7181 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) العامريُّ الأويسيُّ الفقيه، قال (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين، ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ رضي الله عنه (عَنْ صَالِحٍ) هو ابنُ كيسان (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهري، أنَّه (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) أي ابن العوَّام (أَنَّ زَيْنَبَ ابْنَةَ) وفي رواية أبي ذرٍّ (أَبِي سَلَمَةَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ) هند (زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَتْهَا، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ سَمِعَ خُصُومَةً بِبَابِ حُجْرَتِهِ) منزل أمِّ سلمة، وفي رواية شُعيب ويونس عند مسلمٍ (( عند بابه ) ). ووقع عند مسلم في رواية معمر (( بباب أمِّ سلمة ) )، وفي رواية شُعيب عن الزُّهري (( سمع جلبة خصام ) )وهو جمع خصمٍ كالخصوم.
والجَلَبة _ بفتح الجيم واللام _ اختلاطُ الأصوات. وفي رواية يونس عند مسلمٍ (( جلبة خَصْم ) )بفتح الخاء وسكون الصاد، وهو اسم مصدرٍ يستوي فيه الواحد والمثنَّى والجمع، مذكرًا أو مؤنثًا، ويجوز جمعه وتثنيتهُ. ولمسلمٍ من طريق مَعمر عن هشام (( لجبة ) )بتقديم اللام على الجيم، وهي لغةٌ فيها. وعند أبي داود من طريق عبد الله بن رافعٍ،
ج 29 ص 596
عن أمِّ سلمة أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلان يختصمان في مواريثَ لهما لم يكن لهما بيِّنة إلَّا دعواهما. وفي روايةٍ له قال يختصمانَ في مواريثَ وأشياء قد دُرست. وعند عبد الرَّزَّاق في «مصنَّفه» أنَّها كانت في أرضٍ هلك أهلها، وذهب من يَعْلَمُها، ولم يُسِمِّ الخصمين.
(فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ) صلى الله عليه وسلم (فَقَالَ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ) أي إنسانٌ، وسُمِّي به؛ لظهور بشرتهِ دون ما عداه من الحيوان، يطلقُ على الواحد والجماعةِ؛ يعني أنَّه منهم. والمراد إنَّه مشاركٌ للبشر في أصلِ الخلقة، ولو زادَ عليهم بالمزايا الَّتي اختصَّ بها في ذاتهِ وصفاته، والحصر هنا مجازيٌّ؛ لأنَّه يختصُّ بالعلم الباطن، ويسمَّى قصر قلبٍ؛ لأنَّه أتى به ردًّا على من زعم أنَّ من كان رسولًا، فإنَّه يعلم كلَّ غيبٍ حتَّى لا يخفَى عليه المظلوم، فردَّ عليهم بأنَّه لا يعلمُ الغيب الَّذي لم يطلعْه الله عليه.
وفي «شرح معاني الآثار» قوله (( إنَّما أنا بشر ) )أي من البشر، ولا أدري باطنُ ما تتحاكمون فيه عندي، وتختصمون فيه لديَّ، وإنَّما أقضي بينكم على ظاهر ما تقولونَ، فإذا كان الأنبياء عليهم السَّلام لا يعلمون ذلك، فغير جائزٍ أن تصحَّ دعوى غيرهُم من كاهنٍ أو منجِّمٍ، وإنَّما يعلم الأنبياء من الغيبِ ما أُعلِموا به بوجهٍ من الوجوه.
(وَإِنَّهُ يَأْتِينِي الْخَصْمُ، ولعلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ) استعمل (( لعلَّ ) )استعمالَ (( عسى ) )، وبينهما معاوضة، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ بالفاء (أَبْلَغَ مِنْ بَعْضٍ) أي أفصح في كلامهِ، وأقدرَ على إظهار حجَّته. وفي رواية سفيان الثَّوري في (( ترك الحيل ) ) [خ¦6967] (( وإنَّكم تختصمون إليَّ، ولعلَّ بعضكُم أن يكون ألحنَ بحجَّته من بعضٍ ) ).
(فَأَحْسِبُ أَنَّهُ صَادِقٌ) هذا يُؤذِن أنَّ في الكلام حذفًا تقديره وهو في الباطن كاذبٌ، وفي رواية معمر (( فأظنُّه صادقًا ) ) (فَأَقْضِي لَهُ بِذَلِكَ) أي أحكم له بما يذكره بظنِّي أنَّه صادقٌ، وفي رواية أبي داود من طريق الثَّوري (( فأقضي له عليه على نحوٍ ممَّا أسمع ) )، وفي رواية عبد الله بن رافعٍ (( إنِّي إنَّما أقضي بينكم برأيي فيما لم ينزل عليَّ فيه ) ) (فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ مُسْلِمٍ) ذكر المسلم؛ ليكون أهولَ على المحكوم له؛ لأنَّ وعيد غيره معلومٌ عند كلِّ أحدٍ، فذكر المسلم تنبيهًا على أنَّه أشدُّ في حقِّه. وفي رواية مالك [خ¦7168] ومعمرٍ (( فمن قضيتُ له بشيءٍ من حقِّ أخيه ) ). وفي رواية الثَّوري (( فمن قضيتُ له من أخيه شيئًا ) )، وكأنَّه ضمَّن (( قضيت ) )معنى (( أعطيتُ ) ). ووقع عند أبي داود عن محمد بن كثيرٍ شيخ البخاريِّ فيه (( فمن قضيت له
ج 29 ص 597
من حقِّ أخيه بشيءٍ فلا يأخذه )) . وفي رواية عبد الله بن رافعٍ عند الطَّحاوي والدَّارقطني (( فمن قضيت له بقضيَّةٍ أراها يُقطَع بها قطعة ظلمًا، فإنَّما يُقطع له بها قطعةً من نار، إسطامًا يأتي بها في عنقهِ يوم القيامة ) ).
والإِسْطام _ بكسر الهمزة وسكون المهملة وبالطاء المهملة _ القطعة، فكأنَّها للتَّأكيد.
(فَإِنَّمَا هِيَ) أي الحكومة الَّتي تقعُ بينكم على هذا الوجه؛ يعني بحسب الظَّاهر إذا كان في الباطن لا يستحقُّه (قِطْعَةٌ مِنَ النَّارِ) أي حرامٌ عليه تؤول به إلى النَّار، وهو تمثيلٌ يُفهَم منه شدَّة التَّعذيب على من يتعاطاهُ، فهو من مجاز التَّشبيه، كقوله تعالى {إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا} [النساء 10] .
(فَلْيَأْخُذْهَا أَوْ لِيَتْرُكْهَا) وفي رواية يونس (( فليحملهَا أو ليذرها ) )هو أمرُ تهديدٍ لا تخيير، فهو كقوله تعالى {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} [الكهف 29] كذا قرَّره النَّووي وغيره. وتُعقِّب بأنَّه إن أريدَ به أنَّ كلًّا من الصِّيغتين للتَّهديد، فممنوعٌ، فإنَّ قوله (( أو ليتركها ) )للوجوبِ كما سبق في كلامٍ طويلٍ سبقَ في (( كتاب المظالم ) ) [خ¦2458] .
وزاد عبد الله بن رافعٍ في آخر الحديث في رواية الطَّحاوي بعد أن قال (( فليأخذها أو ليدعها، فبكى الرَّجلان وقال كلُّ واحدٍ منهما حقِّي لأخي، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أمَّا إذا فعلتما ذلك، فاذهبا فاقتسما، وتوخَّيا الحقَّ، ثمَّ استهما، ثمَّ تحالَّلا ) )أي ليحلِّل كلُّ واحدٍ منكما صاحبه.
وقوله (( توخَّيا الحقَّ ) )أي تحرَّياه، وقوله (( ثمَّ استهما ) )أي ثمَّ اقترعا.
وفي الحديث من الفوائد
أنَّ البشر لا يعلمون ما غُيِّب عنهم وسُتِر من الضَّمائر. وأنَّ بعض النَّاس أدرى بمواضع الحجَّة وتصرُّف القول من بعضٍ. وأنَّ القاضي إنَّما يقضي على الخصم بما يسمع منه من إقرارٍ، أو إنكارٍ أو بيِّنات على حسب ما أحكمته السُّنَّة في ذلك. وأنَّ التَّحري جائزٌ في أداء المظالم. وأنَّ الحاكم يجوز له الاجتهاد فيما لم يكن فيه نصٌّ. وأنَّ الصُّلح على الإنكار جائزٌ خلافًا للشَّافعي، قاله أبو عمر.
وأنَّ الاقتراع والاستهام جائزٌ. وقال أبو عمر قد احتجَّ أصحابنا بهذا الحديث في ردِّ حكم القاضي بعلمهِ، وفيه غير ذلك، وقد أطنبَ في ذلك الحافظ العسقلانيُّ.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة تؤخذ من قوله (( فأقضِي له بذلك ... ) )إلى آخره.
وقد مضى الحديث في (( المظالم ) ) [خ¦2458] ، و (( الشَّهادات ) ) [خ¦2680] ، و (( الأحكام ) ) [خ¦7184] ، و (( ترك الحيل ) ) [خ¦6967] .