلٌ لا علم له بالرِّواية، وقد ثبت في «صحيح مسلم» أنَّه صلى الله عليه وسلم صلَّى خلف عبد الرَّحمن بن عوف في غزوة تبوك صلاة الفجر، وكان صلى الله عليه وسلم قد خرج لحاجته وقدَّم النَّاسُ عبدَ الرَّحمن فصلَّى بهم، فأدرك صلى الله عليه وسلم إحدى الرَّكعتين فصلَّى مع الناس الرَّكعة الأخيرة، فلمَّا سلَّم عبد الرَّحمن قام النَّبي صلى الله عليه وسلم يتمَّ صلاته فأفزع ذلك المسلمين فأكثروا التَّسبيح، فلما قضى صلى الله عليه وسلم صلاته أقبلَ عليهم، ثمَّ قال (( أحسنتم _ أو قال أصبتم _ ) ).
ومن الفوائد أيضًا تقديم الأفقه الأقرأ، وقد جمع الصِّدِّيق رضي الله عنه القرآن في حياة النَّبي صلى الله عليه وسلم كما ذكره أبو بكر بن الطَّيِّب، وأبو عَمرو الدَّاني.
ومنها جواز تشبيه أَحدٍ بأحد في وصفٍ مشهور بين النَّاس. ومنها أنَّ للمستخلَف أن يستخلِفَ في الصَّلاة ولا يتوقَّف على إذن خاصٍّ له بذلك والله أعلم [4] .
ثمَّ إنَّ رواة الحديث كوفيُّون، وقد أخرجه المؤلِّف في «الصلاة» [خ¦679] أيضًا، وكذا مسلم والنَّسائي وابن ماجه.
[1] في هامش الأصل وقيل هي صلاة الظُّهر، وقيل صلاة العصر، وقد جاء كلٌّ واحد منهما في رواية. منه.
[2] في طبعة الكمال «فأوذن» . وقول المؤلف هنا بالواو أي بعد الألف لا قبلها. وهذا أولى لترجيح الحافظ لها، وإن ظنها العيني سهوًا بالواو أي (وأذن) كما نقله عنه المؤلف هنا. وستأتي بالواو بعد قليل.
[3] في هامش الأصل عسقلاني.
[4] أعاد المؤلف هذه الفائدة وقد مرت قبل صفحات من قول القرطبي رحمه الله تعالى.